بعد ١٠ أيام جواز منى السيد

لمحة نيوز

عالي سمّع الكل انطق يا أحمد! قلهم إني معملتش حاجة غلط! قلهم إنك انت اللي وافقت قدام أهلي في كتب الكتاب إن شقتي مستقلة وملهاش دعوة بحد! قلهم إنك وعدتني إن محدش هيتدخل في حياتنا! انت ساكت ليه؟!
أحمد رفع عينه في الأرض، ومن غير ما يبص في عيني، قال بصوت واطي ومكسور اعتذري لأمي يا ندى.. هاتي راسها وبوسي عليها، وخلينا نعدي اليوم، ومتكبريش الموضوع عشان خاطري.
الكلمة دي قطعت آخر حبل كان رابطني بيه. حسيت إن كل حاجة بنيتها في خيالي اتهدت في ثانية. الراجل اللي كنت رايحة معاه النهاردة أتباهى بيه قدام أمي، طالب مني أبوس راس الست اللي بتهينني وبتسلبني أبسط حقوقي في أول أسبوعين جواز!
رجعت خطوة لورا وقولت بمنتهى الثبات أنا مش هعتذر لحد، لأني مغلطتش. والمفتاح مش هيمشي مع حد، وأنا مش نازلة من هنا إلا ومفتاح شقتي في إيدي. يا إما تفتحولي شقتي أدخل أقعد فيها لحد ما نتفاهم، يا إما تدوني المفتاح ونتحرك. غير كده.. أنا هتصل بوالدي وأخويا، وخليهم هما يتفاهموا مع الرجالة بتوعكم!
كلمة هتصل بوالدي وأخويا نزلت عليهم زي البنزين على النار. حماتي شهقت بصوت عالي بتهددينا بأهلك يا بت فلان؟! بقى جاية تكسرينا في بيتنا؟! والله ما هتاخدي المفتاح، والشقة دي مش هتعَتبيها برجلك، وخلينا نشوف أهلك هيعملوا إيه لما ييجوا يلاقوكي مرمية على السلم بهدومك!
حمايا شاور لطارق وحسن نزلوا البت دي تحت! ملكيش وقفة هنا في الأدوار، انزلي استني أهلك في الشارع ولا في مدخل العمارة، وشقتك دي مقفولة، ومحدش هيهوب ناحيتها!
طارق مد إيده عشان يمسك كتفي ويزقني ناحية السلم. في اللحظة دي، جسمي كله اتنشن، وبعدت عنه بقوة وزعقت
فيه إيدك متلمسنيش! قسماً بالله لو حد مد إيده عليا لأعملكم محضر هتك عرض وبلطجة في القسم! انت فاهم ولا لأ؟!
أحمد جرى ومسك إيد أخوه وهو مرعوب خلاص يا طارق.. خلاص عشان خاطري متمدش إيدك، اهدوا يا جماعة.. حماتي دخلت في النص وزقت أحمد في صدره ابعد انت يا دلدول! سايب مراتك تتمادى وتغلط في أهلك وإخواتك وانت واقف زي خيال المآتة؟! اطلع انت برة، الحساب معاها هي!
الهرجلة زادت، والأصوات علت، وصوت الزعيق بقى واصل لآخر الشارع، لحد ما فجأة باب الأسانسير اتفتح في الدور بتاعنا.
خرج منه اتنين من الجيران، عم حسين الراجل العجوز اللي ساكن في التالت، ومعه ابنه. بصوا للمنظر بدهشة واستنكار؛ البنت الصغيرة العروسة محشورة في زاوية جنب باب شقتها، وحواليها أربع رجالة وست بتزعق وبتشاور بإيديها.
عم حسين وقف في النص وقال بنبرة وقورة بس حازمة جرى إيه يا حاج محروس؟ خير يا جماعة؟ صوتكم واصل لآخر الشارع، والناس بتبص على الشبابيك! فيه إيه وعروستكم لسه في شهر عسلها؟ عيب كده، متفضحوناش قصاد الناس!
حمايا، اللي كان دايماً بيحب يظهر بمظهر الراجل المحترم صاحب الهيبة قصاد الجيران، حاول يداري وشه المحتقن، ونزل عصايته في الأرض وقال وهو بيحاول يهدي صوته بالعافية مفيش حاجة يا عم حسين.. خلاف عائلي بسيط وبنحله بيننا، انت عارف مشاكل أول الجواز وسوء التفاهم.
حماتي بصتلي بغيظ مكتوم، كأنها بتتوعدني على اللحظة اللي هيمشي فيها الجار. قربت من أحمد وهمست له بكلام مسمعتوش، بس شوفت أحمد وشه بيصفر أكتر.
أنا استغليت اللحظة دي، ومسكت شنطتي بإيدي المرتعشة، وطلعت تليفوني. كنت عارفة إن اللحظة دي لو عدت من غير ما أثبت حقي،
عمري ما هعرف أعيش في البيت ده بكرامة. فتحت التليفون وضغطت على اسم أخويا الكبير عمر.
عمر هو الوحيد اللي كنت عارفة إنه مش هيسكت لو عرف بالمهزلة دي. التليفون رن رنة.. اتنين.. وحماتي عينيها اتعلقت بالتليفون اللي في إيدي، وفجأة، قبل ما عمر يرد، حماتي عملت حركة محدش توقعها.
مدت إيدها بكل قوتها، وخطفت التليفون من إيدي ورزعته في الأرض بكل ما أوتيت من عزم! التليفون اتكسر لميت حتة، والشاشة بتاعته اسودت تماماً وطارت البطارية تحت رجلين عم حسين.
السكوت عم فجأة في البسطة.. سكوت رهيب ومخيف، كأن حتى النفس اتقطع. عم حسين شهق وبص لحماتي بذهول لا حول ولا قوة إلا بالله.. إيه اللي بتعمليه ده يا أم أحمد؟! دي مش أصول! دي قلة قيمة!
أنا وقفت مكاني مذهولة، باصة لتليفوني اللي بقى فتات على الرخام. بصيت لأحمد، وبصيت لحماتي اللي كانت بتتنفس بصعوبة وعينيها بتلمع بنصر مريض، وقالت وهي بتبتسم باستهزاء عشان تعرفي إن الله حق، ومحدش هنا يهددني بأهله ولا تليفوناته! انتي مش هتكلمي مخلوق من هنا.. واليوم ده مش هيعدي إلا لما تركعي وتبوسي على رجلي ورجل عمك عشان ترضينا!
الدم هرب من وشي تماماً. مبقتش حاسة بأي ألم جسدي، بس حسيت بإهانة عمري ما شوفتها في حياتي. رفعت عيني وبصيت لأحمد للمرة الأخيرة، كان باصص للتليفون المكسور في الأرض، ورجع خطوة تانية لورا جنب أمه.
في اللحظة دي، أدركت الحقيقة المرة الجوازة دي كانت فخ، والراجل ده عمره ما هيكون راجل، والحياة هنا مش هتكون بيت واستقرار، دي هتكون عبودية واستباحة لكل كرامتي.
مسحت دمعة يتيمة نزلت على خدي، وبصيت لعم حسين وابنه وقولت بصوت كان ثابت رغم الرعشة اللي
في قلبي يا عم حسين.. انت وابنك شهود على اللي بيحصل ده، شهود على كسرة التليفون والتهديد والمنع من دخول شقتي وسرقة مفاتيحي.
وقبل ما حد ينطق، صوت عربية بتقف تحت العمارة بفرملة شديدة سمّع في الشارع كله. بعد ثواني، صوت خطوات سريعة وكتيرة طالعة السلم جري مش خطوة ولا اتنين.. خطوات كتير، وصوت زعيق من تحت في المدخل.
الكل سكت ووقف يتصنت. وفجأة، جه صوت من تحت بيرن في بير السلم كله، صوت عارفاه كويس جداً.. صوت أخويا عمر، وهو بيزعق بكل قوته يا ندى! يا ندى انتي فين؟! افتحوا الباب هنا بدل ما أكسر العمارة كلها على دماغكم!
وشوش الكل اتغيرت في ثانية. حمايا رفع عصايته بارتباك، وإخوات أحمد بصوا لبعض، وحماتي خطت خطوة لورا بخوف ظهر في عينيها لأول مرة النهاردة.. وفجأة، ظهر عمر على السلم، ومعه اتنين من ولاد عمي، عيونهم بتقد شرار، وأول ما لمحني محشورة جنب الباب والتليفون مكسور في الأرض، عينه التقت بعين أحمد، وصرخ صرخة هزت أركان العمارة!
طلعة عمر وولاد عمي ع السلم كانت زي الإعصار اللي داخل يقلب كل حاجة. في ثواني معدودة، الدور الرابع اتحول لساحة حرب متجمدة من الصدمة. عمر، أخويا الكبير، ملامحه كانت مشدودة وعروق رقبته نافرة، ووراه مصطفى وحسام ولاد عمي، الاتنين طوال وعراض، عينيهم بتدور في الطرقة كأنهم داخلين يقتحموا وكر.
أول ما عمر شافني واقفة مركونة جنب الحيطة، وشي شاحب زي الأموات، وشاف تليفوني المكسور ميت حتة على الرخام تحت رجلين حماتي، وقف مكانه ثانية واحدة يستوعب المشهد، وبعدين صرخ صرخة رجّت العمارة كلها ندى! مين اللي مد إيده عليكي يا بت؟!
جريت عليه من غير وعي، مسكت في دراعه وأنا
بنهج، حسيت بدموع القهر اللي
تم نسخ الرابط