قبل معاد طيارتي ١

لمحة نيوز

​قبل ميعاد طيارتي بكام ساعة، رجعت البيت من المطار عشان نسيت الباسبور بتاعي. ماكنتش أتخيل أبداً إن الرجعة دي هتقلب حياتي، وإني هسمع صوت أمي بتستنجد من جوه البيت:
"عشان خاطر ربنا.. كفاية ضرب!"
​اتسمرت في مكاني. الدم هرب من عروقي، ولما زقيت باب المطبخ، شفت أمي مرمية على الأرض، وخطيبتي—اللي المفروض مكتوب كتابنا وبقالنا تلات سنين بنرسم حياتنا سوا—واقفة فوقها بنظرة رعب وعصبية عمري ما شفتها في عينيها قبل كده.
​كنت فاكر إن دي أكبر صدمة ممكن أخدها في حياتي.
بس كنت غلطان.
الصدمة الحقيقية مكنتش في اللي شفته بعيني في اللحظة دي، الصدمة كانت في اللي اكتشفته بعدها بدقايق!

​كنت فاكر إني امتلكت الدنيا. عندي 32 سنة، وبنيت شركة مقاولات من الصفر. شقيت طريقي من عيل بيبيع مناديل وحلويات في الإشارات، لراجل بيمضي عقود بملايين في مكاتب مكيفة. من طفل بيشوف أمه بتشقى في بيوت الناس لحد ما إيديها شققت وعجزت قبل الأوان، لراجل قدر يشتريلها فيلا برخام وجنينة وأوضة بتدخلها الشمس كل يوم الصبح.
​أمي، "أم أحمد"، دي كانت التاج اللي على راسي.
ست قصيرة، هادية، إيديها خشنة بس قلبها أبيض من اللبن الحليب. حلفتلها إنها مش هتشوف يوم أسود تاني في حياتها.
​وبعدين دخلت "سارة" حياتي.
بنت ناس، حلوة، شيك، ودايماً مرسومة ومثالية. ابتسامتها مابتفارقش وشها. كنا كاتبين الكتاب، والفرح على الأبواب، عشان كده كانت رايحة جاية على البيت، وبتتعامل مع أمي كأنها واحدة من العيلة.
كانت دايماً تقولي بصوت ناعم:
— "ماتشيلش هم يا حبيبي..

دي في عيني، دي أمي التانية."
وبعدين تبوس راس أمي بحنية. كنت ببصلها وأقول في سري: "ربنا رزقني بالزوجة الصالحة اللي هتعوضني."
​ياااه.. قد إيه كنت أعمى!
​أمي شافت اللي أنا كنت عامي عنه. شافت وش سارة التاني أول ما بخرج من الباب. شافت إزاي ملامحها بتتغير، وإزاي بتنفخ بضيق لو أمي مشيت ببطء في الصالة، وإزاي كانت بتأمرها تعيد تنضيف حاجات هي أصلاً منضفاها!
بس أمي فضلت ساكتة.. كعادتها، دايماً بتسكت عشان ماتعملش مشاكل.
وفي يوم قالتلي بابتسامة حزينة:
— "يا ابني، المهم إنت تكون مرتاح ومبسوط، وأنا أستحمل أي حاجة فداك."
مافهمتش قصدها وقتها.. أو يمكن ماردتش أفهم. لحد ما جه اليوم ده.

​كان عندي سفرية مهمة لدبي عشان أمضي أهم صفقة في حياتي. سارة كانت واقفة عند الباب بتعدلي ياقة القميص وبتقولي:
— "سافر وإنت مطمن يا حبيبي.. خالتي في رقبتي."
وأمي رفعت إيدها تدعيلي: "ربنا يحفظك ويستر طريقك يا ابني."
حضنتها.. حسيت بعضمها الضعيف بين إيديا، وحسيت برعشة غريبة، كأنها عايزة تقولي حاجة بس بلعتها في آخر لحظة.
​ركبت عربيتي، وفي نص السكة بمد إيدي في الشنطة.. الباسبور مش موجود! نسيته على المكتب في أوضتي.
زعقت للسواق: "لف وارجع الفيلا بسرعة!"
​بعد ربع ساعة، كنت بفتح باب المطبخ الجانبي بمفتاحي من غير ما أعمل صوت. البيت كان هادي بزيادة. مفيش صوت تلفزيون ولا كلام.
وفجأة.. سمعت صوت خبطة، وبعدها خبطة تانية، وبعدين صوت أنفاسي وقفت بسببه. صوت أمي:
— "أبوس إيدك ماتضربينيش تاني.. حرام عليكي!"
​حسيت إن الدنيا لفت بيا.
دخلت المطبخ بخطوات شبه مشلولة.. وهناك شفتها.
أمي مرمية على الأرض جنب ضلفة الخزين. عكازها مكسور نصين. فنجان القهوة متكسر والقهوة غرقانة على السيراميك.
أما سارة..
كانت واقفة فوقها، إيدها مرفوعة، ووشها متشوه من الغل. دي مكنتش البنت الرقيقة اللي خطبتها.. دي كانت شيطان.
سمعتها بتزعق بصوت حاد:
— "إنتي ولية كركوبة ومقرفة! أول ما الفرح يخلص هرميكي في أبعد ملجأ ومحدش هيسأل فيكي!"
​أمي كانت بتترعش، وشفايفها بتتهز. أنا من هول الصدمة ماقدرتش أتحرك، كأن جبل نزل على صدري.
سارة ميلت، شالت علبة دواء الضغط من على الترابيزة وهزتها في وش أمي باستهزاء:
— "وبطلي تخبي حبوب الضغط دي! لو ضغطك عِلي ومُتي تبقى ريحتيني، دي مشكلتك مش مشكلتي!"
​هنا.. الحبل اللي كان ماسك أعصابي اتقطع.
قولت بصوت واطي بس كله غضب:
— "ســــارة!"
​جسمها اتنفض كأن كهربا مسكت فيها. لفت وشها ناحيتي بسرعة.. اللون هرب من ملامحها، وبقت تتهته وهي مبرقة:
— "أحمد؟! إنت.. إنت ماسافرتش؟"
​مابصيتلهاش. جريت على أمي ونزلت على ركبي، مسكت وشها بين إيديا. كانت بتترعش، وعلى خدها الشمال علامة حمرا معلمة مكان الضربة.
رفعت راسي لسارة وسألتها وعينيا بتطلع نار:
— "بقالك قد إيه بتعملي فيها كده؟"
​فتحت بقها وقفلته.. حاولت تعيط وتعيش دور الضحية:
— "أحمد.. الموضوع مش زي ما إنت فاهم! والله العظيم هي اللي وقعت لوحدها وكنت بقومها."
زعقت فيها بأعلى صوتي: "اخرســـي وبطلي كدب!"
​هنا أمي انهارت في العياط.. العياط المكتوم بتاع الأمهات اللي بيموتوا من الوجع
ومش عايزين يفضحوا ولادهم، وقالتلي بصوت بيتقطع:
— "سامحني يا ابني.. والنبي سامحني.. والله ما كنت عايزة أكسر فرحتك وأخرب بيتك."
سألتها وأنا ببوس إيديها: "ليه خبيتي عليا يا أمي؟ ليه؟"
وطت راسها في الأرض وهمست: "عشان كنت شيفاك بتحبها."
​الكلمة دي نزلت على قلبي زي السكينة. أوجع من الكدب، وأوجع من الإهانة.
سارة قربت مني خطوة وقالت بسرعة:
— "أحمد اسمعني، أمك ست كبيرة وبتتخيل حاجات مش موجودة، إنت عارف الخرف بتاع السن ده.. وبعدين هي بتقع كتير لوحدها!"
حاولت تمسك دراعي، فرجعت لورا خطوة بقرف. وهي بتتحرك، رجلها خبطت في كرسي، فوقع دوسيه بني من على الترابيزة، وورقه كله اتنطور على الأرض.

​مكنتش هبص للورق، بس في حاجة لفتت انتباهي. اسمي مطبوع بالبونط العريض على ورقة منهم.
وطيت مسكت الورقة.. وفي ثانية، الدم اتجمد في عروقي بجد!
ده كان "توكيل عام رسمي".
مكتوب باسمي، وعليه توقيع يكاد يكون نسخة طبق الأصل من توقيعي! بس أنا عمري ما مضيت على الورقة دي.
سحبت بقية الورق بسرعة وأنا إيديا بتترعش.. تنازلات، ونماذج تفويض، وورق تاني عليه اسم أمي وصورتها.
وبعدين عيني وقعت على كارثة أكبر.. ملف خاص بدار مسنين. جواه استمارات متعبية، ومصاريف مدفوعة، وترتيبات كاملة عشان يستقبلوها. وفوق ده كله، إقرار جاهز على التوقيع، بيفيد إني موافق أرمي أمي في الدار دي وأتنازل عن رعايتها!
​حسيت إن دمي بيغلي في دماغي. رفعت الورق في وشها وصرخت:
— "إيه القرف ده؟!"
​لما لقت الورق في إيدي، دموع التماسيح نشفت في ثانية. التمثيل وقف،
وملامحها حجرّت، وقالتلي ببرود مستفز:
— "أمك ماسابتليش حل تاني."

 

تم نسخ الرابط