رجعت بعد عشر سنين

لمحة نيوز

رجعت بعد 10 سنين من الغربة من غير ما أقول لحد لكن أول ما فتحت باب البيت، سمعت أخويا بيقول لأمي كلي في المطبخ السفرة محجوزة لأهل مراتي.
وقفت مكاني وأنا لسه ماسك شنطتي.
بعد عشر سنين كاملة وأنا بعيد عن البيت، كنت متخيل أول لحظة أشوف فيها أمي هتكون مليانة حضن ودموع وفرحة.
لكن اللي سمعته خلاني أحس إن في حاجة غلط.
صوت أخويا أحمد جه من جوه البيت ببرود
ماما، لو سمحتي كلي في المطبخ النهارده. السفرة الكبيرة محجوزة لأهل سمر.
اتجمدت إيدي على مقبض الباب.
وسألت نفسي
أمي؟ بتاكل في المطبخ؟
دخلت بهدوء، ولسه محدش خد باله إني رجعت.
رفعت عيني ناحية السفرة، فاتصدمت.
كانت متغطية بأكل يكفي فرح كامل.
لحمة مشوية، جمبري، أطباق فاخرة، حلويات غالية، وزجاجات مشروبات على الترابيزة.
وكان أحمد قاعد وسط أهل مراته، بيضحك وبيهزر وكأن البيت بيته لوحده.
أما أمي
فمكانتش موجودة.
بدأت أدور عليها لحد ما سمعت صوت الغسالة شغالة من تحت.
نزلت السلم.
وهناك شفت المنظر اللي عمري ما هنساه.
أمي، اللي عندها سبعين سنة، قاعدة لوحدها جنب الغسالة على ترابيزة بلاستيك صغيرة.
قدامها طبق مكسور الحافة.
شوية فول معلب ساقع.
وبسكويت ناشف.
وبس.
لا لحمة.
لا جمبري.
ولا حتى كرسي على السفرة اللي أنا كنت ببعت فلوس عشان أمي تعيش فيها مرتاحة.
قلت بصوت مخنوق
ماما؟
رفعت عيني بسرعة.
وأول ما شافتني، وشها اتغير.
ياسين؟!
جريت ناحيتي، لكن بدل ما تضحك، عينيها اتمَلّت دموع.
إنت رجعت إمتى يا حبيبي؟
بصيت للطبق قدامها.
إنتِ بتاكلي هنا ليه؟
قبل ما تجاوب، سمعت خطوات أحمد ورايا.
نزل السلم بسرعة، وأول ما شافني وشه اتشد.
إنت جيت إمتى؟
ما رديتش.
بصيت لأمي وقلت
ماما إنتِ اللي اخترتي تقعدي هنا؟
سكتت.
شدت في طرف مريولها، وبصت للأرض.
وساعتها فهمت.
السكوت كان إجابة لوحده.
أحمد اتنهد بضيق وقال
يا

ياسين، إنت لسه داخل من الباب وهتعمل مشكلة؟
بصيت له.
مشكلة؟
ضحك بسخرية.
أيوه مشكلة. ماما بتحب تاكل هنا. مش بتحب الأكل الغالي أصلًا.
في اللحظة دي ظهرت سمر فوق السلم، وفي إيدها كوباية.
بصت لي من فوق لتحت وقالت
بصراحة يا ياسين، إنت غايب بقالك عشر سنين. إحنا اللي عايشين مع والدتك وبنرعاها. متجيش فجأة وتعمل نفسك الابن المثالي عشان بتبعت فلوس.
الكلمة الأخيرة وجعتني.
لأن جزء منها كان حقيقي.
أنا فعلًا كنت بعيد.
لكن اللي هي ما تعرفوش
إني كنت ببعت لأحمد 1800 دولار كل شهر مخصوص لمصاريف أمي.
أكلها.
علاجها.
فواتير البيت.
وكل احتياجاتها.
طلعت موبايلي بهدوء.
أحمد اتوتر.
بتعمل إيه؟
بصيت له وقلت
بكلم المحامي.
وشه اتغير.
محامي إيه؟
عايزه يراجع أوراق البيت.
سكت لحظة، وبعدها قرب مني.
إنت هتبيع البيت يعني؟
بصيت ناحية أمي.
كانت لسه قاعدة جنب الغسالة، بتحاول تخبي دموعها.
قلت
لو البيت لسه باسمي أيوه، هبيعه.
أحمد انفجر
إنت هتدمر العيلة كلها عشان وجبة أكل؟!
بصيت له بهدوء.
لأ.
وسكت لحظة قبل ما أكمل
العيلة هي اللي بدأت تدمر نفسها يوم ما أمي بقت غريبة عن سفرتها.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها
إن موضوع الأكل ده كان أصغر مصيبة.
لأني لما دخلت أوضة أمي، اكتشفت إن سريرها اللي كنت مجهزه لها من سنين مش مستخدم.
أمي ما كانتش بتنام هناك أصلًا.
وفي الصبح، جارنا القديم وقفني وقال لي سر خلاني أحس إن الدم اتسحب من وشي
أمك استلفت مني عشرين دولار من شهرين عشان تشتري علاجها.
عشرين دولار؟!
إزاي؟
وأنا ببعت 1800 كل شهر!
ساعتها المحامي بدأ يدور ورا أحمد.
راجعنا تحويلات البنك.
وأوراق البيت.
والفواتير.
وكل المستندات اللي كان مخبيها عني.
لكن لما ظهرت الحقيقة
اكتشفت إن إذلال أمي على ترابيزة المطبخ
كان أهون بكتير من اللي أخويا عمله في البيت والفلوس.
حكايات_ميراا
سيبوا
لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا في اليوم التالي، صحيت قبل أمي بساعة.
ماكنتش نمت أصلًا.
فضلت طول الليل قاعد في الصالة، قدامي كشف التحويلات البنكية، وبراجع كل مبلغ بعته لأحمد خلال السنين اللي فاتت.
1800 دولار كل شهر.
وأحيانًا أكتر.
مرة لعلاج أمي.
ومرة لصيانة البيت.
ومرة لما أحمد قال إن أمي محتاجة عملية.
ومرة لما قال إن مصاريفها زادت.
لكن الحاجة اللي كانت بتوجعني أكتر من الفلوس
إني صدقت أخويا.
صدقت إن أمي عايشة مرتاحة.
صدقت إن الشخص الوحيد اللي موجود جنبها مش ممكن يؤذيها.
الساعة سبعة الصبح، المحامي وصل.
دخلت معاه أوضة المكتب، وقفلت الباب.
حط قدامه كل التحويلات.
عايز أعرف الفلوس دي راحت فين.
بص في الأوراق شوية، وبعدين رفع عينه لي.
عندك حساب بنكي مشترك مع أخوك؟
لأ.
يبقى لازم نراجع حساباته هو كمان لو قدرنا.
سكت لحظة، وبعدين قال
وفي حاجة أهم عقد البيت.
طلع المحامي نسخة قديمة من الأوراق كنت محتفظ بيها في صندوق عند أمي.
قلب فيها.
وفجأة توقف.
ياسين إمتى آخر مرة شفت العقد الأصلي؟
من عشر سنين تقريبًا.
والعقد ده باسم مين؟
بصيت له.
باسمي.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
كان باسمك.
الكلمة دي خلت قلبي يدق بسرعة.
يعني إيه؟
ما ردش.
طلع ورقة تانية.
لأن في عقد بيع مسجل من تلات سنين.
حسيت إن الدنيا لفت بيا.
بيع؟
أيوه.
مين باع البيت؟
بص في الورقة.
إنت.
ضحكت من الصدمة.
أنا؟! أنا كنت بره البلد!
حط الورقة قدامي.
التوقيع موجود.
مسكت الورقة بإيدي.
التوقيع كان شبه توقيعي جدًا.
لكن مش توقيعي.
قعدت ساكت.
والمحامي قال بهدوء
حد زور توقيعك.
في اللحظة دي، الباب اتفتح.
أمي كانت واقفة.
وشها شاحب.
ياسين
بصيت لها.
ماما، إنتِ تعرفي حاجة عن بيع البيت؟
وشها اتغير.
ما ردتش.
قربت منها.
ماما، بصي في عيني وقوليلي الحقيقة.
بدأت دموعها تنزل.

أحمد قال لي إنك وافقت.
اتجمدت.
وافقت على إيه؟
قال إنك بعت البيت عشان تسدد ديونك بره وإنك طلبت منه يفضل معايا لحد ما ترجع.
حسيت بصدمة.
وهو خد فلوس البيت؟
أمي غطت وشها بإيديها.
أنا ماكنتش أعرف يا ابني
المحامي وقف فجأة.
طيب، البيت اتباع لمين؟
أمي بصت له.
وسكتت.
لكن أنا كنت عارف إن الإجابة هتكون أسوأ من أي حاجة توقعتها.
لأن البيت
اتباع لشركة عقارات.
والشركة دي
اكتشفت إنها مملوكة باسم سمر.
مرات أخويا.
رفعت عيني للمحامي.
يعني أخويا زور توقيعي، وباع بيتي لمراته؟
على الأغلب، آه.
ضحكت ضحكة قصيرة من شدة القهر.
وعشان كده كانوا عايزين يطلعوا أمي من السفرة؟
المحامي ما ردش.
لكن فجأة افتكرنا حاجة.
ال دولار اللي كنت ببعتها كل شهر.
قلت
طيب الفلوس؟
بدأنا نراجع الحسابات.
وكانت الصدمة.
جزء من الفلوس فعلًا اتصرف على أمي.
لكن المبلغ الأكبر
كان بيتحول لحساب تاني.
حساب شركة.
وبنفس الحساب كانت بتتدفع أقساط عربية فارهة.
رحلات.
أثاث.
ومصاريف مدرسة أولاد أحمد.
أما علاج أمي؟
كان أحمد بيشتريه من أرخص صيدلية في المنطقة.
وفي مرات
ماكانش بيشتريه أصلًا.
ساعتها حسيت بغضب عمري ما حسيت بيه.
لكن المحامي قال
متواجهوش دلوقتي.
بصيت له.
ليه؟
لأننا لسه ماشفناش كل حاجة.
يعني إيه؟
فتح ملف تاني.
في مستندات ناقصة.
إيه هي؟
قال جملة خلتني أسكت تمامًا
في توكيل باسمك.
توكيل؟
أيوه وتاريخ التوكيل من عشر سنين.
بصيت لأمي.
ماما أنا عملت توكيل لأحمد قبل ما أسافر؟
هزت راسها بسرعة.
أيوه.
ليه؟
قالت وهي بتعيط
هو قال لي إنك عملته عشان يقدر يدفع مصاريف البيت ويتصرف في البنك لو حصل لك حاجة.
المحامي حط الورقة قدامي.
المشكلة إن التوكيل ده بيديه صلاحيات أوسع بكتير من كده.
قريت أول سطر.
وبعدين الثاني.
وبعدين حسيت بإيدي بتترعش.
التوكيل كان بيسمح له بالتصرف في ممتلكاتي.

وبيعها.
واستلام ثمنها.
وفتح حسابات باسمي.
والأسوأ
إن التوكيل كان لسه ساري.
قفلت الملف ببطء.
يعني لو أنا ما رجعتش
المحامي كمل
كان ممكن تخسر كل حاجة.
بصيت ناحية باب الصالة.
صوت ضحك أحمد وسمر كان جاي من بعيد.
كانوا بيتكلموا عن حفلة
 

تم نسخ الرابط