لمدة ١٢سنه

لمحة نيوز

رواية أمانة الأيام الاثني عشر
الفصل الأول جار من زمن مضى
الراجل كان ساكن في البيت اللي جنب بيتي من سنين طويلة. ماكناش قريبين أوي من بعض. مجرد سلام من بعيد، أو كلمة سريعة وإحنا داخلين وطالعين، وكل واحد يكمل يومه عادي. كان اسمه عم إبراهيم، راجل وقور، هادي الخطوات، ملامحه هربت منها تفاصيل السنين وسابت مكانها خطوط عميقة بتحكي عن زمن قديم. كنت بشوفه دايماً لابس قميص مكوي وبنطلون قماش، حتى وهو قاعد في البلكونة بتاعته بيشرب شاي الصبح. بالنسبة لي، كان مجرد جزء من ديكور الشارع، جاري العجوز اللي عايش لوحده في بيت واسع ومقفول.
لكن كل حاجة اتغيرت في يوم حد، لما شفته بيحاول يشيل أكياس المشتريات بالعافية وهو راجع من السوق القريب. كيس منهم كان هيقع من إيده، وضهره كان محڼي بشكل يوجع القلب. مشيت ناحيته بسرعة وسندت الكيس معاه وقلت له عنك يا عم إبراهيم، سيبهم أنا هشيلهم. ابتسم ابتسامة خفيفة وومشيت معاه لحد ما دخلنا الحاجات جوه البيت. عشان يشكرني، عزمني على فنجان قهوة. كنت تقريبًا هعتذر وأمشي لأن كان ورايا مشاوير، لكن الحمد لله إني وافقت.
قعدنا نتكلم تقريبًا ساعة كاملة عن الحياة، والذكريات القديمة، وعن الحي ده زمان لما كان عبارة عن أراضي زراعية وبيوت صغيرة قبل ما الأبراج الخرسانية تبتلعه. حكاياته كانت ممتعة، وصوته كان فيه دفا غريب يخليك تسمعه من غير ما تمل. وقبل ما أمشي، وبهزار قلت له المرا الجاية لو احتجت مساعدة في الطلبات كلّمني، أنا كده كده بنزل كل يوم حد. ولا أنا ولا هو كنا نعرف إن الجملة البسيطة دي،

اللي اتقالت في لحظة مجاملة عابرة، هتتحول لعلاقة استمرت 12 سنة كاملة، وتغير حياتي وحياته للأبد.
الفصل الثاني طقس يوم الأحد الثابت
مع مرور الوقت، بدأت صحة عم إبراهيم تضعف أكتر، وبقت السواقة أو حتى المشي لمسافات طويلة صعبة عليه جداً، فعرضت عليه بشكل رسمي إني أجيب له طلبات البيت والأدوية بتاعته كل يوم حد. في الأول، كان راجل عزيز النفس لأبعد حد، بيحاول يدفعلي فلوس زيادة فوق ثمن الطلبات كإكرامية أو أجرة تعبي، لكني كنت برفض بشدة وبحلف إني مش هاخد مليم واحد غير ثمن الحاجات اللي في الفاتورة، وبعد فترة من الإصرار بطل يعرض الفلوس أصلًا لأنه فهم طبعي.
وبدل الفلوس، بقى كل يوم حد لما أوصل الطلبات نقعد شوية سوا. نتكلم كأننا أصحاب من زمان، كأن مفيش فرق سن بين شاب في مقتبل العمر وراجل عجوز بيودع الدنيا. مرات يتكلم عن ماضيه، عن بيته القديم وشغله زمان في هيئة الآثار، ومرات يتكلم عن حياتي ومشاكلي في الشغل ويديني نصايح من دهب، ومرات تانية نقعد نتكلم عن حاجات مالهاش
أي أهمية في الدنيا، زي حالة الطقس أو ماتش كورة قديم. بس القعدة نفسها، والتفاصيل الصغيرة دي، كانت أهم من أي كلام. ومع الوقت، الزيارة دي والوقت ده بقى من أكتر الحاجات الثابتة والمقدسة في أسبوعي، لدرجة إني كنت برفض أي خروجة أو موعد مع أصحابي يوم الحد الصبح عشان ميعاد عم إبراهيم.
الفصل الثالث غياب النور المفاجئ
مرت السنين سريعاً، وعم إبراهيم كبر قدام عيني، شعره بقى أبيض كالتلج وحركته بقت أبطأ، لكن عقله فضل حاضر وواعي. دخلنا في السنة الثانية عشرة من الخدمة
دي، وبقى جزء لا يتجزأ من عيلتي. لحد ما جه صباح يوم حد بارد من أيام الشتاء. نزلت من بيتي وأنا شايل أكياس الخضار والفاكهة والأدوية اللي طلبها مني في التلفون قبلها بيومين. وأنا بقرب من بيته، لاحظت حاجة غريبة خلت قلبي ينقبض... نور البلكونة عنده لسه منور، والستارة مقفولة تماماً. عم إبراهيم كان منظم جداً، ومن المستحيل يسيب نور البلكونة شغال بعد شروق الشمس.
طلعت السلم بسرعة وقلبي بيدق پعنف. خبطت على الباب مرة واتنين وتلاتة... مفيش رد. حاولت أتصل بتلفونه، سمعت صوته بيرن جوه الشقة من ورا الباب، لكن محدش بيرد. الخۏف تملك مني، نزلت جري نديت على بواب العمارة وجار تاني، وبمساعدة الجيران كسرنا الباب الخشبي القديم. دخلت الشقة وأنا بزعق عم إبراهيم! أنت جوه؟ ولما وصلت لأوضة النوم، عرفت الخبر الصاډم... كان عم إبراهيم نايم في سريره بهدوء تام، ملامحه كانت مسترخية وراضية، وروحه طلعت لبارئها وهو نايم. توفّى عن عمر يناهز 84 سنة، ساب الدنيا وساب فراغ كبير في قلبي.
الفصل الرابع الچنازة والمحامي الغامض
المرام كانت سريعة وحزينة. الچنازة كانت صغيرة جداً، أصغر بكثير مما توقعت لراجل عاش العمر ده كله. مكنش فيه غيري أنا وعدد قليل جداً من جيران الشارع والبواب، مفيش أي قرايب أو أهل ظهروا في المشهد، وده خلاني أستغرب أكتر، هو فين عيلته؟ وليه عاش وماټ لوحده بالشكل ده؟ بعد ما ډفناه ودعينا له بالرحمة، وقفت على باب المقاپر وأنا حاسس بحزن حقيقي ومكسور من جوايا على فراق الصديق العجوز اللي كان بيمثلي طاقة حنان وحكمة كل أسبوع.
ولما
المراسم خلصت تماماً وكنت ماشي ورايح لعربيتي عشان أرجع بيتي، جه ناحيتي راجل لابس بدلة سودا أنيقة وعلامات الجدية واضحة على وشه. قرب مني وسألني بنبرة هادية إنت الجار البشمهندس أحمد اللي كان بيساعد عم إبراهيم وبيجيب له طلباته كل أسبوع؟ هزيت راسي بحزن وقلت له أيوه، أنا هو.. تحت أمرك. الراجل طلع كارت من جيبه وقال أنا الأستاذ مجدي، المحامي الخاص بالراحل عم إبراهيم. وبعدين وطي وفتح عربيتو وطلع منها شنطة جلدية قديمة ومهترية، شكلها يرجع لزمن الخمسينات أو
الستينات، وسلّمهالي في إيدي وقال هو أوصاني شخصيًا، وكتب ده في وصيته الرسمية، إني أسلمك الشنطة دي بالذات بعد ۏفاته فوراً، ومحدش يفتحها غيرك.
الفصل الخامس المفاجأة خلف السحاب القديم
رجعت بالشنطة البيت وأنا مستغرب جداً ومكسور. قعدت على مكتبي وبصيت للشنطة القديمة، كان عليها غبار السنين وقفلها النحاسي مصدي شوية. قعدت أفكر يا ترى عم إبراهيم سايب إيه جوه الشطة دي؟ هل هي أوراق قديمة؟ صور لذكرياته؟ ولا مجرد كراكيب من ريحة الزمن الجميل؟ مسكت القفل وبدأت أفتحه بصعوبة، وأول ما الغطاء اتفتح وبصيت على اللي جواها... إيدي بدأت ترتعش من الصدمة، ونفَسي اتكتم في صدري من الذهول!
الشنطة مكنتش فاضية، ومكنتش مليانة ورق عادي. الشنطة كانت بتحتوي على رزم مرتبة بعناية شديدة من العملات الأجنبية القديمة والجديدة، ودفاتر شيكات، والأهم من ده كله عقود ملكية لعدد من الأراضي والعقارات في وسط البلد، وسندات ذهبية باسم عم إبراهيم! القيمة الإجمالية للحاجات اللي جوه الشنطة دي تتجاوز ملايين
الجنيهات.

تم نسخ الرابط