من خمس سنين

لمحة نيوز

من خمس سنين، أختي قالت لأهلي إني سقطت من كلية الطب وطُردت منها… وبكذبة واحدة بس، خسرت أهلي كلهم. قفلوا تليفوناتهم في وشي، ورجعوا جواباتي من غير ما يفتحوها، وما حضروش تخرجي، ولا حتى فرحي. بقيت بالنسبة لهم بنت ماتت وهي عايشة. لكن الشهر اللي فات، الساعة 3 الفجر، جالي استدعاء لحالة طوارئ خطيرة… وأول ما قريت اسم المريضة، الدنيا كلها وقفت.

اسمي دينا.

عندي 32 سنة.

وشغالة دكتورة جراحة طوارئ.

لكن قبل ما أبقى دكتورة…

كنت مجرد بنت بتحلم.

أدخل طب.

وأفرّح أهلي.

وأخليهم يرفعوا راسهم بيا.

كنت بدرس في إسكندرية.

بعيدة عن البيت.

بين محاضرات وامتحانات وسهر ومناوبات.

وفي الوقت ده…

أختي الكبيرة رشا كانت قاعدة وسط أهلي كل يوم.

تتكلم.

وتحكي.

وتزرع كلام في دماغهم.

لحد ما في يوم قالتلهم:

“دينا ما بتقولكوش الحقيقة… هي سقطت ومكسوفة تعترف.”

جملة واحدة.

بس.

ولا حد

سألني.

ولا حد كلمني.

ولا حد حاول يسمع مني.

أبويا عمللي بلوك.

وأمي بعده بأيام.

والرسايل اللي كنت ببعتها كانت بترجعلي زي ما هي.

مقفولة.

كأنها مرسلة لغريبة.

يوم التخرج…

حجزتلهم مكانين في أول صف.

وكنت متأكدة إنهم هيجوا.

لكن الكراسي فضلت فاضية.

طول الحفل.

ويوم فرحي…

ما كانش فيه لا أب ولا أم.

ولا أخت.

ولا حد من أهلي.

بس صاحبتي الوحيدة كانت واقفة جنبي.

شايلة وردة.

وسانداني أكتر من أي حد من دمي.

وجعت؟

آه.

لكن كملت.

امتياز.

ماجستير.

تخصص.

سهر.

وتعب.

وشهور كاملة ما كنتش بشوف فيها الشمس.

لحد ما بقيت رئيسة قسم جراحة الطوارئ في مستشفى كبير.

بنيت حياتي من الصفر.

وحاولت أنسى.

أو على الأقل أعيش.

لحد الليلة دي.

الساعة كانت 3:07 الفجر.

جالي استدعاء:

“حالة حرجة… نزيف داخلي… لازم تدخل عمليات فورًا.”

جريت على الطوارئ.

التمريض بيجهز.

والإسعاف

داخل.

والكل بيتحرك بسرعة.

مديت إيدي أخد الملف.

وبصيت على الاسم.

واتجمدت.

رشا.

أختي.

أختي اللي ضيعت مني أهلي.

أختي اللي بسببها عشت خمس سنين لوحدي.

ثواني…

وحسيت إن نفسي اتقطع.

لكن صوت الأجهزة رجعني.

أنا دكتورة.

والمريضة قدامي.

مش أختي.

دخلنا العمليات.

وأربع ساعات كاملة…

كنت بحارب علشان أرجعها للحياة.

مش علشان سامحتها.

لكن علشان ضميري ما يسمحليش أسيب حد يموت.

خرجت من العمليات الصبح.

مرهقة.

ومش قادرة أفكر.

ورحت على غرفة الانتظار.

ولأول مرة من خمس سنين…

شفت أهلي.

شعر أبيض أكتر.

ووشوش تعبانة.

لكنهم هم.

أبويا أول ما شافني وقف.

وقال بسرعة:

“يا دكتورة… بنتي عاملة إيه؟”

في الأول…

ما عرفنيش.

شاف البالطو الأبيض.

وشاف الدكتورة.

بس.

لكن لما عينه نزلت على البادج المعلق على صدري…

وقرأ اسمي بالكامل…

وشه فقد لونه.

وأمي مسكت دراعه.

وبصتلي

كأنها شايفة شبح.

في اللحظة دي…

في اللحظة دي...

ماحدش اتكلم.

الثواني كانت بتمشي ببطء غريب.

أمي كانت باصة ليّ ودموعها نازلة من غير صوت.

وأبويا فضل ماسك الكرسي كأنه هيقع.

وأول كلمة خرجت منه كانت:

"دينا؟"

هزيت راسي.

بس.

ماقدرتش أقول أكتر من كده.

خمس سنين من الوجع والخذلان والزعل كانوا واقفين بينا.

أمي قربت خطوة.

وقالت بصوت مكسور:

"إنتِ... إنتِ بقيتي دكتورة بجد؟"

ضحكت ضحكة قصيرة كلها وجع.

وقلت:

"أنا بقيت دكتورة من خمس سنين يا ماما."

انهارت.

قعدت على الكرسي ودفنت وشها في إيديها.

أما أبويا فبص حواليه كأنه بيدور على إجابة ضاعت منه.

وقال:

"بس رشا قالت..."

وسكت.

لأول مرة شفته ضعيف بالشكل ده.

سألته:

"رشا قالت إني سقطت؟"

هز راسه.

"وقالت إنك سيبتي الكلية... وإنك بتكدبي علينا... وإنك رفضتي ترجعي البيت."

طلعت من شنطتي موبايل قديم كنت محتفظة بيه.

وفتحت عشرات الرسائل.

صور شهادات.

صور نتيجة الامتحانات.

دعوات التخرج.

رسائل كنت ببعتها وماحدش رد عليها.

وحطيت الموبايل قدامه.

أبويا فضل يقلب فيهم.

دقيقة.

اتنين.

تلاتة.

وبعدين بدأ يبكي.

بكاء راجل كبير عمره ما بكى قدام حد.

وقال:

"أنا ظلمتك."

الجملة دي كنت مستنياها خمس سنين.

تم نسخ الرابط