اهل خطيبي
لما قابلت أهل خطيبي لأول مرة، قلت لهم إني مجرد ممرضة عادية... مع إني في الحقيقة كنت رئيسة قسم الجراحة وأشهر جرّاحة في أكبر مستشفى خاص في المدينة.
عمري ما توقعت إن مجرد الجملة دي هتخلّي اللي حصل بعد كده بالشكل ده...
كان فيه حوالي أربعين قريب قاعدين تحت النجف الفخم في نادي المنارة الريفي، وكوبايات الشامبانيا بتلمع مع ضوء الصبح المتأخر.
حماتي المستقبلية، سهام، حطت إيدها على كتفي وقالت قدام الكل
ودي مريم... ممرضة.
سكت المكان لحظة.
مش سكوت فيه إهانة واضحة...
وده كان أسوأ.
كان النوع الهادئ من السكوت اللي بتحسه لما الناس تكون خلاص أخدت فكرة عنك، وقررت إنهم عارفين إنت مين بالظبط.
ست كبيرة من قرايبهم ابتسمتلي ابتسامة مجاملة.
وحد سألني
بتشتغلي فين يا مريم؟
رديت بهدوء
مركز سانت فيكتوريا الطبي.
راجل قاعد الناحية التانية من الترابيزة عينيه لمعت.
سمعت إن عندهم دكاترة جراحة على أعلى مستوى هناك.
سهام ضحكت ضحكة خفيفة وقالت
آه طبعًا... أكيد مريم بتخليهم كلهم منظمين.
كام شخص ضحكوا.
خطيبي أحمد اتجمد مكانه جنبي.
أما أنا...
فما اتغيرش في وشي أي حاجة.
ابتسمت.
ورفعت فنجان القهوة.
وقلت
أكيد... الشغل هناك مش بيسيب لنا وقت نرتاح.
سهام بصتلي برضا.
كانت فاكرة إني فهمت حجمي ومكاني.
لكن اللي هي ما كانتش تعرفه...
إني قضيت تقريبًا سنتين ببني حياتي مع ابنها من غير ما أحتاج موافقة عيلة السعدني.
والأهم...
إني خلال الست أسابيع اللي فاتوا، كنت بتفرج عليهم في هدوء وهما بيقرروا أنا أستحق قد إيه من الاحترام، بناءً على مسمى وظيفي ما كلفوش نفسهم حتى يتأكدوا منه.
أحمد كان عارف الحقيقة.
وكان عايز يقولهم من أول يوم.
لكن أنا طلبت منه ما يعملش كده.
في ليلة من الليالي، وإحنا قاعدين في شقتنا في القاهرة، قلت له
لو هما مش هيحترموني غير لما يعرفوا لقبي الوظيفي... يبقى هما أصلًا ما احترمونيش.
وعشان كده، لما سهام سألتني أول مرة بشتغل إيه في مستشفى سانت فيكتوريا، قلتلها إني بشتغل في قسم الجراحة.
هي قاطعتني قبل ما أكمل.
وقالت
آه،
والحقيقة...
إني فعلًا كنت ممرضة زمان.
وكنت فخورة بده جدًا.
وعشان كده، سبت سهام تصدق بالظبط اللي هي عايزة تصدقه.
ومن اللحظة دي، بدأت تلاقي مية طريقة شيك ومغلفة بالذوق عشان تفكرني إني مش الست اللي كانت متخيلاها لابنها.
في عزومة يوم الأحد، قالتلي
الطب مش مناسب لكل الناس يا مريم.
وفي الفطار، مدتلي مريلة مطبخ وقالت
الممرضات ناس عملية.
وفي حفلة خيرية، قعدت أحمد على الترابيزة الرئيسية وسط الدكاترة ورجال الأعمال وكبار المتبرعين.
أما أنا، فقعدتني ورا، جنب المتطوعين وموظفين تنظيم الحفلة.
وقالتلي بمنتهى الهدوء
الترابيزة الرئيسية محجوزة للإدارة العليا.
ما رديتش.
وبعدين جه حفل خطوبتنا.
سهام سلمتني كتاب طبخ متغلف بطريقة جميلة.
كان عنوانه
أكلات عائلية سهلة للمبتدئين المشغولين.
فتحت الكتاب.
ولقيت جواه ورقة مكتوب عليها بخط إيدها
عشان أحمد ما يفضلش عايش على أكل المستشفى بعد الجواز.
بحبك يا ماما سهام.
كام واحد من قرايبهم ضحكوا.
قفلت الكتاب بهدوء.
وقلت
شكرًا.
سهام قربت مني وقالت
الأكلة الحلوة بتخلي الجواز ناجح.
بصيت في عينيها.
وقلت
والطيبة كمان.
ولأول مرة...
ابتسامتها اختفت.
ولو لثانية واحدة.
في اللحظة دي، موبايلي اهتز.
المستشفى كانت الجهة الوحيدة اللي سامحة ليها تكسر وضع الصامت.
خرجت للممر ورديت.
كان فيه حادث تصادم ضخم على الطريق السريع.
اتناشر مصاب في طريقهم لمستشفى سانت فيكتوريا.
قسم الطوارئ كان غرقان.
وكانوا محتاجيني فورًا.
رجعت بسرعة آخد شنطتي.
أحمد بص في وشي وفهم من غير ما أقول كلمة.
قلت
لازم أمشي.
سهام عبست.
دلوقتي؟
حصل حادث كبير.
طلعت منها تنهيدة صغيرة فيها سخرية.
ما هو أكيد المستشفيات بتبقى مشغولة في الويك إند.
اتجهت ناحية الباب.
وفجأة ضحكت وقالت بصوت عالي، عشان كذا حد يسمع
ما هو لازم حد يغيّر الحفاضات وينضف سراير المرضى.
كرسي أحمد اتزحلق بعنف على الأرض.
وقال
ماما!
المكان كله سكت.
بص لها وقال
كفاية.
سهام رمشت كأن ابنها هو اللي أحرجها.
كنت بهزر.
أحمد رد بحدة
لأ.
حطيت إيدي على دراعه قبل ما غضبه يحوّل الحفلة لخناقة محدش هينساها.
وقلت
خلاص يا أحمد.
بصلي.
لأ يا مريم... مش خلاص.
مسكت شنطتي.
وقلت
هيبقى خلاص.
بعد 28 دقيقة بالظبط، دخلت من بوابة الموظفين في مستشفى سانت فيكتوريا.
الأبواب الأوتوماتيك اتفتحت.
دكتور شاب من قسم الجراحة جري ناحيتي.
واحد تاني سلّمني جهاز عليه صور الأشعة.
وممرضة عدت من جنبي وهي بتديني جوانتي العمليات من غير حتى ما توقف.
خلال ثواني...
عيلة السعدني كلها اختفت من دماغي.
كان فيه مرضى محتاجيننا.
وكان فيه أرواح لازم ننقذها.
اشتغلت معظم الليل.
والصبح بدأ بهدوء.
مرور على المرضى.
قهوة.
أطباء مقيمين مرهقين.
تلات حالات إصابة خطيرة استقرت.
وحالة واحدة لسه في وضع حرج.
وفجأة...
جهاز النداء الخاص بيا اهتز.
استشارة طوارئ.
اشتباه في تسلخ حاد بالشريان الأورطي.
كنت براجع صور الأشعة المقطعية لما دكتور الطوارئ مدلي الملف.
نزلت عيني على اسم المريض.
حسن السعدني.
والد أحمد.
لثانية واحدة...
كل الأصوات حواليا اختفت.
لكن تدريبي سيطر على كل حاجة.
قفلت الملف وقلت
جهزوا غرفة العمليات رقم 3.
حطيت الملف تحت دراعي واتجهت ناحية الطوارئ.
وهناك...
شفت أحمد.
كان واقف في الممر جنب أمه.
وشه شاحب.
وعينيه مليانة رعب.
أول ما شافني، عينيه ثبتت عليا.
مريم...
سهام لفت.
وأول ما شافتني بملابس العمليات، ملامحها اتغيرت.
بصتلي باستغراب.
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
قبل ما أحمد يلحق يرد...
ممرضة مسؤولة عن القسم جريت ناحيتي وقالت
إحنا جاهزين يا دكتورة.
سهام تقدمت خطوة، ولسه بتحاول تحافظ على هدوئها.
وقالت
آسفة... إحنا مستنيين الجرّاح الرئيسي.
الممرضة وقفت.
وبصت لسهام...
وبعدين بصتلي.
وقالت بمنتهى الهدوء
يا مدام سهام... دكتورة مريم السعدي هي رئيسة قسم الجراحة.
وش سهام فضي تمامًا.
عينيها نزلت على بطاقة التعريف المعلقة على صدري.
وبعدين رجعت بصتلي.
ولأول مرة من يوم ما قابلتها...
سهام ما لقتش ولا كلمة واحدة تقولها.
والأسوأ بالنسبة لها...
إن الست اللي قضت ست أسابيع كاملة بتسخر منها وتقلل منها...
كانت دلوقتي هي الجرّاحة الوحيدة اللي جوزها متعلق بحياته على إيديها.
واللي حصل بعد كده جوه غرفة العمليات... كان أكتر بكتير من مجرد عملية لإنقاذ حياة.
الحكاية دي فعلًا فضلت معانا...
حكايات_ميراا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا قفلت باب غرفة العمليات ورايا.
وفي اللحظة اللي دخلت فيها، اختفى كل شيء.
لا سهام.
ولا أحمد.
ولا نظرات العيلة.
ولا حتى الإهانة اللي سمعتها قبل ساعات.
بقى قدامي مريض واحد.
وحياة واحدة.
قلت للفريق
الوقت مهم جدًا. عندنا اشتباه في تسلخ بالشريان الأورطي، وكل دقيقة بتفرق.
الممرضة قربت مني بالملف.
الضغط 80 على 50، والنبض سريع.
بصيت للشاشة.
الأشعة كانت واضحة.
التسلخ كان ممتد لمسافة كبيرة، وفيه خطر حقيقي من حدوث تمزق.
قلت
هنبدأ فورًا.
الدكتور الشاب بصلي بتردد.
دكتورة مريم، الحالة دي عالية الخطورة جدًا.
رديت من غير ما أرفع عيني من الأشعة
أنا عارفة.
وبعدين بصيت لكل الموجودين.
وعشان كده مش عايزة حد يتوتر. كل واحد عارف دوره.
بدأت العملية.
مرت الدقائق ببطء مخيف.
وفي الخارج...
كان أحمد واقف في الممر، مش قادر يقعد.
أما سهام فكانت قاعدة على الكرسي، وإيديها متشابكة فوق بعض.
فضلت تبص لباب العمليات.
وبعدين قالت بصوت منخفض
إزاي؟
أحمد ما ردش.
قالت تاني
إزاي ما قلتليش إنها دكتورة؟
رفع عينيه ليها.
هي قالتلي ما أقولش.
سهام سكتت.
ليه؟
أحمد ابتسم ابتسامة حزينة.
عشان كانت عايزة تعرف إذا كنتوا هتحبوها عشان هي مريم... ولا عشان لقبها.
سهام بلعت ريقها.
وبصت للأرض.
افتكرت كل حاجة.
المريلة.
كتاب الطبخ.
الترابيزة الخلفية.
كلامها عن الممرضات.
جملتها عن تغيير الحفاضات.
كل كلمة قالتها رجعت تضرب في دماغها كأنها اتقالت قدامها دلوقتي.
بعد حوالي ثلاث ساعات...
خرجت من غرفة العمليات.
كنت مرهقة.
نزعت الكمامة.
وأول ما فتحت الباب، أحمد وقف.
جري ناحيتي.
بابا؟
بصيت له.
الحالة مستقرة.
غمض عينيه للحظة، وكأنه كان حابس نفسه
وبعدين قرب مني.
إنتِ أنقذتيه.
هزيت راسي.
ده شغلي.
لكن سهام قامت من مكانها.
وقفت قدامي.
ولأول مرة...
ما كانش في صوتها أي تعالي.
قالت
مريم...
سكتت.
واضح إنها كانت بتحاول تلاقي كلمة مناسبة.
أنا... ما كنتش أعرف.
بصيت لها بهدوء.
كنتِ تعرفي