كشري سلفتي

لمحة نيوز

ريحة كشري سلفتي كانت جاية من المنور لحد عندي طلبت منها طبق صغير، وما كنتش أعرف إن الطبق ده هيولّع البيت كله! 
سلفتي شقتها في وش شقتي، والمطبخ بتاعها قصاد مطبخي بالظبط، وبيننا منور صغير.
يعني باختصار أي حاجة تتعمل عندها ريحتها توصل عندي، وأي حاجة أعملها عندي ريحتها توصل عندها.
وفي يوم كنت واقفة في المطبخ، وفجأة شمّيت ريحة كشري جاية من عندها.
ريحة كشري تحفة!
وأنا أصلًا بحب الكشري جدًا، بس جوزي وعيالي ما بيحبوش يأكلوه، فعشان كده عمري تقريبًا ما بعمله في البيت.
وقفت شوية قدام البوتاجاز وأنا بقول لنفسي
ياااه نفسي في طبق كشري.
وبعدين قلت ما هي سلفتي، وإحنا ساكنين في بيت واحد، وبيننا عشرة وإخوات يعني لو طلبت منها طبق صغير مش هتبقى مشكلة.
طلعت وخبطت عليها.
فتحت لي، فقلت لها وأنا بضحك
بصي بصراحة ريحة الكشري بتاعك جاية في مناخيري وحلوة أوي، وإنتِ عارفة إن جوزي والعيال ما بياكلوش كشري ممكن تعمليلي طبق صغير معاكي؟
ابتسمت وقالت
من عيوني، ده إنتِ تطلبي!
وبعدين قالت
بس الرز لسه بيخلص، أول ما أخلص هعملك طبق وأبعتهولك.
قلت لها
ماشي يا حبيبتي.
ورجعت شقتي وأنا مبسوطة.
مش عشان طبق الكشري بس لأ، حسيت إنها جبرت بخاطري، وقلت في نفسي دي عشرة سلايف بقى، والواحد يعمل لأخوه حاجة حلوة.
دخلت المطبخ وقلت
طب ما هي جبرت بخاطري أنا كمان أعمل حاجة حلوة لعيالها وأبعتهالهم.
وبدأت أجهز حاجة بسيطة.
بعد شوية سمعت صوت سلفتي التانية وهي بتخبط عليها.
والاتنين كانوا واقفين في المطبخ، وصوتهم كان واضح جدًا بسبب المنور.
في الأول ما اهتمتش.
لحد ما سمعتها بتقول
شفتي؟ لقيتها بتخبط عليا وبتقول لي عايزة طبق كشري!
سكتّ.
وبعدين كملت وهي بتضحك
أصل الكشري بتاعك ما شاء الله تبارك الله ريحته جميلة، وأنا نفسي فيه وإنتِ عارفة إن جوزي والعيال ما بياكلوش.
وبعدين صوتها اتغير وقالت
دي بتتحجج!
وقفت مكاني.
وسمعتها بتكمل
أتاريها بقى هي بصة في أكلي على طول وأنا بقول أكلي بيبوظ من إيه! وأقول حياتي مش ماشية ليه! أتاريها مستكترة عليا عيشتي ومستكترة عليا أكلي!
حسيت الدم غلي في عروقي.
أنا اللي كنت داخلة أعمل حاجة لعيالها، لقيت نفسي واقفة في المطبخ مش مصدقة اللي بسمعه.
وبعد شوية الباب خبط.
فتحت، لقيت سلفتي واقفة ومعاها علبة الكشري وسلفتي التانية واقفة وراها.
مدت لي العلبة وقالت
اتفضلي، ده الكشري اللي طلبتيه.
بصيت للعلبة، وبعدين بصيت لها وقلت
لا، شكرًا أنا مش عايزاه.
استغربت وقالت
ليه؟ دانتي اللي طلبتيه!
قلت لها
أصل أنا لا بستكتر عليكي أكلك، ولا ببص في حاجتك، ولا ببص في عيشتك. أنا لما طلبت منك طبق كشري، طلبته منك بأخوة. إحنا سلايف وساكنين في بيت واحد، والدنيا بينا هات وخد.
وسكت لحظة وقلت
إنتِ لما قولتي من عيوني وجبرتي بخاطري، أنا رجعت وأنا بقول أعمل حاجة حلوة لعيالك عمري ما بصيت في حاجة حد ولا اتمنيت حاجة مش بتاعتي. أنا راضية بعيشيتي وراضية بحالي.
ردت عليا ببرود
لو إنتِ ما بتبصيش في عيشتي، ما كنتيش جيتي طلبتي مني طبق كشري.
بصيت لها وأنا مش مستوعبة.
يعني لما أطلب من أختي طبق أكل أبقى ببص في عيشتها؟ ولما أشم ريحة أكل وأقول نفسي فيه أبقى مستكترة عليكي أكلك؟
قالت
إنتِ طول عمرك كده عينك فرغة ومش مليانة.
الكلمة وجعتني.
ورديت عليها، وهي ردت عليا، والكلام كبر بينا لحد ما الصوت علي.
وفجأة الرجالة دخلوا على الصوت.
كنت متخيلة إن جوزي هيسمعني ويفهم أنا اتظلمت إزاي.
لكن أول ما سمع الحكاية قال لي
إنتِ اللي غلطانة من الأول.
بصيت له بصدمة.
كمل
إنتِ ليه روحتي طلبتي منها؟ كنتِ عملتي لنفسك حبة كشري ولا سكتي! إنتِ اللي عملتي لنا المشكلة دي.
وفجأة بدل ما الكلام يبقى عن اللي اتقال عليا بقى كله عن إني أنا السبب.
وفي الآخر قالوا لي
روحي اعتذري لها وقولي لها حقك عليا، ومن هنا ورايح خليكي بعيدة عنهم وما تدخليش نفسك في حاجة تخصهم.
دخلت أوضتي وأنا مش قادرة أصدق.
أنا مشكلتي كلها بدأت من طبق كشري.
لكن اللي وجعني مش الكشري
اللي وجعني إني لأول مرة حسيت إن حسن نيتي اتحسب ضدي.
وقعدت أسأل نفسي
أعتذر لها وأخلص؟ ولا أرفض وأقول أنا ما غلطتش؟
بس اللي ما كنتش أعرفه وقتها
إن اللي حصل بسبب طبق الكشري ده لسه ما خلصش.
لأن تاني يوم، وأنا فاكرة إن الموضوع هدي، سمعت خبط على باب شقتي
ولما فتحت، لقيت شخص واقف قدامي ومعاه حاجة خلتني أفهم إن حكاية عينك مش مليانة ما كانتش مجرد كلمة اتقالت في خناقة
فتحت الباب ببطء، وأنا متوقعة ألاقي حماتي جاية تكمل عليا كلمتين من بتوع لمّي الدور، أو سلفة من الاتنين جاية تبصلي باستهزاء لكن لقيت قدامي بنت سلفتي الصغيرة، عندها ييجي تمن سنين، واقفة وماسكة في إيدها شنطة بلاستيك سودا مش باين إيه اللي جواها، وعينيها في الأرض وخايفة.
بصيت للبنت باستغراب وسألتها
في إيه يا حبيبتي؟ ماما باعتة حاجة؟
البنت مدت إيدها بالشنطة وترددت لحظة، وقالت بصوت واطي ومتقطع
ماما بتقولك خدي دول، وماتقوليش لحد إنك محتاجة حاجة، وإحنا مش هنخليكي تبصي على عيشة حد تاني.
أنا وقفت متسمرة في مكاني. الكلمة نزلت عليا زي جردل مية متلجة. الشنطة كانت تقيلة في إيد البنت، فتحتها وأنا إيدي بتترعش من غير ما أحس. لقيت جواها كيسين رز، وكيس مكرونة، وقزازة زيت، وكيس عدس أصفر وبني! مؤن بيت كاملة مبعوتة لي في شنطة سودا، وكأنها صدقة أو إحسان!
الدم ضرب في نفوخي لدرجة حسيت بوداني بتصفر. البنت جريت على السلم ونزلت، وأنا فضلت واقفة على عتبة الباب، ماسكة الشنطة في إيدي ومش قادرة أستوعب حجم الغل اللي يخلي واحدة تفكر التفكير ده وتعمل الحركة دي! هي مش بس قالت عليا عيني فارغة، هي قررت تعاملني كإني شحاتة على باب شقتها، وبتكسر نفسي بحبة تموين!
قفلت الباب ودخلت الصالة، رميت الشنطة على الأرض جنب الباب. وقفت أبص لها وأنا ضربات قلبي سريعة جداً. الموضوع مبقاش مجرد طبق كشري اتقال عليه كلمتين في المنور، دي حرب باردة بتترتب، وكرامتي بتتداس علناً قدام البيت كله.
قعدت على الكنبة، وبدأت أربط الخيوط ببعض. سلفتي دي بالذات من يوم ما اتجوزت وسكنت في البيت ده، وهي مش ساكتة. كل حركة أعملها، كل طقم أشتريه لعيالي، كل حاجة تتصلح في الشقة، كانت تسأل عليها وتدقّق. وأنا بطبعي كنت بقول عادي، ستات بيوت وبيدردشوا. لكن عمري ما تخيلت إنها شايشة كل ده جواها، وإنها مستنية أي هفوة، مجرد طلب بسيط وعفوي، عشان تطلع كل السواد ده وتقنع البيت كله إني ببص في رزقها.
المصيبة مش فيها هي بس المصيبة في جوزي. كلامه إمبارح رن في ودني تاني إنتِ اللي عملتي لنا المشكلة! روحي اعتذري لها!
جوزي اللي المفروض سندي وضهري، أول ما اتحطينا في موقف، اختار يضحي بكرامتي عشان يشتري دماغه وميعملش مشاكل مع أخوه! الراجل دايماً يهمه البيت يفضل هادي حتى لو الهدوء ده على حساب كرامة مراته.
مسكت الموبايل، كنت على وشك أرن عليه وأقوله شوف أخت أخوك باعتة إيه وبتعمل فيا إيه، بس رجعت سكتّ. قلت لو رنيت عليه دلوقتي وقلتله، هيقول لي ما البنت جابتلك طلبات وخير،

تم نسخ الرابط