بعد خمس سنوات من فقدان زوجتي

لمحة نيوز

 

لا أتذكر أنني قررت ذلك.

كل ما أعرفه أنني تقدمت في الممر بين الصفوف بينما كان الناس يفسحون الطريق بدهشة.

حاول أحدهم إيقافي.

لكنني أبعدته دون أن أنظر إليه.

تراجعت زهراء خطوة إلى الخلف.

وهمست:

"لا... ليس هنا."

اخترقني صوتها.

خمس سنوات كاملة.

وما زال صوتها كما هو.

قلت بصعوبة:

"أنتِ حية؟"

كان سؤالًا سخيفًا.

فهي كانت تقف أمامي بالفعل.

حية.

تتنفس.

وترتدي فستان زفاف.

وأمام أعز أصدقائي.

بينما كانت ابنتنا تسألني لماذا أبكي.

شدت زهراء باقة الورد بقوة حتى انثنت بعض الزهور بين أصابعها.

وقالت:

"علي..."

صرخت:

"قالوا لي إنكِ متِ."

عندها تدخل والدها.

فقد تعرفت إليه أخيرًا.

أكبر سنًا.

وأكثر إنهاكًا.

وقال:

"هذا ليس المكان المناسب."

التفت نحوه بغضب أخافني أنا نفسي.

وقلت:

"أنت حرمتني حتى من قبر أبكي عنده... لا تتحدث."

توقف المأذون عن الكلام.

وبدأت الهمسات تنتشر بين الحضور.

أما مريم فبقيت واقفة قرب الممر.

تنظر إلى أمها دون أن تفهم ما يحدث.

لكنها كانت تشعر أن عالم الكبار أصبح مخيفًا فجأة.

كان سامر أول من نزل من المنصة.

اقترب ببطء.

دون أن يحاول لمسي.

وقال:

"دعني أشرح."

نظرت إليه وكأنني أراه لأول مرة.

وسألته:

"منذ متى تعرف؟

"

لم يجب فورًا.

وكان ذلك جوابًا كافيًا.

فكررت السؤال:

"منذ متى؟"

أجاب أخيرًا:

"منذ أربعة أشهر."

شعرت برغبة في تحطيم كل شيء.

هو.

ووالدها.

والقاعة كلها.

قلت بضحكة مريرة:

"أربعة أشهر؟"

ثم أكملت:

"أفضل أصدقائي يكتشف أن زوجتي ليست ميتة... ثم يقرر ماذا؟ أن يتزوجها؟"

ابتلع ريقه.

وكان يبدو كرجل ينتظر تنفيذ حكم بحقه.

وقال:

"الأمر ليس كما تظن."

صرخت:

"لا تقل هذه الجملة."

أسقطت زهراء باقة الورد فوق أحد المقاعد.

وقالت فجأة بصوت مكسور:

"والدي فعل ذلك."

نظرنا إليها جميعًا.

وأكملت:

"كل شيء... الطلاق... الكذبة... قصة الحادث."

نظرت إليها.

أردت أن أكرهها.

أردت تفسيرًا بسيطًا يجعل غضبي سهلًا.

لكنني رأيت امرأة أنهكتها الأسرار والسنوات.

امرأة تقف بصعوبة أمام مئات الأشخاص.

قلت:

"لقد رحلتِ."

"وتركتِ مريم."

أغمضت عينيها.

وقالت:

"نعم."

قلت:

"وتركتِني أصدق أنكِ متِ."

انحدرت الدموع على وجهها.

وقالت:

"نعم."

قلت:

"إذن تكلمي."

ولم تتكلم هناك.

ولم تتكلم أمام الحضور.

طلب سامر أن ننتقل إلى قاعة خاصة.

ولم يعترض أحد.

ربما لأن الفضيحة أصبحت أكبر من أن تُخفى.

أو لأن الجميع أدرك أن مأساة حقيقية دخلت الحفل.

جاءت مريم معي.

ورفضت أن تترك يدي.

وهناك...

بعيدًا عن الموسيقى والضيوف...

بدأت زهراء تحكي الحقيقة التي بقيت مخفية كل تلك السنوات.

لم ترحل بسبب الفقر.

ولم ترحل بسبب الخجل.

ولم تتوقف عن حبنا.

كان والدها قد اكتشف أنها كانت تحوّل المال إلى حساب منفصل استعدادًا لمغادرة العراق معي ومع مريم.

وتشاجرا بشدة.

ثم خرجت وهي تبكي.

وتعرضت لحادث سيارة.

نجت.

لكنها أصيبت بإصابة دماغية بسيطة.

وقضت أشهرًا طويلة في العلاج وإعادة التأهيل.

ثم دخلت في حالة نفسية صعبة جعلتها تعتمد بالكامل على عائلتها.

وهنا تدخل والدها.

استخدم المحامين.

وزور الوقائع.

وأرسل أوراق الطلاق.

وأشاع خبر وفاتها.

كل ذلك كي يضمن اختفائي من حياتها إلى الأبد.

قالت بصوت مرتجف:

"عندما استعدت وعيي بالكامل كانت أشهر طويلة قد مرت."

"قالوا لي إنك تجاوزت الأمر."

"وإنك قبلت الطلاق."

"وإن مريم أفضل من دوني."

"وفي كل مرة حاولت الوصول إليك كانوا يعيدونني إلى المصحات أو يغيرون أدويتي أو يجبرونني على توقيع أوراق."

"لم أكن أستطيع الوقوف وحدي يا علي."

نظرت إلى والدها.

لم يعد يبدو كرجل أعمال نافذ.

بل كرجل اعتاد شراء الحقيقة حتى نسي الجميع شكلها الأصلي.

سألت:

"وسامر؟"

أجابت زهراء:

"أنا من بحث عنه."

"قبل أربعة أشهر."

"كنت

أعلم أن والدي سيمنعني من الوصول إليك."

"لذلك طلبت مساعدته."

"ساعدني في استعادة الوثائق والسجلات الطبية وكل ما يثبت الحقيقة."

ثم نظرت إلى سامر.

وقالت:

"أما الزفاف..."

وصمتت لحظة.

ثم أكملت:

"فكان مجرد فخ."

"وسيلة لإجبار والدي على الحضور."

"وطريقة لأجعلك تراني أمام الجميع."

"في مكان لا يستطيع أن يدفنني فيه مرة أخرى."

التفت نحو سامر.

وقلت:

"ولماذا لم تخبرني؟"

أجاب بصوت مكسور:

"لو أخبرتك قبل ذلك لاختفت مرة أخرى."

"وربما وصل الأمر إلى مريم."

"كنا بحاجة إلى مكان عام."

"مكان لا يستطيع فيه أحد إنكار أنها حية."

أردت أن أكرهه.

ولا أعلم حتى اليوم إن كنت نجحت في ذلك أم لا.

نظرت إلى مريم.

كانت جالسة على كرسي أكبر من حجمها.

وعيناها معلقتان بزهراء.

ثم سألت بصوت خافت:

"أنتِ أمي؟"

انهارت زهراء فور سماع السؤال.

وقالت وسط دموعها:

"نعم."

شدت مريم يدي بقوة.

ثم سألت السؤال الذي مزق الجميع:

"إذا كنتِ أمي... فلماذا لم تعودي؟"

لم يكن هناك جواب مثالي بعد ذلك.

ولا خطاب مؤثر يصلح خمس سنوات ضائعة.

بكت زهراء.

وبكيت أنا أيضًا.

وأدركت أن الكارثة لم تنتهِ عند هذا الحد.

فبعض الحقائق لا تأتي لتصلح الأشياء فورًا.

بل تأتي أولًا لتحطم كل الأكاذيب التي

بُنيت فوقها.

وبينما كانت مريم تنظر إلى أمها التي افتقدتها طوال سنوات دون أن تعرف السبب...

وبينما كان سامر يقف صامتًا يحمل عبء الدور المستحيل الذي اختاره لنفسه...

فهمت أخيرًا أن عالمي لم ينهَر عندما رفع سامر غطاء وجه العروس.

بل انهار عندما نظرت زهراء إلى عيني مباشرة...

وأدركت أن أقسى أنواع الحداد ليس أن تفقد من تحب.

بل أن تبكيه لسنوات...

وهو ما يزال حيًا.

تم نسخ الرابط