لما تكوني رايحه تدفنيها
لما تكوني خلاص رايحة تدفنيها، والكل لابس أسود وبيعيط على موتها وهي حامل في الشهر السابع، وفجأة جوزها يطلب نظرة أخيرة قبل ما ينزلوا الكفن الترب، وفي ثانية تلمح عينه حركة غريبة في بطنها! يصرخ في الكل وقفوا الدفن حالا!، والكل يفتكره اتجنن من الصدمة، بس لما الإسعاف والشرطة يوصلوا وتدخل تقلب المكان، يكتشفوا سر يزلزل القلوب ويصدم كل اللي واقفين في المدافن! الصوان كان مليان بريحة الحزن والدموع المكتومة في ليلة شتا غاممة، صهيد القهوة السادة وصوت القرآن كان مالي المكان، ونور اللمبات البيضا الشديد فوق الخشبة كان مخلي الوجع يقطع في القلوب أكتر.
طارق كان واقف ساكت تماماً جنب النعش المقفول، إيديه بترتعش وهي ساندة على الخشب الأسود كأنه بيتشعبط في آخر حاجة متبقية تخليه صلب طوله.
جوة الكفن كانت بتنام نادية.
مراته وحبيبة عمره.
كانت باهتة، ساكنة تماماً، وبعيدة أوي، مكنتش شبه النايمين، كانت شبه اللي انحطت جوة سكات مفيش بني آدم عاوز يقطعه، كانت حامل في الشهر السابع في واد صغير خلاص سموه يوسف، سبع شهور من طي هدوم البيبي الصغير، وصور السونار اللي متشالة في دوسيه أزرق، ووشوشة نص الليل قبل النوم، والوعود اللي طارق كان بيقولها
التقرير الرسمي قال إنها حادثة، المكالمة اللي جت له ليلة امبارح قالت إنها مقلوبة بعربيتها على الطريق الدائري، والمباحث قالوا مطر، وعجلة القيادة أفلتت منها، وخبطت في سور خرساني، وماتت في وقتها.
كل حاجة كانت متستفة ومترتبة على الشعرة.
وعلى الساعة حداشر بالليل، كانوا عمالين يأكدوا له إن العربية اتدمرت تماماً ومفيش أمل.
قالوا له إنها متعذبتش، قالوا له الموت كان فوري، قالوا كلام كتير أوي.
بس اللي بيحب بجد بيحس لما الكلام بيبقى مقصود بيه قفل السيرة ودفن الشك.
أم نادية كانت قاعدة قريبة ودموعها مغرقة طرحتها السودا وماسكة السبحة في إيدها وبتسبح بوجع، وأخوها حسام ساند ضهره على الحيطة في سكات، مربع إيديه وعينيه ورمت من كتر العياط، محدش نطق، والتربي كان بيجهز كل حاجة بهدوء كأن السكوت جزء من الشغلانة.
المساعد قرب ومعاه كشكول وقلم جاف يا طارق بيه.. إحنا جاهزين عشان ننزل.
طارق رفع راسه بالراحة وعينيه حمرا أنا محتاج أشوفها لآخر مرة.
التربي تردد شوية يا بيه إكرام الميت دفنه، بلاش تصعبها على نفسك...
آخر مرة، طارق كررها بصوت واطي ومكسور أبوس إيدكم.
المكان كله اتجمد.
أم نادية
محدش اتمطع من مكانه.
في الآخر التربي هز راسه، واتنين من المساعدين فتحوا قفل النعش بالراحة، التكة دي قطعت في قلب طارق ورجعت له ليلة الحادثة المشؤومة.
نادية كانت نايمة جوة في سلام.
حلوة بطريقة توجع القلب، مسرحين شعرها، وإيديها محطوطة فوق صدرها، واللمبة البيضا مبينة كل حتة ساقعة في وشها، طارق قاوم دموعه وقرب أكتر، مش بس عشان يودعها، عشان كان محتاج يعيش آخر لحظة وهو جنبها.
وفجأة.. لمحها.
حركة خفيفة جداً تحت بطنها.
صغيرة لدرجة إنه شك في عقله.
طارق برمش بعينيه، أكيد الحزن خيل له، يمكن حد عدى من وراه والنور اتهز، يمكن عقله اللي مش مستوعب خسارة نادية ويوسف بيخترع أمل من الهوا عشان ميتجننش.
بس الحركة تكررت تاني.
حركة صاحية وحية!
الدم هرب من وش طارق وبقى زي الأموات وقفوا!، صرخ بأعلى صوته وقفوا كل حاجة حالا!.
الكل اتسمر في مكانه كأنه صنم.
في إيه يا بيه؟.
بطنها بتتحرك!.
واحد من المساعدين وشه جاب ألوان، والتربي قال دي تشنجات عضلات طبيعية، وحد من القرايب
مفيش رد.
بس في حركة في مكان المفروض يكون ميت وسَاكن.
طارق زعق وهو منهار اطلبوا الإسعاف! اطلبوا الإسعاف فوراً!.
المكان كله اتقلب لخناقة وهيستيريا، أم نادية صرخت وانهارت، وحسام خد خطوة لقدام وفجأة وقف في مكانه، طارق لمح لمحة رعب وخوف في عين حسام قبل ما تستخبى وراء وش الصدمة والذهول.
الوجع ساعات بيصحي السكاكين الجوانية وبيقوي الإحساس.
أكتر من أي حاجة تانية في الدنيا.
طارق كان عاوز يمسك حسام من رقبتيه ويقوله أنت خايف ليه مش زعلان؟ كان عاوز يسأل عن كل سؤال ملوش إجابة في الحادثة دي، بس قفل قبضة إيده وبص تاني لبطن نادية.
يوسف الأول.
صوت السرينة رن برة تحت السما المليانة غيوم، الباب الحديد اتفتح بقوة ورجال الإسعاف دخلوا المكان والكل بيوسع لهم، ووراهم ظابط مباحث ومعاه أمين شرطة وإيده على الطبنجة بتاعته.
المكان اتفتح.
الدكتور المسعف قرب وبص جوة النعش.
وشه اتغير في ثانية واتقلب مية حتة.
واللي حصل أول ما حط أجهزته الطبية على بطن نادية صدم وصعق كل اللي واقفين...
يا ترى نادية لسه عايشة والطفل يوسف