خطوبة بنت اخو جوزي

لمحة نيوز

سمعت صوت شهقة طالعة من قاع روحه، جوزي بيبكي. راجل طول بعرض، بيبكي بحرقة وكسرة تفتت الحجر.
قعدت على ركبي قدامه، مسكت إيديه وحاولت أرفع راسه حقك عليا أنا، فدا رجليك، والله ميسووا ضفرك، متعملش في نفسك كده، إنت سيد الرجالة كلهم، ومحدش يقدر يقلل منك!
رفع وشه، والدموع مغرقة عينيه وخدوده، وبصلي بصوت متقطع أنا يا أم فلان؟ أنا أختي تطردني؟ أنا أمي تقولي بلاش تعمل فضيحة ومتروحش القاعة عشان مش واجهة؟ ده أنا كنت ببات من غير عشا عشان أجيبلها جهازها لما كانت بتتجوز! ده أنا كنت باخد من لحم الحي عشان عيالها ميبقوش أقل من حد! طقم الكاسات اللي إنتي جبتيه من دهب أبوكي، يعايروني بيه؟ ويقولوا العريس عايز ناس تشرف؟! هو أنا بقيت عار عليهم؟
قلبي كان بيتقطع مع كل كلمة بيقولها، بس فجأة، مسح دموعه بكم قميصه بعنف، ملامح وشه اللي كانت مكسورة، اتحولت لملامح تانية خالص.. ملامح عمري ما شفتها فيه طوال سنين جوازنا. عينيه اللي كانت بتبكي، بقى فيها شرار غريب، ونظرة برود تخوف.
قام وقف على حيله، صوته بطل يترعش، وبقى هادي.. هدوء ما قبل العاصفة.
بصلي وقال بصوت واطي ومسموع هما عايزين يشوفوا مين الواجهة ومين العار؟ عايزين يشوفوا طارق اللي ميعرفش يجيب غير كاسات؟
قلتله بقلق طارق، هتعمل إيه؟ اهدى عشان خاطري، بلاش تضيع نفسك عشان ناس ميسووش!
مردش عليا، دخل أوضة النوم، وسمعت صوت درف الدولاب بتتفتح بعنف. جريت وراه لقيته بيفتح الخزنة الصغيرة القديمة اللي في قعر الدولاب، الخزنة اللي مبيفتحهاش غير للورق المهم وعقود البيت القديم. طلع منها ظرف بني مقفول بقاله سنين، وطلع تليفونه من جيبه وطلب رقم.
حط التليفون على ودنه، واستنى
لحظات، وبعدين قال بصوت حاسم وجامد زي الحديد ألو.. إزيك يا حاج مرسي.. معاك طارق. الورق اللي كنت مكلمني عليه بخصوص أرض الورثة والمخزن اللي على الشارع الرئيسي، العرض لسه قائم؟.. تمام، أنا موافق أبيع، بس بشرط واحد.. التنفيذ والشيكات تخلص خلال ساعتين من دلوقتي، وعايزك تيجي معايا مشوار صغير الليلة دي.. مشوار في قاعة كذا، عشان نخلص البيعة قدام العيلة كلها.. أيوه، قدام العيلة كلها!
قفل السكة، وبصلي وهو بيحط الظرف في جيب جاكيت كان معلقه في الدولاب من سنين، جاكيت غالي جداً كان شيلوا لمناسبات مبتحصلش. بص في المراية وعدل ياقته، وابتسم ابتسامة خلت الدم يتجمد في عروقي.
بصلي وقال البسي أحسن حاجة عندك يا أم فلان، وجهزي العيال ولبسيهم أحسن ما عندهم.. الفرح لسه مبدأش، والواجهة الحقيقية لسه هتدخل القاعة دلوقتي!
الهدوء اللي نزل على طارق فجأة كان يرعب أكتر من أي صريخ. ملامحه اللي كانت دبلانة ومكسورة اتحولت لصفحة من حديد صلب، عينيه اللي كانت مغرقة دموع جفت تماماً وبقى فيها لمعة باردة، لمعة راجل خد قراره بعد ما استوى على نار هادية وقفل كل أبواب الرجوع.
وقفت متنحة قدامه في الأوضة، مش قادرة أستوعب التحول اللي حصل في دقايق. كان بيفتح درف الدولاب التانية، وطلع طقم الكريستال التاني اللي كنت جايباه لجوازنا وكان مركون، شاله على جنب، ومد إيده في قعر الخزنة طلع منها أصل عقود مسجلة، بطاقات، وأوراق عليها أختام قديمة كانت تخص تركة أبوه الله يرحمه؛ المخزن القديم اللي على الشارع الرئيسي وحتة الأرض اللي وراه، اللي فضل سنين سايب أخته وأخوه مستنفعين بإيجارها ملاليم وهو يقول خليهم مستورين، دول لحمي ودمي، وأنا ربنا رازقني بعافيتي وشغلي.
بصيت له بخوف وحطيت إيدي على صدره طارق، استهدى بالله.. هتعمل إيه؟ المخزن ده إنت كنت سايبه لأخوك عشان واكل منه عيش، وحتة الأرض دي كان مرسي تاجر الخردة حاطط عينه عليها من سنين وبيلف حواليك عشان يشتريها وإنت رافض عشان متفرطش في ريحة أبوك.. هتعمل إيه دلوقتي؟ بلاش الغضب يعميك وتضيع تعب السنين في لحظة!
طارق مسك إيدي اللي على صدره بهدوء شديد، نزلها بالراحة وضغط عليها بحنية موجوعة، وقال بنبرة واطية مفيهاش أي تردد الغضب مبيعميش يا أم فلان، الغضب هو اللي فتح عيني بعد ما فضلت أعمى ومستعور نفسي سنين. أنا كنت فاكر إن الأصول بتتعامل بالأصول، وإن الراجل لما يوطي ضهره عشان أهله يعدوا، هيشيلوه فوق راسهم.. متخيلتش إنهم بيعدوا عشان يدوسوا على رقبتي ويقولوا عليا قليل ومش واجهة! البسي يا بنت الأصول، البسي أحسن ما عندك، وخلي العيال يلبسوا اللبس اللي جبناه للعيد اللي فات، وعايزك رافعة راسك للسما.. إحنا رايحين نبارك، بس مش كشحاتين، رايحين بأصلنا وقيمتنا الحقيقية.
جريت على الدولاب وإيدي بترتعش. طلعت الفستان الكحلي السادة اللي كنت شايلاه للمناسبات الثقيلة، لبست طرحتي وعدلتها، وجهزت الولاد اللي كانوا بيبصوا لأبوهم باستغراب وخوف طفولي من هيبته الجديدة. طارق لبس البدلة الكلاسيك اللي كانت مكويه ومتشالة، البدلة الصوف التقيلة اللي مفصلها زمان لما كان شغله في عزه، عدل رباط الجزمة، وحط ساعته السويسرية القديمة اللي ورثها عن أبوه في معصمه، وبخ البرفان المركز.. وقف في الصالة راجل ملهوش حل، هيبة وهدوء وعزة نفس تخلي الحجر ينطق.
نزلنا من البيت، وكان الحاج مرسي مستنينا تحت الشارع في عربيته الجيب السودا العالية، ومعاه المحامي بتاعه بشنطة جلد سودا منفوخة ورق. طارق أول ما شافه مد إيده وسلم بحرارة مساء الخير يا حاج مرسي. الحاج مرسي نزل من العربية وسلم عليه بحفاوة شديدة مساء النور والسرور يا أبو الرجولة! والله العظيم الخبر اللي قلتهولي في التليفون ده أسعدني، أنا بلف وراك بقالي تلات سنين عشان حتة الأرض دي والمخزن وإنت قافل الباب في وشي.. خير إن شاء الله، نويت؟ طارق رد بهدوء نويت يا حاج، بس زي ما اتفقنا في التليفون.. الفلوس كاش وشيكات مقبولة الدفع، وتيجي معايا مشوار صغير نشهد فيه على العقد، وبعدها كل حاجة باسمك رسمي من بكرة في الشهر العقاري. الحاج مرسي ضحك بصوت جهوري عينيا ليك يا طارق، أنا المحامي مجهز كل العقود والشيكات في الشنطة، والعربون الكاش جاهز، ووراك لحد آخر الدنيا.
ركبنا عربية مرسي، وكانت المسافة بين بيتنا وبين القاعة ربع ساعة، بس عدت عليا كأنها دهر كامل. طارق كان باصص من الشباك على الشوارع اللي بتجري، مبيتكلمش، بس صوابعه كانت بتتحرك على ركبته بنظام هادي، كأنه بيعيد ترتيب حياته كلها من أول وجديد.
وصلنا قدام القاعة. كانت الأنوار مشعللة، والبانرات الكبيرة عليها صور العريس والعروسة، وصوت الدي جي طالع يرن في الشارع كله. على البوابة كان واقف اتنين من بتوع الأمن ببدل سودا، ومعاهم لستة المعازيم زي ما أخته قالت بالظبط، كروت ودعوات لناس على الفرازة.
نزلنا من العربية، الحاج مرسي نزل بكبرياؤه وهيبته كواحد من كبار تجار المنطقة ومعاه المحامي، وطارق مشي في النص، ماسك إيدي بإيد وماسك ابنه بالإيد التانية، وضهره مفرود زي السيف. وصلنا عند البوابة، بتاع الأمن وقف قدامنا وقال بأدب مساء الخير يا فندم، الدعوة لو سمحت؟ طارق وقف وبص له في عينه بنظرة
تم نسخ الرابط