بعد ٦ سنين جواز
محترمة والكل يشهد بأصلك.
قفل منصور الخط، والصالة ولعت هرج ومرج.
نادية حست إن الفضيحة بقت على الأبواب، وإن الشرطة لو جت والبوابين اتلموا هتبقى سيرتهم على كل لسان في الحي كله، وشكل مروان وأخواته هيبقى في الأرض.
شدت نادية مروان من دراعه وقالت برعب يلا يا مروان، يلا يا واد نغور من هنا، البت دي شكلها بايعة ومش فارق معاها حاجة ومش مظبوطة!
لكن سيلا وقفت سد قدام الباب لحظة واحدة عندك إنتي وهو.. الخروج مش ببلاش!
نادية رجعت لورا بخوف عايزة إيه تاني يا مصيبة أنتي؟!
سيلا شاورت على معصم نادية الغويشة دي تتقلعيها من إيدك وتتحط على الترابيزة هنا قبل ما تخطي عتبة الباب.. دهبي وفلوسي مياخدهمش حد مش شقيان فيهم!
نادية حست بغصة وقهر، شدت إيدها وقالت بغيظ دي هدية ابني ليا! مش هقلعها!
سيلا رفعت التليفون مش هتقلعيها؟ تمام، محضر سرقة رسمي بالاسم ورقم الفاتورة وكاميرات المحل هتجيب ابنك وهو بيستعمل كارتي بدون إذني، وتتحبسوا إنتوا الاتنين في قضية سرقة واحتيال واستيلاء على أموال.. اختاري يا نادية هانم، يا الغويشة يا الفضيحة في القسم وسين وجيم!
مروان، اللي كانت ركبه بتخبط في بعض من الرعب على مستقبله ووظيفته، مد إيده بعنف وشد الغويشة من إيد أمه اقلعيها يا أمي! اقلعيها خلينا نغور من هنا ونخلص من الليلة السودة دي!
نادية صرخت فيه بتمد إيدك عليا وتاخد الدهب مني عشان خاطر دي يا مروان؟! يا خيبتك وخيبة تربيتي فيك!
مروان رما الغويشة على الترابيزة قدام سيلا بقلة حيلة وانكسار أهي الغويشة أهي! غوري بقى واشبعي بيها، مش عايزين منك ولا من قرفك حاجة!
سيلا مدت إيدها ومسكت الغويشة بهدوء، حطتها جنب الفاتورة، وبصت للسفرة المليانة أكل وبط ورقاق ومحاشي، وقالت بصوت مليان كبرياء استنوا.. الأكل ده كمان مش ملككم، ومفيش لقمة منه هتدخل بطن حد ناكر للجميل وعينه فارغة زيكم.. أنتوا قولتوا إن مكاني مش على السفرة وإني أخدمكم وآكل البواقي.. أهو السفرة دي كلها بحالها هتنزل لحارس العمارة وأسرته والناس الشقيانة اللي تحت اللي بجد يستاهلوا اللقمة الحلال ويشكروا ربنا عليها!
هناء وسها مسكوا هدومهم وجريوا على برة من الكسوف، ونادية كانت بتبرطم بأقذر الشتائم وهي بتتسحب وتجر رجليها على السلم وهي بتندب حظها وخيبتها في ابنها اللي طلع في الآخر مسخوط وعايش على قفا مراته.
مروان وقف على الباب، بص لسيلا بدموع غل وندم مخلوطين ببعض، وقال بصوت مخنوق هتندمي يا سيلا.. هتندمي وتبقي تيجي تدوري عليا ومش هتلاقيني.
سيلا بصتله وابتسمت ابتسامة هادية، وقفلت الباب في وشه بمنتهى القوة والصلابة، صوت الرزعة سمع في العمارة كلها كأنه إعلان لنهاية ست سنين من الاستنزاف والضعف.
أول ما قفلت الترباس، سندت سيلا ضهرها على الباب. غمضت عينيها لثواني، حست بدقات قلبها بتهدى، وراحت تنهيدة طويلة من أعماق روحها طلعت ومعاها كل حزن وخوف اتراكموا جواها لسنين. مكنش في عينيها ولا دمعة ندم، كان في بس إحساس غريب بالحرية، إحساس إنها رجعت لنفسها ولأصلها.
شالت المريلة اللي كانت لابساها ورمتها على الكرسي. مشت في الصالة، رفعت راسها وبصت للشقة الواسعة النظيفة اللي بنيتها بتعبها.
نزلت تحت ونادت على عم منصور، البواب وأولاده، وطلعتهم معاها. وزعت عليهم كل صواني الأكل، البط، الرقاق، اللحمة، والتورتة الكبيرة اللي كانت حارمة نفسها من الفرحة بيها. دعوات الناس الطيبة البسيطة وهي بتاكل وتفرح ملت البيت بركة وأمل حقيقي مكانش موجود قبل كده.
تاني يوم الصبح، كانت سيلا قاعدة في مكتب المحامي، رفعت دعوى إثبات طلاق، واسترداد كافة مستحقاتها وفصل حساباتها بالكامل. مروان حاول يتصل بيها عشرات المرات، بعت رسايل استعطاف، بعت وسطاء يعتذروا ويقولوا إنه كان متعصب ومكانش يقصد، وإن أمه هي اللي سخنته وضغطت عليه، لكن سيلا كانت عملت له ولكل عيلته حظر من كل حتة في حياتها.
بعد تلات شهور بس، كانت سيلا بتفتتح المحل الجديد بتاعها في مكان راقي في المهندسين، محل الحلويات اللي كانت بتحلم بيه. اشترت العجان الصناعي الكبير بأرباح الغويشة والفلوس اللي وفرتها بعد ما بطلت تصرف على مروان وعيلته، ويافطة المحل كانت بتلمع بالنور حلويات سيلا.
وفي يوم من الأيام، وهي واقفة في المحل تتابع الشغل وسط الزباين والموظفين اللي بيقدروها ويحترموها، لمحت من ورا الإزاز مروان واقف في الشارع بهدوم مبهدلة، راكب ميكروباص ورايح على شغله القديم زي ما هو، وشه باهت ومكسور، بيبص عليها وعلى نجاحها بحسرة وقهر، بعد ما خسر كل حاجة خسر الست الأصيلة اللي كانت شايلها، وخسر كرامته قدام أهله ونفسه، وفضل زي ما هو.. راجل عايش على الهامش، في حين إن سيلا انطلقت وبنت إمبراطوريتها بعرق جبينها وكرامتها اللي مسمحتش لحد يدوس عليها أبداً.