قبل معاد طيارتي ٣
صوت إنذار جهاز النبض كان بيصرخ في الأوضة زي صفارة الموت. كل ثانية بتمر كانت بتسحب معاها نبضة من قلبي، والرؤية بتسود أكتر وأكتر.
"سارة" كانت واقفة بتبصلي ببرود، بترجع خصلة من شعرها ورا ودنها، وبتبتسم ابتسامة شيطانية وهي بتستعد تلعب دور "الخطيبة المكلومة" اللي هتدخل في نوبة انهيار أول ما الدكاترة يدخلوا.
بس اللي هي مكنتش تعرفه.. إن اللعبة دي أنا اللي كتبتلها السطر الأخير!
في اللحظة اللي الجهاز صفر فيها بشكل متواصل يعلن توقف قلبي، وقبل ما سارة تلحق ترمي السرنجة من إيدها.. **باب الأوضة اتفتح بضربة طيرته من مكانه!**
ضابط المباحث دخل زي الإعصار، ومعاه تلات عساكر وفريق طبي كامل.
في كسر من الثانية، الدكتور رمى نفسه على الكانيولا اللي في إيدي، قفل المحلول بسرعة البرق، وسحب حقنة تانية مليانة سائل أزرق وحقنها في وريدي.
أما الضابط، فكان ماسك إيد سارة لاويها ورا ضهرها، والسرنجة الفاضية وقعت على الأرض بتشهد على جريمتها.
سارة كانت بتصرخ وتتفلت منه وتمثل الانهيار:
— "إنتوا بتعملوا إيه؟! ده خطيبي بيموت! أنا كنت بحاول أساعده!"
وسط صريخها، جهاز النبض بتاعي بدأ يهدى.. الطنين المتواصل اتحول لنبضات ضعيفة، وبعدين بدأت تنتظم. فتحت عيني ببطء، أخدت نفس عميق كأني كنت غرقان وطلعت لسطح الميه، وبصيتلها.
الضابط زقها على الحيطة وطلع الكلبشات وهو بيقول بلهجة سخرية قاطعة:
— "تساعديه إزاي بس يا أنسة سارة؟ بالسم اللي حقنتيه بيه؟ إنتي فاكرة المباحث نايمة على ودانها؟"
ملامحها
قاطعتها أنا بصوت متعب بس مليان غضب:
— "كفاية كدب بقى يا سارة.. أو يا أياً كان اسمك.. المسرحية خلصت!"
### **فخ النهاية**
الضابط طلع موبايله وشغل تسجيل صوتي. كان صوت "طارق"، صاحبي الخاين، وهو بيعترف في التحقيقات:
> *"يا باشا سمر دي عبيطة ومجرد أداة! سارة هي اللي خططت لكل حاجة. هي اللي جابت أختها التوأم من البلد بعد ما غرتها بالفلوس، وعلمتها إزاي تمثل دورها عشان تفضل في الفيلا وتسمم أحمد بالبطيء وتطفش أمه، في الوقت اللي سارة الحقيقية كانت بتسافر بره مصر تظبط حسابات البنوك الوهمية اللي هنحول عليها الثروة. ولما سارة لقت إننا اتكشفنا، بلغت عننا المباحث وبعتت رسالة المصحة عشان تطلع هي منها زي الشعرة من العجين، وتلبسها لسمر وليا!"*
>
سارة عينيها وسعت من الصدمة، وبصتلي بذهول. مكنتش متخيلة إن طارق ممكن يبيعها بالسهولة دي أول ما حبل المشنقة لف حوالين رقبته.
الضابط كمل كلامه وهو بيحكم الكلبشات في إيديها:
— "أول ما طارق اعترف بكل حاجة، عرفنا إنك هتحاولي تدخلي تكملي اللي أختك فشلت فيه، خصوصاً إنك عارفة إن أحمد لو عاش، التوكيل هيتلغي وكل خططك هتبوظ. عشان كده، الدكتور كان مجهز الترياق المضاد للسم اللي أختك كانت بتديهوله، وكنا حاطين كاميرا مراقبة صغيرة في الأوضة، وسايبينك تدخلي عشان نمسكك متلبسة بالشروع في القتل."
صوتها اختفى تماماً. الكبرياء والغرور اللي كانوا ماليين
### **الكنز الحقيقي**
بعد يومين، حالتي استقرت تماماً، والدكاترة سمحولي أتحرك.
أول حاجة عملتها، سحبت حامل المحلول بتاعي، ومشيت بخطوات بطيئة ناحية الأوضة اللي جنبي.
فتحت الباب براحة. أمي كانت قاعدة على السرير، بتقرا في مصحفها، ووشها منور برضا رغم كل الكدمات اللي عليه.
أول ما شافتني، سابت المصحف وفتحت دراعاتها الاتنين وهي بتبكي:
— "تعالى لحضن أمك يا نور عيني.. حمدلله على سلامتك يا ابني."
رميت نفسي في حضنها، ولأول مرة من سنين.. بكيت زي العيل الصغير. بكيت على غبائي، وعلى عمايا، وعلى السنين اللي كنت فاكر فيها إني راجل ناجح وبفهم في الناس، في حين إني كنت أعمى عن أقرب الناس ليا.
— "سامحيني يا أمي.. حقك عليا.. أنا اللي استاهل الضرب مش إنتي. أنا اللي سبتك تتهاني في بيتي عشان كنت مخدوع في حتة وش حلو وكلام كداب."
رفعت راسي بإيديها الخشنة اللي شقيت عليا طول عمرها، ومسحت دموعي وهي بتبتسم:
— "يا ابني الأم مابتزعلش من ضناها. أنا كنت بدعيلك ربنا ينور بصيرتك ويبعد عنك ولاد الحرام. والحمد لله، ربنا نجاك ورجعك لحضني، وده عندي بالدنيا وما فيها."
في اللحظة دي، بصيت لأمي وعرفت إن الفيلا، والشركة، والملايين اللي في البنك.. كل ده ورق مايساويش لحظة واحدة من حنيتها ودعاها اللي كان السبب الحقيقي في نجاتي.
### **العبرة
عدت الشهور، سارة وسمر وطارق خدوا أحكام بالسجن المؤبد. الشركة رجعت وقفت على رجليها أقوى من الأول، بس أنا اللي اتغيرت. حياتي اتغيرت، ونظرتي للدنيا اختلفت تماماً.
التجربة دي، رغم قسوتها، كانت أعظم درس أتعلمه في حياتي، وطلعت منها بقواعد كتبتها جوه قلبي:
* **المظاهر أكبر كدبة في التاريخ:** مش كل وش ملاك وراه قلب طاهر، ومش كل كلام معسول نابع من حب حقيقي. الثعبان ملمسه ناعم بس سمّه قاتل. متخليش المظاهر تعميك عن حقيقة النفوس.
* **حدس الأم رسالة من ربنا:** قلب الأم مابيكدبش، وعينيها بتشوف اللي إحنا مابنشوفوش. لو أمك مش مرتاحة لشخص، راجع نفسك ألف مرة. دعاهم هو الحصن، ورضاهم هو الباب الوحيد للنجاة.
* **المال بيجذب الصالح والطالح:** كل ما نجاحك بيكبر، كل ما الطماعين حواليك بيكتروا. الصحبة الحقيقية وشريك الحياة الصالح بيبانوا في المواقف، مش في الهدايا ولا في الكلام المرتب.
* **لا تضع ثقتك العمياء في أحد:** الثقة في الشغل والحياة لازم تكون بحساب. "طارق" كان صاحب عمري، بس الطمع عماه. و"سارة" كانت خطيبتي، بس الجشع حولها لوحش. خلي دايماً في مسافة أمان بينك وبين أقرب الناس ليك، وماتمضيش على ورقة غير لما تقراها، مهما كان مين اللي مقدمها.
الدنيا مدرسة، وأحياناً ربنا بيبعتلنا ابتلاء قاسي جداً، مش عشان يدمرنا، بس عشان يفوقنا من غيبوبة كنا هنموت فيها. الحمد لله إن الضربة اللي ماقضتش عليا، فتحت عينيا.. وعرفتني مين اللي يستاهل يعيش جوه قلبي،