بعد خمس سنوات من فقدان زوجتي

لمحة نيوز

كانت من سامر.

أعز أصدقائي.

الرجل الذي كان معي ليلة تعرّفت فيها إلى زهراء لأول مرة. الرجل الذي وضع يده على كتفي عندما مُنعت حتى من رؤية قبر زوجتي المزعوم. الرجل الذي ساعدني طوال خمس سنوات في رعاية مريم عندما كنت أعمل حتى منتصف الليل على المخططات الهندسية أو أتنقل بين بغداد والبصرة لإنهاء المشاريع والعقود.

لم يكن سامر مجرد صديق.

بل كان الرجل الوحيد الذي ما زلت أثق به دون أن أطرح أي سؤال.

كانت الدعوة أنيقة وثقيلة، مطبوعة بحروف ذهبية، وتحمل اسم فندق فاخر في شمال بغداد.

واتصل بي في اليوم نفسه.

قال:

"لا تتأخر يا علي... أنت ومريم لازم تحضرون."

أتذكر أنني ابتسمت عندما سمعت التوتر في صوته.

قلت مازحًا:

"لهذه الدرجة الأمر خطير؟"

ضحك وقال:

"أتزوج يا رجل... وطبعًا الأمر خطير."

لم تكن فكرة حضور حفل زفاف تثير حماسي.

لم تعد تثير حماسي منذ سنوات.

لكن مريم تحمست كثيرًا عندما أخبرتها.

كانت في التاسعة من عمرها.

وكانت تملك قدرة مخيفة على التشبه بأمها

عندما تفرح بشيء.

تتسع عيناها.

وتظهر ابتسامتها بسرعة.

وينسدل شعرها على وجهها لأنها لا تتوقف عن الحركة أبدًا.

سألت وهي تدور وسط غرفة الجلوس:

"هل أستطيع ارتداء الفستان الأزرق؟"

قلت:

"يمكنك ارتداء أي فستان تريدينه."

سألت بسرعة:

"هل سيكون هناك قالب حلوى؟"

ضحكت.

وقلت:

"على الأغلب."

فصفقت بيديها قائلة:

"إذن أريد الذهاب بالتأكيد."

في صباح يوم الزفاف سرّحت شعرها بيدي المرتبكتين.

كانت تشتكي لأنني أشد شعرها أكثر من اللازم.

وأنا أتظاهر بالصبر.

وفي النهاية انفجرنا بالضحك أمام المرآة.

وللحظة قصيرة...

لحظة صغيرة لكنها كانت كافية...

بدا كل شيء طبيعيًا.

وكأننا مجرد أب وابنته ذاهبان للاحتفال بزفاف صديق عزيز.

كم تكون الطمأنينة ساذجة أحيانًا عندما لا تعرف ما الذي ينتظرها.

كان الفندق ممتلئًا بالورود البيضاء والثريات الفاخرة والضيوف الذين تفوح منهم العطور الباهظة.

عانقنا سامر فور وصولنا.

وقال:

"لقد جئتم."

لكن شيئًا في صوته بدا غريبًا.

متوترًا.

متوترًا أكثر مما ينبغي.

ظننت أنها رهبة العريس.

ولم أفكر في الأمر أكثر.

قلت مازحًا:

"ربطة العنق هذه تجعلك تبدو أسوأ."

ضحك.

لكن عينيه لم تضحكا.

وقال:

"وأنت تبدو كمهندس يمر بأزمة وجودية."

تعلقت مريم بذراعه.

وسألته:

"أين العروس؟"

ابتسم لها بابتسامة متعبة وقال:

"تنتظر اللحظة المناسبة للدخول."

بدأت المراسم على أنغام موسيقى هادئة.

جلست في الصف الثالث.

وكانت مريم بجانبي تعبث بالبرنامج المطبوع وتسألني بين حين وآخر عن موعد تقديم الحلوى.

أما سامر فكان يقف في المقدمة بجوار المأذون.

أنيقًا.

شاحب الوجه.

وأكثر جدية مما رأيته في أي وقت مضى.

عندها لاحظت شيئًا أقلقني فعلًا.

لم يكن ينظر نحو المدخل بلهفة.

بل كان ينظر إليه كما ينظر إنسان إلى حكم لا يستطيع الهروب منه.

فُتحت الأبواب.

وقف الجميع.

ووقفت معهم.

وفي تلك اللحظة انتهى عالمي.

دخلت العروس ببطء وهي تتكئ على ذراع رجل أكبر سنًا لم أتعرف إليه في البداية.

كانت ترتدي فستانًا عاجيًا أنيقًا.

وغطاء وجه طويلًا.

وتحمل باقة صغيرة من الورود البيضاء.

لم أر وجهها فورًا.

رأيت فقط طريقة سيرها.

ذلك الهدوء.

وذلك الميل الخفيف للرأس عند كل خطوة.

توقف قلبي قبل أن يستوعب عقلي ما يحدث.

لا.

لا يمكن.

ليس بعد خمس سنوات.

ليس بعد المكالمة التي أخبرتني أنها ماتت.

ليس بعد كل هذا الحداد.

لكن عندما رفع سامر غطاء وجه العروس...

رأيتها.

زهراء.

زوجتي.

المرأة التي بكيتها بلا قبر.

أم ابنتي.

حية.

اختفى الهواء من حولي.

لم أعد أسمع همسات الحضور.

ولا الموسيقى.

ولا كلمات المأذون.

لم أرَ سوى هي.

أنحف مما كانت.

أكثر شحوبًا.

أكثر أناقة.

لكنها هي بلا شك.

وعندما وقعت عيناها عليّ بين الحضور...

تجمدت في مكانها لثانية واحدة.

ثانية قسمت الزمن إلى نصفين.

همست مريم بجانبي:

"أبي... لماذا تبكي؟"

عندها فقط أدركت أن الدموع تنهمر من عيني.

كانت زهراء ما تزال تنظر إلي.

لا بفرح.

ولا بندم.

بل بشيء أسوأ.

بالمعرفة.

وبالخوف.

وفي تلك اللحظة انهار كل شيء.

وقفت بسرعة حتى سقط الكرسي خلفي بصوت مرتفع.

التفت كثير من الحضور نحوي.

وأمسكت مريم بطرف سترتي بخوف.

وقالت:

"أبي..."

أغلق سامر عينيه للحظة قصيرة.

وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ أسابيع.

وقال بصوت منخفض:

"علي..."

لكنني كنت قد بدأت السير بالفعل.

 

تم نسخ الرابط