جبت سجاده لحماتي منى السيد
حكايات مني السيد
جبت لحماتي سجادة كبيرة للصالون في عيد الأم، كنت لافّة عليها شبر شبر في المحلات عشان ألاقي حاجة تليق بذوقها وتملى عينيها قبل ما تملى عين الناس اللي داخلة وطالعة عندها. نزلت يومها من الصبح، رجلي ورمت من المشي بين المعارض، لحد ما لقيت سجادة حرير تقيلة، لونها كحلي معتق في ذهبي هادي، خيوطها محفورة بدقة وتصميمها كلاسيك شيك جداً، أول ما شوفتها قلت دي معمولة مخصوص لصالون حماتي المدهب. كانت غالية، اقتطعت من مصروفي وحوشت عليها قرش على قرش فوق اللي جوزي ساعدني بيه، بس قلت مش خسارة فيها، المهم تفرح وتحس إني معتبراها زي أمي وبقدّرها.
روحتلها يوم العيد وأنا شايلاها بفرحة مش سايعاني، ومعايا جوزي وهو فخور بيا. حماتي أول ما فتحت السولوفان وشافتها، عينيها لمعت، قعدت تطبطب على وبرتها الناعمة وتقول يا حبيبتي يا بنتي، إيه الذوق العالي ده؟ دي تحفة فنية.. تسلم إيدك وتعيشي وتجيبي. حسيت وقتها إن تعبي كله ماراحش هدر، وكنت مستنية بفارغ الصبر إنها تفرشها على طول عشان أشوف منظر الصالون بيها.
مرّ أسبوع ورا التاني، وكل جمعة نروح نتغدى عندها، ألاقي السجادة القديمة هي اللي مفروشة! في الأول قلت يمكن بتنضف، لكن لما الموضوع طول، ما قدرتش أمسك نفسي وسألتها بود يا ماما، مش ناوية تفرشي السجادة الجديدة بقى؟ ده الصالون هينور بيها. لقيتها ابتسمت ابتسامة ما ارتحتلهاش وطبطبت على كتفي وهي بتقول يا بنتي ده عيال أخويا بيجوا يبهدلوا الدنيا، يوقعوا عصير وشاي والعيال ما بيرحموش.. دي حاجة غالية ونضيفة قوي وأنا شايلاها في الدولاب مخزناها، مستخسرة فيها البهدلة، لما تيجي مناسبة كبيرة هفرشها. صدقتها واقتنعت بكلامها، وقلت الست
مرت شهور، وجه ميعاد جواز سلفتي الجديدة، مرات سلفي الصغير، اللي كانت بتجهز شقتها في العمارة اللي جنبنا. دخلت العيلة وهي واخدة كل الدلع والاهتمام، وكلنا كنا بنساعد عشان ننتهي من الفرش قبل الفرح بأيام. في اليوم ده، أخدت إجازة مخصوص وروحت لشقتها عشان أساعدها ترص الهدوم وتفرش السجاد والستائر، دخلت والشقة كانت لسه كراكيب، وكراتين مفتوحة هنا وهناك.
خلصنا غرف النوم ودخلت وراها على الريسبشن، لقيت لفة سجادة كبيرة مربوطة بحبل رفيع ومحطوطة على جنب. سلفتي قالتلي وهي مشغولة بتعليق الستارة بالله عليكي يا حبيبتي، فكي السجادة دي وافرشيها في الصالة عقبال ما أظبط الكنب، عشان نلحق نخلص. وطيت على الأرض، وبدأت أفك الحبل، وأنا بفكها حسيت بملمس الوبرة مألوف تحت إيدي.. سحبت الغطا، وفردت أول متر، وفجأة ضربات قلبي وقفت.
نقشة الوردة المحفورة، درجات الكحلي اللي دايب فيها خيط الدهب، نفس العقدة، ونفس التيكت بتاع المعرض لسه متدبس في ضهرها ما اتشالش! اتسمرت مكاني وركبي سابت، بصيت للسجادة وأنا مش مصدقة عيني، مسكت طرفها وتأكدت، هي.. هي دي بالظبط السجادة اللي دمي اتحرق عشان أشتريها لحماتي في عيد الأم، واللي فضلت شهور تقنعني إنها مخزناها في أمان الدولاب عشان خايفة عليها من البهدلة!
وقفت، والصوت طلع مني مخنوق ومش طالع من زوري بالعافية، شاورت بإيد مرتعشة وسألت سلفتي السجادة دي.. جبتيها منين؟.
سلفتي لفت وشها عادي جداً وبصتلي بابتسامة واسعة وهي بتعدل شعرها، وقالت بمنتهى البساطة والبرود دي؟ دي ماما حماتي هي اللي ادهاني أول ما شافت الصالون بتاعي، قالتلي دي ذوقها عالي جداً وتليق عليكي، وخسارة تتركن عندي!
نزلت الكلمة على دماغي زي المية الساقعة، وقفت باصة للسجادة المفرودة تحت رجليا، الدنيا كلها بتلف بيا، وصوت حماتي بيرن في ودني شايلاها ومخزناها عشان العيال، والدم اتجمد في عروقي وأنا واقفة في نص الصالة مش قادرة حتى أتنفس من هول الصدمة.
فضلت واقفة في مكاني، حاسة إن الأرض بتتحرك من تحت رجليا والحيطان بتقفل عليا بالتدريج. سلفتي كملت كلامها ورصت المخدات على الكنب وهي بتضحك ومبسوطة، مش واخدة بالها خالص من وشي اللي هرب منه الدم ولا من إيديا اللي كانت بتترعش على أطراف السجادة. كل تفصيلة فيها كانت بتفكرني بوجع رجلي في اليوم اللي لفيت فيه المحلات، وبحرماني من حاجات كتير عشان أجمع تمنها وأفرح حماتي بحاجة تشرفها قدام ضيوفها.
بلعت ريقي بصعوبة بالغة وحاولت أرسم ابتسامة باهتة على وشي عشان الموقف ما ينفجرش قدام البنت، هي في الأول والآخر ملهاش ذنب، هي عروسة جديدة وجالها هدية ففرحت بيها. مسكت نفسي بالعافية وقلت بصوت بيترجف مبروك عليكي يا حبيبتي، تتهني بيها يا رب. قالتلي بذوق الله يبارك فيكي يا قمر، ماما ذوقها يجنن صح؟ أول ما شافت ألوان الصالون قالتلي مفيش غيرها هينطق المكان، وشالتها جابتهالي لحد عندي.
كل كلمة كانت بتنزل زي السكينة في صدري. الست اللي فضلت شهور تحلفلي إنها شايلاها في كيسها ومخزناها في الدولاب خايفة عليها من عيال أخوها، كانت في الحقيقة مستخسراها في بيتها وفي ابنها، وحاسة إن اللي جابته مرات الابن ملوش قيمة، أو يمكن شافت إنها تعمل بيها واجب وتكسب بيه قلب العروسة الجديدة على حساب حرقة دمي وكسرة خاطري!
خلصت اليوم ده بالعافية، كنت بتحرك زي الآلة، أفرش ملاية، أرص طقم كاسات، وعيني مش قادرة تبعد عن السجادة
طلعت شقتي وقفلت الباب ورايا، ورميت المفاتيح على الترابيزة وانهارت في العياط. القهرة مكنتش عشان سجادة ولا عشان فلوس، القهرة كانت على النية الصافية والتقدير اللي اترمي في الأرض، وعلى الكدب اللي اتعاش عليا شهور طويلة بكل برود وهدوء.
جه جوزي بالليل من الشغل، لقاني قاعدة في الصالة، النور مطفي، وعيوني وارمة من العياط. اتخض ورمى حاجته وجري عليا مالك يا بنتي في إيه؟ حصل حاجة لأهلك؟ حد جراله حاجة؟. بصيتله بحزن ووجع وقلتله أمك يا طارق.. أمك كسرتني.
قعد جنبي وبدأ يسأل بقلق واستغراب أمي عملت إيه بس؟ ما إنتي كنتي لسه عندها أول مبارح وبتضحكوا ورايحة تساعدي مرات أخويا، إيه اللي حصل فجأة؟. حكيتله كل حاجة بالتفصيل، من أول ما لفيت على السجادة وحوشت تمنها، لكلام أمه لما كانت تقولي شايلاها وخايفة عليها من العيال، لحد اللحظة اللي شفتها مفروشة فيها في صالون أخوه وكلام سلفتي إن حماتي هي اللي ادتهالها بإيديها.
طارق سمع الحكاية ووشه اتغير، سكت شوية، وبعدين اتنهد بحيرة وقال يا ستي معلش، هما الكبار كده، جايز لقت إن ألوانها لايقة أكتر عند أخويا، إنتي عارفة إنهم لسه بيجهزوا وعايزين أي مساعدة، متكبريش الموضوع يا حبيبتي عشان خاطري، متعمليش من السجادة أزمة بين الإخوات.
رديت عليه بذهول والدموع بتغلي في عيني أكبر الموضوع؟! يعني إنت شايف إن ده طبيعي؟ إن هديتي اللي جبتها من مصروفي وتعبت فيها تتاخد وتتفرق كأنها ملهاش صاحب؟ طب لو