بعد ٦ سنين جواز

لمحة نيوز

المخلل على الرخامة، ووقفت تبص على الفاتورة اللي في جيبها.
22 ألف جنيه اتسحبوا في لحظة من كارت التوفير بتاع شغلها. الكارت اللي كانت محوشة فيه قرش على قرش من كل تورتة زوقتها، ومن كل ليلة نامت فيها وهي ضهرها مكسور من الوقفة قدام الفرن في عز الحر، عشان كانت ناوية تشتري العجان وتوسع شغلها وتبني كيان لنفسها. وفي الآخر، مروان بيه قرر يكافئ أمه على حساب كرامتها وتعبها، ويصغرها قدام عيلته عشان يتقال عليه ابن أصول وبار بأمه!
أول فكرة خطرت على بالها كانت إنها تخرج، ترمي الفاتورة في وشه، وتفضح أمره وتقل السفرة باللي عليها. لكن صوت تاني جواها قالها لا يا سيلا.. الغضب الأعمى بيضيع الحق. اللي يلعب معاكي في الضلمة، اكشفيه في عز النور.
مسحت سيلا إيديها في الفوطة، ورجعت ملامح وشها هادية ومحايدة تماماً. الهدوء اللي بيجي قبل الطوفان.
بعد نص ساعة، رن جرس الباب رنات متتالية وسريعة، الرنة المميزة لحماتها نادية وبناتها الاتنين اللي جايين وراها.
مروان طار على الباب كأنه مستني موكب رسمي يا ألف أهلاً يا ست الكل، يا مرحب يا أمي، البيت نور!
دخلت نادية، ست في أواخر الخمسينات، لابسة العباية السودا المطرزة وشايلة شياكتها اللي معتمدة على التكبر، وعينيها بتدور في الشقة كأنها مفتش نازل تفتيش مفاجئ. وراها دخلت هناء وسها، بناتها، كل واحدة فيهم رافعة مناخيرها في السما.
منور بصحابه يا مروان، أومال الهانم فين؟ ولا نايمة لسه؟! قالتها نادية بصوت عالي وهي قاصدة تسمّع اللي في البيت كله.
سيلا خرجت من المطبخ، مريلتها مربوطة مظبوط، وابتسامة باردة مرسومة على شفايفها أهلاً يا حماتي، كل سنة وحضرتك طيبة، نورتوا بيتي.
نادية بصت لسيلا من فوق لتحت بقرف، كأنها بتعاين واحدة بتشتغل بالساعة بيتك؟! بيت ابني يا عنيا. شقى مروان وتعبه هو اللي عامله، انتي بس تخدمي فيه وتخلي بالك من النعمة اللي انتي فيها دي عشان متزولش من وشك.
هناء وسها ضحكوا بسخرية وقعدوا على الكنب الفخم، ومدوا رجليهم ولا كأنهم في فندق.
مروان كان واقف مبتسم بأريحية، كأنه مبسوط من كلام أمه ومش شايف فيه أي إهانة لمراته اللي دفعت نص تمن الشقة دي من لحم كتافها والشهود على عقود الأقساط عارفين مين اللي بيسدد.
نادية حطت شنطتها على الترابيزة وقالت يلا بقى يا سيلا، عايزين نتغدى. الريحة طالعة من الصبح والواحد عصافير بطنه بتصوصو، جهزي السفرة وغرفي للرجالة والعيال الأول.
سيلا بصت لمروان بهدوء حاضر يا حماتي، السفرة جاهزة من ساعة، بس مستنياكم تشرفوا.
راحت سيلا على المطبخ، وبدأت تطلع الصواني البط بالبرتقال المتحمر بلونه الدهبي، الفخدة الضاني اللي دايبة دوب، الرقاق المقرمش، وأطباق المحاشي المشكلة اللي ريحتها قالية الشقة كلها. كانت ريحة الأكل تفرح القلب، بس قلب سيلا كان بيغلي.
دخل مروان المطبخ عشان يشيل صينية الرقاق، وهمس في ودن سيلا بلهجة جافة زي ما قولتلك الصبح، مكانك مش وسطينا. أنتي تقفي ورا الكراسي، تشوفي اللي ناقصه مخلل، اللي عايز شوربة، اللي عايز عيش، تفضلي واقفة على خدمتهم لحد ما يشبعوا ويقوموا.. وبعدين تلمي السفرة وتاكلي من اللي يتبقى في الحلل براحتك. مش عايز أمي تشوفك قاعدة جنبها كأنك نديدة ليها، فاهمة؟!
سيلا بصت في عينيه مباشرة، من غير ما ترمش. مكنش في عينيها انكسار ولا دمعة، كان فيه نظرة خلاّته يرتبك للحظة ويسكت.
قالت له بنبرة صوت عادية جداً فاهمة

يا مروان. فاهمة كل حاجة كويس أوي.
خرج مروان بالصواني، وقعدت العيلة كلها على السفرة. نادية قعدت على رأس الترابيزة كأنها الملكة، وعلى يمينها مروان، وعلى شمالها بناتها وعيالهم.
بدأوا ياكلوا بنهم، وشهقات الإعجاب طالعة من بوق البنات تسلم إيدك يا مروان، بجد الأكل تحفة، جايب الحاجات دي منين؟ رد مروان بفخر كداب من محل كبير في المعادي مخصوص، قولت مفيش حاجة تغلى عليكم ولازم أكرمكم في يوم زي ده.
نادية كانت بتمصمص شفايفها وتاكل من الفخدة كتر خيرك يا بني، ده شقاك وعرقك وربنا يطرحلك البركة. أحسن ما الفلوس تضيع على التفاهات والفسح اللي البنات طالعين فيها اليومين دول.
سيلا كانت واقفة بعيد، ساندة على حافة الرخامة، بتبص للمشهد ببرود عجيب. شافت جوزها وهو بينكر تعبها عيني عينك قدامهم، وشافت حماتها بتاكل أكلها وبتبصلها من وقت للتاني بتعالي واستحقار كأنها شحاتة على بابهم.
خلصوا الأكل، ومحدش فيهم حتى كلف خاطره يقول كلمة تسلم إيدك لواحدة طالع عينها من الفجر.
قامت نادية مسحت بوقها وقعدت في الصالون، وقالت بصوت مسموع الشاي يا سيلا.. واعمليه مظبوط ومتحرقيش السكر، وهاتي التورتة اللي مروان شاريها عشان نحلي ونهضم الأكل الدسم ده.
مروان كان وشه بينور بالفرحة والغرور، وقرر إن اللحظة دي هي التوقيت المثالي للشو اللي مستنيه.
وقف في نص الصالة، ونادى بصوت عالي ثانية واحدة يا جماعة، قبل الشاي وقبل التورتة، في حاجة أهم بكتير لازم تحصل النهاردة!
الكل سكت، ونادية رفعت حاجبها بفضول خير يا مروان؟ في إيه يا حبة عيني؟
مروان طلع من جيب بنطلونه علبة قطيفة حمراء شيك جداً، وراح راكع بركبته نص ركعة قدام أمه العزومة دي مش بس عشان نلم الشمل.. دي عشان أردلك جزء صغير جداً من جمايلك عليا يا ست الكل. أنتي اللي تعبتي، وأنتي اللي ربيتي، ومفيش حاجة في الدنيا دي كلها تكفيكي.
فتح العلبة، وظهرت الغويشة الدهب بتلمع تحت إضاءة النجف الكريستال.
نادية شهقت بفرحة عارمة، وعينيها لمعت بالطمع يابويا! بسم الله ما شاء الله! دهب يا مروان؟! كل دي غويشة ليا أنا يا حبيبي؟!
بناتها سقفوا وصوتوا من الفرحة يابختك يا أمي، والله مروان ده مفيش في حنيته ولا كرمه! طول عمره راجل البيت وسيد الرجالة.
مروان مسك إيد أمه وباسها بحرارة ولبسها الغويشة، ونادية رفعت إيدها لفوق تبص عليها بفخر وغرور، وبعدين لفت وشها لسيلا اللي كانت واقفة عند باب المطبخ، وابتسمت ابتسامة صفرا سامة شوفتي يا سيلا؟ ابن الأصول بيبان، والراجل اللي شقيان على قرشه بيعرف يقدّر أمه ومبيستخسرش فيها الدهب. عقبال ما تتعلمي منه الأصول وتقدير الناس!
مروان ضحك بصوت عالي، وقال لأمه قدام سيلا هي تتعلم إيه بس يا أمي، هي مكانها المطبخ وتخدم وتاكل اللي يفيد من ورانا، ده آخرها وتعرفه كويس!
ضحكوا كلهم في نفس واحد، ضحكة رنت في أركان الشقة ورنت في قلب سيلا كأنها إعلان حرب.
مروان كان فاكر إن سيلا هتجري على أوضتها تعيط وتندب حظها كالعادة، لكن سيلا مدمعتش.
على العكس، ابتسمت.. ابتسامة هادية، مرعبة من كتر برودها، ومشت بخطوات بطيئة وواثقة لحد ما وقفت في نص الصالة، قدام مروان وأمه بالظبط.
حطت إيدها في جيب المريلة، وطلعت الورقة البيضا الصغيرة.. فاتورة الصاغة، وحطت جنبها تليفونها المحمول اللي كانت فاتحة فيه كشف حساب الفيزا البنكي والتطبيق مفتوح على رسالة الخصم بالساعة والدقيقة واسم المحل.
بصت لسيلا في عيون مروان اللي اتسعت فجأة أول ما لمح الورقة، وقالت بصوت نقي، هادي جداً، وصل لكل ودن في الصالة مبروك الغويشة يا حماتي.. تتهني بيها يا رب..
تم نسخ الرابط