عدت إلى البيت قادما من دبي
عدتُ إلى البيت قادمًا من دبي، أحمل حقيبة مليئة بالهدايا وقلبًا مليئًا بالثقة.
الباب لم يكن حتى مُغلقًا. سمعتُ صوت زوجتيباردًا وحادًا
بسرعة ما تتصرفيش كأنك عجوزة في بيتي.
ثم جاء رد أمي المرتجف يخترقني
لو سمحتِ إيدي وجعتني.
تجمدتُ في الممر. رأيتها من بعيد تنظف الأرض كأنها خادمة. شعرتُ بأن معدتي تهبط فجأة.
التفتت زوجتي، ابتسمت، وقالت
أوه رجعت بدري.
وفي تلك اللحظة أدركتأن هذا لم يكن أول مرة.
أول شيء لاحظته كان أن باب البيت مفتوح.
ثاني شيء كان صوت أميضعيف، مكسور، يتوسل داخل البيت الذي دفعتُ ثمنه.
كنت قد عدتُ لتوي من دبي بعد ثمانية أشهر من العمل بعقد.
حقيبتي كانت ثقيلة بالهدايا عطر لزوجتي، فيتامينات لأمي، ألعاب لبنات أختي، وسوار ذهب ادخرتُ شهرين لشرائه.
كنت أتخيل الضحك، الأحضان، عشاء دافئ، وراحة.
بدلًا من ذلك، سمعتُ زوجتي تقول بحدة
أسرع ما تتصرفيش كأنك كبيرة في السن في بيتي.
ثم همست أمي
لو سمحتِ إيدي بتوجعني.
تجمدتُ في مكاني.
من خلال باب المطبخ نصف المفتوح، رأيت أمي، ذات السبعين عامًا، جاثية على ركبتيها، تفرك أرضية الرخام بقطعة قماش.
أصابعها كانت حمراء ومتورمة. ظهرها يرتجف.
وبجانبها، كانت زوجتي، نادين، ترتدي بيجامة حرير، تتصفح هاتفها وكأنها تشاهد عاملة تنظف غرفة في فندق.
انزلقت الحقيبة من يدي.
التفتت نادين. لثانية واحدة، ظهر الذعر على وجهها. ثم ابتسمت.
أوه رجعت بدري.
رفعت أمي رأسها. كان الخجل يملأ عينيها، كأنها أُمسكت وهي تفعل شيئًا خاطئًا.
تقدمتُ ببطء.
يا أمي قومي.
حاولت، لكن ركبتيها كانتا ترتجفان. ساعدتُها لتجلس على الكرسي.
تنهدت نادين وقالت
ما تبقاش درامي. هي أصرت
خفضت أمي رأسها.
نظرتُ إلى الجلد المتشقق حول مفاصل أصابعها.
هي أصرت؟
عقدت نادين ذراعيها
أمك عايشة هنا ببلاش. أنا بس طلبت منها تساهم. وإنت عارف كبار السن بيبالغوا.
اشتعل صدري، لكني حافظت على هدوئي
من إمتى؟
رمشت باستغراب
إيه؟
من إمتى ده بيحصل؟
ضحكت بخفة
لسه راجع وبتحقق معايا؟
ضحكتها قالت لي كل شيء.
نظرتُ حولي في المطبخ. ماكينة القهوة الغالية التي اشتريتها لها تلمع. الثلاجة مليانة. البيت تفوح منه رائحة الزهور.
وأمي المرأة التي باعت خاتم زواجها عشان تدخلني الجامعة تُعامل كأنها لا شيء داخل بيتي.
اقتربت نادين وهمست
ما تحرجنيش يا كريم فاكر البيت باسم مين؟
نظرتُ إليها أخيرًا.
أيوه فاكر. قلتها بهدوء.
ابتسمت، ظنّت أنها انتصرت.
لكنها لم تكن تعرف أن البيت لم يكن الجائزة الحقيقية أبدًا.
يتبع
وقفتُ في المطبخ لثوانٍ، أراقب المشهد وكأنني غريب داخل بيتي.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أي شيء أنا لم أكن غريبًابل كنت أعمى.
التفتُ نحو أمي وقلت بهدوء
هتروحي ترتاحي دلوقتي.
نظرت لي بتردد، كأنها خايفة تعترض.
بس الأرض
قاطعتها بلطف
الأرض مش أهم منك.
ساعدتها تمشي، وكل خطوة كانت بطيئة وكأنها شايلة عمر كامل فوق كتفيها.
دخلتُها غرفتها، الغرفة الصغيرة اللي في آخر الممر الغرفة اللي ما كنتش أعرف إنها بقت سجنها.
لما رجعت، لقيت نادين واقفة مكانها، ملامحها اتغيرت. الابتسامة اختفت، وبقى في عينيها توتر واضح.
إيه اللي بتعمله ده؟ قالت بنبرة حادة.
قفلت باب الغرفة ورايا بهدوء، وبصيت لها
بسأل نفس السؤال.
ضحكت بسخرية
ما تكبرش الموضوع. دي شوية تنظيف. كل الناس بتساعد في البيت.
قربت خطوة، وصوتي بقى أهدى لكن
كل الناس؟ ولا أمي بس؟
سكتت لحظة، وبعدين قالت
إنت مش شايف؟ أنا شايلة البيت كله لوحدي.
بصيت حواليّ تانيكل حاجة مثالية زيادة عن اللزوم.
فعلاً؟
اتوترت
أيوه، وأنا تعبت. فطبيعي اللي عايش معايا يساهم.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها كانت مليانة غضب
يساهم؟ ولا يتذل؟
رفعت صوتها
إنت بتتهمني؟!
قلت بهدوء قاتل
لا أنا شوفت بعيني.
سكتت.
ولأول مرة ما كانش عندها رد.
مشيت ناحية الحقيبة اللي وقعت على الأرض، وفتحتها ببطء.
طلعت علبة صغيرة، ورفعتها قدامها.
عارفة دي إيه؟
بصت لها باستغراب
إيه؟
سوار ذهب كنت فاكر إنه هيبسطك.
مديت إيدي لكن بدل ما أديهولها، رجعته للحقيبة.
بس واضح إني كنت غلطان.
ملامحها اتشدت
يعني إيه؟
قفلت الحقيبة ووقفت قدامها
يعني من النهاردة كل حاجة هتتغير.
ضحكت بسخرية
إنت بتهزر، صح؟
هزيت راسي
أنا عمري ما كنت جاد كده.
سكتت ثواني، وبعدين قالت بثقة
إنت ناسي إن البيت باسمي.
ابتسمت نفس الابتسامة الهادية اللي قبل العاصفة
لا أنا فاكر كويس.
قربت منها شوية وقلت
بس إنتي ناسية حاجة أهم.
اتجمدت مكانها
إيه؟
بصيت في عينيها مباشرة
إن كل حاجة في البيت ده أنا اللي دافع تمنها.
سكتت.
وللمرة التانية الخوف بدأ يظهر.
كملت بهدوء
والأهم من ده كله إن اللي بيحصل هنا، أنا ساكت عليه من زمان من غير ما أعرف.
ابتلعت ريقها
تقصد إيه؟
رديت وأنا ما زلت ببص لها بثبات
أقصد إن ده مش أول يوم.
السكوت اللي حصل بعدها كان تقيل.
وقبل ما تتكلم، رنّ هاتفي.
بصيت في الشاشة وابتسمت.
لأن المتصل كان الشخص الوحيد
اللي ممكن يقلب كل حاجة في لحظة.
رفعت عيني ليها وقلت
يبدو إن الوقت جه عشان الحقيقة كلها تظهر.
يتبع
بصّت نادين
مين ده؟
ما رديتش فورًا.
سيبت الرنة تكمل ثانيتين كمان كأنّي متعمّد أزود التوتر.
وبعدين رديت بهدوء
أيوه وصلت.
جالي الصوت من الطرف التاني
تمام، إحنا تحت.
قفلت المكالمة وبصّيت لها.
مين تحت؟ سألت بسرعة.
ابتسمت ابتسامة خفيفة
ناس لازم تشوفيهم.
ما لحقتش ترد الجرس رن.
المرة دي، هي اللي اتجمدت مكانها.
مشيت ناحية الباب وفتحته.
دخل راجلينواحد في بدلة رسمية، والتاني شايل ملف كبير.
نادين وقفت بسرعة
إيه ده؟ مين دول؟
قفلت الباب وقلت بهدوء
اتفضلي اقعدي.
الراجل اللي في البدلة مدّ إيده وقال
مساء الخير أنا أستاذ سامح، محامي الأستاذ كريم.
لون وشّها اتغير فورًا.
محامي؟!
كملت وأنا واقف بثبات
أيوه محامي.
فتح الملف اللي معاه، وبدأ يطلع أوراق.
مدام نادين، إحنا هنا بخصوص ملكية العقار وبعض الإجراءات القانونية التانية.
ضحكت بعصبية
ملكية إيه؟ البيت باسمي!
بصّ لها المحامي بهدوء وقال
ده صحيح لكن الملكية المسجلة كانت جزء من إجراء مؤقت.
سكتت وكأنها مش فاهمة.
كملت أنا
فاكرة لما قلتلك إن البيت باسمي؟
قالت بسرعة
أيوه، بس بعدين نقلته باسمي!
هزيت راسي
نقلته بشروط.
المحامي دخل في الكلام
العقد اللي تم بين حضرتك والأستاذ كريم كان عقد هبة مشروطة بشرط واضح جدًا حسن المعاملة والرعاية المشتركة داخل المنزل.
بدأ صوتها يهتز
إيه يعني إيه؟
فتحت ملف صغير كنت محضّره، وحطيته قدامها.
يعني إن لو الشرط اتكسر كل حاجة بترجع لصاحبها الأصلي.
إيدي كانت ثابتة لكن عينيها بدأت ترتعش.
وده حصل صح؟
سكتت.
المحامي كمل
بالإضافة إلى ذلك، في تسجيلات صوتية وشهادات تثبت سوء المعاملة داخل المنزل.
صرخت فجأة
كذب! كله كذب!
في اللحظة دي باب أوضة أمي اتفتح ببطء.
خرجت ماسكة في الحيطة، ووشها مليان خوف.
بصّت لي
يا ابني في إيه؟
قربت منها بسرعة
مفيش حاجة يا أمي أنا هنا.
المحامي قال