في جنازة أختي
كان هاتفًا صغيرًا من تلك الهواتف القديمة التي لم يعد أحد تقريبًا يستخدمها اليوم، ملفوفًا داخل كيس شفاف صغير ومثبتًا بشريط طبي داخل بطانة الفستان الخمري الذي كانت ترتديه زهراء.
لم يكن هاتف زهراء المعروف.
أو على الأقل ليس الهاتف الذي كنا جميعًا نعرفه.
ظل الهاتف يهتز في يد علي، وكانت إحدى المنبهات مفعلة عليه، وعلى الشاشة ظهرت كلمة واحدة:
"آلاء"
شعرت وكأن ساقيّ لم تعودا قادرتين على حملي.
اسمي.
أختي التي كانت ممددة داخل النعش أخفت هاتفًا في ملابسها بنفسها، وبرمجت منبهًا ليعمل أثناء العزاء.
تقدم حيدر نحونا خطوة سريعة أكثر مما ينبغي.
وقال:
— أعطني الهاتف.
لم يعد صوته يشبه صوت رجل فقد زوجته.
بل بدا صوت رجل خائف.
تراجع علي فوق الكرسي وهو يحتضن الهاتف إلى صدره بجانب ديناصوره القماشي.
أما أنا فوقفت بينهما دون تفكير.
— لا تلمسه.
امتلأت الغرفة كلها بالهمسات.
وبدأت أمي تقرأ الأدعية بصوت أعلى، وكأنها تحاول التمسك بشيء يمنعها من الانهيار.
حاول حيدر استعادة ملامح الزوج المفجوع.
وقال:
— قد يكون هذا الهاتف أي شيء.
كانت زهراء متوترة في الفترة الأخيرة.
كانت تتخيل أمورًا كثيرة.
عندها فهمت.
لقد كان مستعدًا لهذه الرواية مسبقًا.
فبحسب كلامه، لم تكن
بل أصبحت أيضًا امرأة مضطربة ومبالغة في مخاوفها.
أقدم طريقة لإسكات امرأة هي أن يجعلها الآخرون تبدو غير مستقرة قبل أن يسمعوا كلامها.
أخذت الهاتف بحذر.
كانت بطاريته ضعيفة.
لكنه لم يكن مقفلًا.
وعندما فتحته ظهرت أمامي رسالة صوتية محفوظة بتاريخ يعود إلى ثلاثة أيام قبل وفاة زهراء.
في الليلة نفسها التي أرسلت لي فيها التسجيل القصير.
ضغطت تشغيل.
وكان قلبي يدق بعنف حتى شعرت بصوته داخل أذني.
خرج صوت زهراء منخفضًا ومتقطع الأنفاس.
قالت:
— آلاء... إذا كنتِ تسمعين هذا الآن، فهذا يعني أنني لم أتمكن من الخروج من هذه المشكلة.
حيدر وجد أوراق التأمين.
وأصبح يعرف أنني غيرت المستفيد.
لم يعد هو المستفيد.
بل علي.
كما أنني اكتشفت تحويلات مالية من حساب أمي إلى حسابه.
لم يكن قرضًا.
لقد سرقها.
أطلقت أمي شهقة مكتومة ووضعت يدها على فمها.
أما حيدر فصرخ:
— أطفئوا هذا فورًا.
من العيب تشغيل تسجيلات أثناء العزاء.
لكن أحدًا لم يتحرك.
واستمر التسجيل.
قالت زهراء:
— إذا قال إنني سقطت عن الدرج فلا تصدقيه.
كاميرا الممر سجلت كل شيء.
وهو يظن أنه حذف الفيديو.
لكن توجد نسخة محفوظة داخل ديناصور علي.
التفت الجميع نحو اللعبة القماشية.
أما علي فضمها
كانت عيناه واسعتين وجافتين.
لم تنزل منهما دمعة واحدة.
اندفع حيدر نحو الطفل.
لكن ابن عمي جاسم أمسكه من صدره قبل أن يصل إليه.
ارتطم الاثنان بالجدار.
وسقط أحد الكراسي.
وبدأت إحدى خالاتي تصرخ مطالبة بالاتصال بالشرطة.
أمسكت بيد علي بسرعة.
وأخذته إلى غرفة أمي.
أغلقت الباب بالمفتاح بينما استمرت الأصوات والمشاجرات في الخارج.
كان أكثر ما يرعبني أن علي لم يبكِ.
جلس على السرير.
ثم فتح بخفة خياطة صغيرة في بطن الديناصور.
وأخرج منها ذاكرة إلكترونية صغيرة ملفوفة بالقطن.
وقال:
— أمي قالت إذا نامت وما رجعت تصحى، أعطيك هذا لما يطلع الصوت.
ناولني إياها وكأنه يحمل شيئًا ساخنًا.
ثم أضاف:
— وقالت أيضًا لا أصدق أبي إذا قال إنها تعثرت على الدرج.
عندما وصلت دورية الشرطة كان حيدر قد استعاد جزءًا من تمثيله.
راح يقول إننا متوترات بسبب الحزن.
وإن الطفل مصدوم.
وإنني أحاول افتعال مشكلة بسبب وفاة أختي.
لكن الهاتف كان في يدي.
والذاكرة في جيبي.
ونصف أفراد العائلة سمعوا التسجيل بأكمله.
طلب أحد الضباط تأجيل إغلاق النعش حتى وصول الجهات المختصة.
عندها شحب وجه حيدر أكثر.
وقال:
— لا يمكنكم فعل ذلك.
الدفن جاهز وكل شيء انتهى.
نظرت إليه الضابطة ببرود
— ولهذا السبب بالضبط لن نسمح بإغلاقه الآن.
انهارت أمي على أحد الكراسي.
وأردت أن أضمها إلى صدري.
لكن علي كان متشبثًا بي.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا لم أكن مستعدة له.
زهراء لم تترك لي الأدلة فقط.
بل تركت لي ابنها أيضًا.
مسؤولية كاملة وفورية.
في مركز التحقيق جرى تشغيل محتويات الذاكرة.
لم يكن الفيديو طويلًا.
لكنه كان كافيًا لتغيير كل شيء.
ظهر ممر منزل زهراء وحيدر.
كانت زهراء تنزل الدرج وهي تحمل ملفًا بيدها.
ثم ظهر حيدر خلفها.
لم يكن الصوت واضحًا بالكامل.
لكن أمكن سماعه وهو يقول:
— لن تتركيني بلا شيء.
حاولت زهراء الابتعاد عنه.
لكنه أمسك بذراعها.
استمر الشد والجذب لثوانٍ قليلة.
ثم سقطت.
لم يكن سقوطًا عاديًا.
بل كان غضبًا ودفعًا.
ثم صمتًا.
نزل حيدر بسرعة.
وقف ينظر إليها.
ثم رفع رأسه نحو الكاميرا.
وهنا انتهى التسجيل.
طلبت الضابطة مرة أخرى ألّا يلمس أحد الجثمان قبل صدور موافقة رسمية من الطب العدلي.
وقبل طلوع الفجر، كان حيدر قد وُضع قيد التوقيف الاحترازي، ونُقل جثمان زهراء لإجراء فحوصات أكثر تفصيلًا.
أما علي، فنام أخيرًا فوق قدميّ.
كان يحتضن الديناصور القماشي الفارغ بقوة وكأنه آخر شيء يربطه بوالدته.
أما أنا فلم أستطع إغلاق
ظللت أفكر في الفستان الخمري.
وفي الهاتف المخفي.
وفي ذلك الصوت الذي انتظره ابن أختي طوال الليل كما لو كان ينتظر رسالة أخيرة من أمه.
وحين اعتقدت أن الأمور لم تعد تحتمل مفاجآت أكثر، عادت المحققة التي أخذت إفادتي وهي تحمل ورقة أخرى.
وقالت: