بعد ١٠ أيام جواز منى السيد

لمحة نيوز

بقلم مني السيد 
بقالي عشر أيام بس متجوزة. عشر أيام كنت فاكرة فيهم إني ببني دنيا جديدة، بيت مقفول عليا أنا وجوزي وبس. لسه حتى ريحة الورد بتاع الفرح ما راحتش من الصالة، ولسه هدومي في الدولاب بتكتشف أماكنها.
النهاردة كان يوم خاص، أول زيارة ليا لبيت أهلي وأمي من ساعة ما اتجوزت. كنت مجهزة نفسي من بدري، لابسة ومبسوطة، ومستنية اللحظة اللي هننزل فيها عشان أشوف أمي وأحضنها وأحكي لها عن بيتي وحياتي الجديدة. قفلنا باب الشقة بالمفتاح، والابتسامة على وشي، ووقفنا قدام الأسانسير في الدور الرابع.
فجأة، الباب الحديد بتاع شقة حماتي اللي قصادنا اتفتح ببطء، وخرجت هي بخطوات واثقة، وعينيها متثبتة علينا وكأنها كانت واقفة مستنية ورا الباب من بدري. وقفت قصادنا ووشها مفيهوش أي تعبير ترحيب، ومدت إيدها بكل برود ناحية جوزي وقالتله هات المفاتيح.
الأصعب من حركتها كان رد فعل جوزي؛ مد إيده في جيبه من غير ما يرمش، وطلع المفاتيح وحطها في كفها من سكات، ولا نطق حرف، ولا حتى علّق، وشه كان بارد وطبيعي وكأنه متفق معاها على الحركة دي أو كأنه أمر واقع متعود عليه.
أنا وقفت متسمرة مكاني، بصيت له بذهول واستنكار، وسألته بصوت واطي بس كله عتاب هو فيه إيه؟ هي طنط بتاخد مفاتيح شقتنا ليه؟
رد عليا ببرود يفرس عادي يعني يا ستي، المفتاح يفضل معاها لحد ما نيجي.
الدم غلي في عروقي، حسيت بكرامتي بتتهان قدام عيني وفي أول خروجة ليا. بصيت له وقولت بحزم لأ طبعاً مش هينفع! أنا ليا خصوصية في شقتي ومينفعش حد يدخلها في غيابي ولا يشوف حاجتي.
هنا حماتي قربت خطوة، وابتسمت ابتسامة صفرا كلها تعالٍ وقالت بنبرة

حادة وصوت عالي سمع العمارة خصوصية إيه يا عينيا اللي بتتكلمي عنها؟ مفيش خصوصية عليا هنا! البيت ده بيت ابني يعني بيتي، ومحدش له حاجة هنا ولا يمنعني من حاجة.
بصيت لجوزي مستنية منه أي موقف، أي رجولة تدافع عن خصوصية مراته وبيته، لكنه فضل باصص في الأرض كأنه مش طرف في اللي بيحصل. لقيت نفسي باخد خطوة لورا ناحية باب شقتي، وشاورِت له وقولت بإصرار وقوة هات المفتاح يا أحمد، مش همشي خطوة واحدة من هنا ولا هسيب شقتي ومفتاحها في إيد حد.
حماتي ضحكت باستهزاء، وقربت أكتر، وبصتلي من فوق لتحت وقالت بتحدي غريب ونبرة تخوّف بقى كدة؟ طب وديني لو مش عاوزاكي تطلعي شقتك دي تاني مش هتطلعيها، ولا هتشوفي عتبتها.
رديت عليها من غير خوف، وراسي مرفوعة لأ طبعاً ما تقدريش، فيه قانون في البلد دي وأنا مش موافقة، ومش هتاخدي مفتاح شقتي طول ما حاجتي ودهبي وهدومي كلها جوه!
حماتي بدلت نظرتها الباردة لغضب مكتوم، وحطت المفاتيح في جيب جلابيتها بكل جبروت، وفجأة، مدت إيدها التانية وطلعت تليفونها وطلبت نمرة، وعينيها متثبتة في عيني وهي بتقول في السماعة انزل يا محروس انت والرجالة حالا، شكلنا هنصفي حسابات قديمة ومحدش هيطلع من هنا النهاردة سليم.
الكلمة نزلت على وداني زي الصاعقة انزل يا محروس انت والرجالة حالا، شكلنا هنصفي حسابات قديمة ومحدش هيطلع من هنا النهاردة سليم.
رجعت خطوتين لورا لا إرادياً، ضهري لمس باب شقتي المقفول، وحسيت ببرودة الخشب بتسري في جسمي كله. محروس ده حمايا، راجل شديد وطبعه حامي ومحدش في العمارة بيقدر يكسر له كلمة، وولاده الاتنين الكبار عايشين في الأدوار اللي تحتنا. بصيت لأحمد،
مستنية أشوف ملامح الخضة، مستنية أشوف راجل بيتحرك عشان يحمي مراته ويفض الليلة، بس لقيته زي الصنم، وشه مخطوف وعينيه بتهرب مني للأرض.
أحمد! انت سامع مامتك بتقول إيه؟ انت ساكت ليه؟! صوتي كان طالع مخنوق، مخلوط بزهول وقهر. عشر أيام بس! ملحقتش حتى أفرح بعفشي، ملحقتش أستوعب إني بقيت ست بيت، وألاقي نفسي في لمح البصر واقفة في كمين على سلم عمارة، متحاصرة بين حماتي وجوزي اللي اتضح إنه مجرد خيال مآتة.
أحمد قرب مني بخطوات مترددة، ومد إيده يمسك دراعي وهو بيهمس من تحت ضروسه وطي صوتك يا ندى.. فضحتونا في العمارة! هاتي إيدك وخلينا ننزل من سكات، بلاش تعملي من الحبة قبة، أمي مش غريبة! شدّيت دراعي منه بقوة، عيني كانت بتطق شرار مش غريبة إزاي؟ دي واخدة المفتاح بالعافية وبتهددني إني مش هطلع شقتي تاني! وبتقولك هتجيب الرجالة! انت شايف ده عادي؟ هو إنت اتجوزتني عشان تحميني ولا عشان تسلمني تسليم أهالي على باب شقتك؟
قبل ما يرد، صوت خطوات تقيلة وسريعة بدأ يرن على السلم الرخام. خطوات ناس طالعة جري، صوت دبيب يخلّع القلب. في ثواني معدودة، كان السلم اتملى. طلع حمايا، الحاج محروس، بجلبابه الصوف وعصايته اللي مش بيفارقها، ووراه طارق وحسن، إخوات أحمد الكبار، وجوههم كلها شر وكل واحد فيهم داخل مش فاهم بس جاهز للهجوم.
حماتي، اللي كانت واقفة مربعة إيديها، أول ما شافتهم ملامحها اتقلبت في ثانية. من الست القوية الجبارة، للست المكسورة المظلومة اللي بتتعرض للإهانة في بيتها. حطت إيدها على صدرها وبدأت تولول بنبرة مسرحية شوفت يا حاج؟ شوفت ابنك اللي ربيته وشقيت عليه؟ جايبلي واحدة من الشارع تهزأني
على باب شقتي! بتقولي مش هتاخدي المفتاح وما لكيش دعوة بيا وفيه قانون! بقى دي أخرتها؟ بعد ما كبرت وشيلت، أتهان في بيتي ووسط عيالي؟!
حمايا وقف في نص البسطة، عينه اتحولت جمر، بص لأحمد بصة خلت أحمد ينكمش في هدومه زي العيل الصغير، وبعدين التفت عليا وعصايته خبطت في الأرض خبطة رنت في أرجاء العمارة مين دي اللي ترفع صوتها هنا؟ انتي نسيتي نفسك يا بت انتي ولا إيه؟! انتي فاكرة نفسك دخلتي بيت مين؟ احنا حريمنا ميعلوش صوتهم على كبارهم، واللي تكسر كلمة أم أحمد.. مالهاش قعاد وسطينا دقيقة واحدة!
أنا حسيت بدموعي بتتحبس في عيني ومتحولة لغضب جارف. الخوف اتبخر فجأة، وحل مكانه إحساس فظيع بالظلم بيخلّي أضعف كائن يتحول لوحش. رفعت راسي ومبصيتش في الأرض أنا معلتش صوتي ولا قليت أدبي يا عمي! أنا كل اللي طلبته حقي وخصوصية شقتي! أنا عروسة بقالي عشر أيام، هدومي وحاجتي ودهبي جوة، والمفروض نازلة أزور أمي مع جوزي، مامت أحمد خدت المفتاح من غير وجه حق وقالت البيت بيتي وملكيش خصوصية، ورجعت هددتني لو مش عايزة تطلعيني مش هطلع! هو ده الأصول؟ هو ده الشرع؟
شرع إيه وأصول إيه يا أم لسان طويل؟! ده كان صوت طارق، الأخ الكبير، وهو بيقرب خطوة مهددة، وشه كان محتقن انتي فاكرة نفسك شاطرة عشان جامعية؟ هنا في البيت ده، كلمة أمي قانون! مفتاح شقتك يبقى معاها، تفتش وقت ما تحب، وتدخل وقت ما تحب، مش انتي اللي هتعلمينا الأصول! وأحمد لو مش عارف يربيكي احنا نربيكي!
بصيت لأحمد، كان واقف ورا أخوه الكبير، باصص
في الأرض وبيفرك في إيديه زي المتهم في قفص الاتهام. ملقتش فيه أي رجولة، ملقتش فيه السند اللي سيبت بيت
أهلي عشانه. قلتله بصوت
تم نسخ الرابط