خطوبة بنت اخو جوزي

لمحة نيوز

ألف مبروك يا أم العروسة! ألف مبروك يا أختي، زغروطة للغالية يا ولاد!
أخته بصت له ببرود غريب، قامت وقفت بالعافية، سلمت بطراطيف صوابعها، وقالت بصوت ناشف الله يبارك فيك يا أخويا.. عقبال ما تفرح بعيالك.
جوزي استغرب البرود ده، بس قال لنفسه يمكن ملخومة، لف وشه وباس راس أمه إزيك يا أمي، عاملة إيه؟ البركة فيكي يا غالية.
حماتي دورت وشها للناحية التانية، ومردتش عليه بلهفة، قالت بنص لسان الحمد لله.. إيه اللي جابكم بدري كده؟ البت لسه في الكوافير ومفيش حد هنا.
جوزي ضحك بحسن نية بدري إيه يا أمي؟ ده العصر أذن، قولت أكون في ضهر أختي وأشوف لو ناقص حاجة، لو عايزين ننقل حاجة، ولا نجيب طلبات الفرح.
أخته دخلت في الكلام بنبرة لئيمة لا يا سيدي، كتر خيرك، طلبات إيه اللي تنقلها؟ العريس جايب كل حاجة، والرجالة الكبار اللي بيعرفوا في الأصول خلصوا كل حاجة من الصبح.. متتعبش نفسك، ارتاح.
الكلمة رنت في الصالة، حسيت جوزي اتلجم، كأنه خد كف على غفلة. بصلي بطرف عينه، ورجع بص لأخته، وقال بهدوء وهو بيحاول يبلع الإهانة أنا أخوكي الكبير يا أميرة، وفي مقام أبو العروسة، مفيش حد غريب يسبقني في حاجة تخص بنتك.
أخته ضحكت ضحكة صفرا، وبصت للنيش اللي في الصالة، وقالت وهي بتعدل طرحتها أبو العروسة؟ والله عال! اللي في مقام أبو العروسة ده، كان دخل البيت بهيبة، كان جاب حاجة تشيل العين وتفرح القلب.. مش يبعت مراته تفركش في نيشنا وتجيب طقم كاسات، الناس يضحكوا علينا بيه ويقولوا خال العروسة جايب كاسات شربات كأنه داخل يزور مريض!
الصالة سكتت خالص. النفس اتقطع.
جوزي وشه اتغير، لونه بهت، وعينيه دارت في الصالة، وبعدين بصلي بصدمة وزهول، ورجع بص لأخته بصوت بدأ يتهز من الغضب إنتي بتقولي إيه يا أميرة؟ طقم كاسات إيه اللي يضحك الناس؟ دي مراتي جايبة طقم مستورد من حر مالها عشان تسترك وتسترني، ده أبوها باعتلها قرشين طلعتهم عشان تفرح بنتك ومحسش إني مقصر.. تقومي تعايريها وتعايريني؟
هنا بقى حماتي انفجرت، كأنها كانت مستنية عود كبريت يرمي في بنزين، خبطت على ركبتها وصوتت جرى إيه يا ابن بطني؟ جاي تعلي صوتك على أختك في يوم فرح بنتها عشان خاطر الست هانم؟ أختك معاها حق! إنت خالها، المفروض الهدية تكون من دهبك وشقاك، مش تجيبوا شوية زجاج وتمنوا علينا بيهم! وكمان بتقول من حر مالها؟ ومنين حر مالها وهي عايشة في خيرك؟ هي بتشتغل من ورانا ولا بتورث وإحنا مش عارفين؟
الكلام كان بينزل زي المطارق. جوزي كان واقف مصدوم، مش قادر يستوعب إن أمه وأخته اللي بيجري عليهم بلقمته لما كان مفيش، هما نفسهم اللي بيسلخوا جلده دلوقتي قدام ولاده وقدامي.
جه جوزي يرد، بس في اللحظة دي اتفتح باب الشقة ودخلت سلفتي التانية، لابسة فستان سواريه أزرق بيلمع، بناتها حاطين مكياج كامل ولابسين فساتين سواريه كأنهم رايحين مهرجان، وأخو جوزي التاني داخل وراها لابس بدلة كاملة ومتشيك على سنجة عشرة.
أول ما سلفتي شافت جوزي وشافتني لابسة عبايتي الخروج العادية، وجوزي لابس قميص وبنطلون كاجوال، وشها جاب ألوان، واتلخبطت وقالت بصوت واطي إيه ده.. إنتوا.. إنتوا لسه ملبستوش؟
جوزي استغرب وبص لأخوه، وقال نلبس إيه يا إبراهيم؟ إحنا لابسين ونازلين، هو في حاجة تانية؟ إنت لابس بدلة ليه والكتب في الصالة هنا؟
إبراهيم بص لأخته، وبص في الأرض، ومكنش عارف ينطق. الصمت في اللحظة دي

كان فاضح أكتر من أي كلام.
حماتي اتلجلجت، وأخت جوزي وشها احمر، وبدأت تلف وتدور أصل.. أصل بصراحة يا طارق.. القاعة صغيرة قوي، والعريس حاجز عدد كراسي محدود على قد المعازيم بالظبط.. والقاعة بالبطاقات، يعني كروت على الفرازة، فإحنا قولنا إنت ومراتك وعيالك تباركوا هنا في البيت براحتكم، وإبراهيم ينزل معانا يمثل العيلة هناك عشان هو معاه عربية وهيودي الحريم.
القاعة؟!
الكلمة طلعت من بق جوزي وكأنها بتشق صدره. وقف مشلول مكانه. قاعة إيه يا أميرة؟ إنتوا قولتولي الفرح هنا في البيت عشان الظروف، قولتولي مفيش قاعات ومفيش مصاريف، وخليتوا إبراهيم وسلايفي يجهزوا للقاعة، وأنا وعيالي منعرفش؟ أنا الخال الكبير متمنعش من فرح بنت أختي؟!
أخته رفعت حاجبها وردت بوقاحة خلاص مبقاش وراها خوف أيوه، العريس قال المعازيم اللي هيدخلوا القاعة يكونوا ناس واجهة، ناس تشرف قدام أهله، إنت جاي بقميص خفيف وبنتك ممعهاش فستان سواريه، هتدخلوا تقعدوا وسط الناس تعملوا إيه؟ تصغرونا قدام أهل جوز بنتي؟ كفاية طقم الكاسات اللي جابته مراتك، كتر خيركم، باركتوا وكلتوا الواجب، اتفضلوا بقى عشان العربيات مستنية تحت والعروسة زمانها جاية من البيوتي سنتر عشان نتحرك على القاعة!
في اللحظة دي، حسيت إن جوزي روحه بتتسحب منه. بص لأمه عشان يلقى فيها ريحة الأمومة، يلقى فيها الستر، لقاها بتبص الناحية التانية وبتقول اسمع كلام أختك يا طارق، وبلاش تعمل فضيحة في الشارع في ليلة البت، الناس هتقول إيه؟ روح بيتك يا ابني، وابقى بارك للعريس لما يستقروا.
جوزي مكنش قادر يرفع عينه، بص في الأرض، شفت رجليه بترتعش. الراجل اللي عمره ما انكسر، الراجل اللي بيشتغل ليل ونهار وشايل هموم الدنيا فوق كتافه عشان ميمدش إيده لحد، أهله طردوه من فرحهم عشان مش واجهة!
أنا مكنتش قادرة أسكت أكتر من كده. الدم غلي في عروقي، نسيت خوفي، ونسيت إني مش عايزة أعمل مشاكل. خطيت خطوة لقدام، وبصيت لأخته في عينها، والصوت اللي كان مهزوز من شوية بقى زي الرعد واجهة؟! إنتي بتتكلمي عن الواجهة يا أميرة؟ مين اللي مش واجهة؟ أخوكي اللي لسه راجع من مرضه وواقف على رجليه عشان ميخليكيش ناقصك حاجة؟ أخوكي اللي لقمته كانت بتتقسم بينك وبينه لما كان جوزك مسافر ومحدش سائل فيكي؟ طقم الكاسات اللي مش عاجبك ده، تمنه عرق راجل شقيان، ومن بيت أبويا اللي علمني الأصول اللي بيتك ميعرفش عنها حاجة!
حماتي صرخت اخرسي يا قليلة الأدب! بتعلي صوتك في بيتنا؟
رديت عليها وأنا مش شايفة قدامي بيتكوا ده اللي داخلينه بالحب والأصول، اتملى سواد وغدر! طارق مش هيقعد هنا دقيقة واحدة، ومش هيدخل قاعتكم دي حتى لو فرشتوهاله دهب! يلا يا طارق، يلا يا أبو ولادي، كرامتك تسوى الدنيا واللي فيها، وإحنا مش شحاتين على أبوابهم!
مسكت إيد جوزي. كانت إيده باردة زي التلج، عضلات وشه مشدودة وعينيه محبوس فيها غضب لو انفجر يحرق الأخضر واليابس. سحبته وخرجنا، نزلنا على السلم، وأصواتهم ورانا بدأت تعلى بالشتيمة والتلقيح، بس مكنش فارق معايا حاجة غير الراجل اللي ماشي جنبي ساكت، سكوت يخوف أكتر من أي زعيق.
نزلنا الشارع، العيال كانوا ماشيين ورانا ساكتين، عيونهم مليانة خوف واستغراب. جوزي مشي في الشمس، مكنش باصص يمين ولا شمال، خطوته كانت تقيلة كأنه شايل صخرة. مشينا لحد ما وصلنا بيتنا.
أول ما قفلنا باب الشقة ورانا، جوزي قعد على أول كرسي قابله، حط راسه بين إيديه، وسمعت صوت مكنتش أتخيل إني أسمعه في حياتي..
تم نسخ الرابط