خطوبة بنت اخو جوزي
بدلة جاكيته كأنه بينفض غبار لمسه، وقال بكلمات كانت زي الرصاص اللي استقر في قلب كل واحد فيهم اللي يصغر أخوه قدام الغريب، يستاهل الغريب يدوس عليه. إنتي اللي اختارتي إن الفلوس والمظاهر هي اللي تديكي قيمة، وأنا النهاردة ورّيتك قيمتي الحقيقية، وقيمتك أنتي وإبراهيم من غيري.
وقع طارق على العقود قدام الحاج مرسي، والمحامي أخد التوقيعات، والحاج مرسي سلم الشيكات لطارق في ظرف أبيض قدام الكل. طارق شال الظرف في جيب جاكيته، وقام وقف بكل طوله وهيبته.
بص لحما العريس وقال ألف مبروك يا حاج، وربنا يتمم لبنتنا على خير.. إحنا أدينا الواجب وزيادة، ونستأذن إحنا بقى عشان منضايقش الناس اللي على الفرازة. حما العريس وقف بإحراج شديد وخجل من قلة أصل نسايبه الجداد، ومد إيده لطارق بحرارة شديدة والله يا أبو الرجولة إنت تاج راس العيلة دي، والبيت اللي ميعرفش قيمتك ميعرفش طعم الرجولة.. شرفتنا ونورتنا.
طارق لف وشه، مد إيده ليا قدام الكل، مسكت إيده وأنا حاسة برعشة فخر وكرامة عمري ما حسيت بيها في عمري كله. رفعت راسي ومشيت جنبه، وولادي ماشيين ورانا رافعين روسهم، وعدينا من جنب حماتي وأخته وإبراهيم اللي كانوا واقفين زي الأصنام المكسورة، بيبكوا بدموع الذل اللي زرعوه بإيديهم وحصدوه في نفس الليلة.
خرجنا من باب القاعة للهوا الطلق. الليل كان نزل، والشارع هادي ونسيمه بيرد الروح. طارق وقف على الرصيف، أخد نفس طويل وعميق كأنه أول مرة يتنفس من سنين، بص في السما وقال الحمد لله.. كرامتي وكرامة بيتي رجعت، وحقي في الدنيا أخدته.
بصلي وعينيه كانت بتضحك من جوة، مسك وشي بإيديه الاتنين وقال بحنية عارفة يا أم فلان؟ طقم الكاسات اللي أبوكي جابهولك ده، كان أغلى حاجة دخلت بيتي.. لأنه كان المراية اللي كشفتلي مين اللي معايا ومين اللي عليا. بكرة الصبح
هنروح نفتح حساب للعيال، ونشتري شقة جديدة بعيد عن الحارة دي وعن النفوس دي كلها.. إنتي سديتي مكاني في الضيقة، وأنا هفرشلك الأرض ورد في السعة.
ركبنا تاكسي سوا، وأنا ساندة راسي على كتف جوزي، حاسة بالأمان والراحة، وعارفة إن الوجع اللي عيشته الصبح اتقلب لعزة ونصر هيفضل محفور في قلوبهم طول العمر. الباب اتقفل وراهم للأبد، بس بيتي أنا وعيالي اتفتحله باب جديد مليان كرامة وشرف ميتعوضش بكنوز الدنيا.