في جنازة أختي

لمحة نيوز

 

— السيدة آلاء، عثرنا على طلب حضانة مؤقتة قدمه حيدر قبل يومين فقط.

تجمدت في مكاني.

وأكملت:

— ذكر في الطلب أن زهراء كانت تعاني من اضطرابات وعدم استقرار نفسي، وأنكِ تمثلين تأثيرًا سلبيًا عليها.

شعرت ببرودة تسري في جسدي.

لم يكن حيدر يريد دفن أختي بسرعة فقط.

بل كان يريد الحصول على علي قبل أن يتمكن الطفل من الكلام.

في صباح اليوم التالي لم يكن هناك دفن.

كان هناك تحقيق.

وخبراء.

واتصالات هاتفية.

وأوراق رسمية.

وتوقيعات.

ومنزل امتلأ بالكراسي الفارغة التي ما زالت تفوح منها رائحة القهوة والشمع والزهور.

رفضت أمي إزالة مجلس العزاء.

كانت تقول إن زهراء ستبقى وحيدة إذا أطفأنا الشموع وأزلنا صورها.

ولم أملك الشجاعة لمجادلتها.

أغلقت باب الغرفة التي كان علي ينام فيها.

ثم بدأت أجمع كل ما تركته زهراء خلفها.

الهاتف المخفي.

والذاكرة الإلكترونية داخل الديناصور.

وأوراق التأمين على الحياة.

وكشوفات الحساب الخاصة بأمي.

وصورًا مطبوعة لرسائل كان حيدر يطالب فيها زهراء بالمال باستمرار.

كل ورقة كانت تكشف لي جانبًا لم أرد رؤيته سابقًا.

لم تكن زهراء متوترة.

كانت محاصرة.

أكد تقرير الطب العدلي وجود إصابات سابقة على جسدها.

بعضها قديم.

وبعضها حديث.

كما وُجدت آثار على ذراعها تتوافق مع ما ظهر في الفيديو.

حاول حيدر، عبر محاميه، أن يدعي أن زهراء هي من بدأت الشجار.

وأنه حاول فقط منعها.

وأن السقوط كان حادثًا غير مقصود.

ثم حاولوا استخدام الهاتف ضدها.

وادعوا أن امرأة تخفي أدلة داخل ملابسها لا بد أن تكون مضطربة نفسيًا.

لكن هذه الرواية بدأت تنهار عندما تمكنت الجهات المختصة من استعادة رسائل محذوفة من هاتفه.

في إحدى الرسائل كتب لصديق له:

"إذا غيرت التأمين فلن يبقى لي

شيء."

وفي رسالة أخرى كتب:

"العجوز تدخلت فيما لا يعنيها."

وكان يقصد أمي.

لأن زهراء اكتشفت أنه استولى على أموال منها مستخدمًا إيصالات مزورة تحمل اسمها.

أدلى علي بإفادته بحضور مختصين نفسيين.

ولم يُترك وحده أمام الغرباء.

وسُمح لي بالبقاء قريبًا منه دون التدخل.

روى أنه سمع شجارًا في تلك الليلة.

وأن والدته طلبت منه الاختباء داخل الحمام واحتضان الديناصور.

ثم قال إنها دخلت إليه بعد دقائق.

وكانت يداها ترتجفان.

فقامت بخياطة شيء داخل اللعبة بسرعة.

وقالت له:

— إذا حدث لي شيء، انتظر الصوت.

خالتك آلاء ستفهم.

لم يرَ علي ما حدث على الدرج.

لكنه سمع صوت السقوط.

وسمع أيضًا والده يقول جملة لا ينبغي لطفل أن يحملها في ذاكرته.

قال:

— وبعدها سمعت أبي يقول: الآن انتهى كل شيء.

عندما كرر علي تلك الكلمات، توقفت الأخصائية النفسية للحظات.

أما أنا فاضطررت للضغط على شفتي بقوة حتى لا أنهار.

تم تعليق طلب الحضانة الذي قدمه حيدر فورًا.

وتقدمت أنا بطلب حضانة مؤقتة لعلي.

ورغم الألم الذي كانت تعيشه أمي، فإنها وقفت إلى جانبي.

بعد ذلك بدأت عائلة حيدر بالظهور.

جاؤوا حاملين الطعام.

والدموع.

وكلمات كثيرة عن أن الطفل يحتاج إلى عائلة والده.

استقبلتهم عند باب المنزل.

وقلت لهم بهدوء:

— عائلة والده تخضع للتحقيق بسبب وفاة والدته.

غادروا في ذلك اليوم.

لكنهم أرسلوا لاحقًا رسائل يتهمونني فيها بأنني أزرع الكراهية داخل قلب الطفل.

لم أرد عليهم.

لم أكن أريد أن أملأ قلبه بالكراهية.

بل بالأمان.

وهو الشيء الذي افتقده منذ وقت طويل.

استمرت القضية لفترة طويلة.

أطول مما تستطيع أي عائلة تحمله بسهولة.

تأجلت جلسات عديدة.

وتردد بعض الشهود في الإدلاء بأقوالهم.

وقال بعض الجيران إنهم سمعوا

مشاجرات سابقة لكنهم غير متأكدين من تفاصيلها.

كما حاول المحامون مرارًا تشويه صورة زهراء.

أما حيدر فخسر الكثير من وزنه.

وأطلق لحيته.

وتعلم كيف ينظر إلى القاضي كرجل نادم.

لكن في كل مرة حاول فيها الدفاع تصوير زهراء كامرأة مضطربة، كانت تظهر أدلة جديدة.

نسخة الفيديو.

وتعديل وثيقة التأمين.

والتحويلات المالية.

والتسجيل الصوتي.

والإصابات الموثقة.

كانت زهراء خائفة فعلًا.

لكنها لم تكن ضائعة.

بل كانت تحضر آخر وسيلة لحماية ابنها.

وعندما صدر الحكم أخيرًا، لم يحتفل أحد.

فلا أحد يحتفل في مثل هذه القضايا.

حُكم على حيدر بالسجن بسبب وفاة زهراء والعنف الأسري.

كما فُتح تحقيق مستقل بشأن الاستيلاء على أموال أمي وتزوير الإيصالات.

شعرت بشيء من الارتياح.

لكن ليس بالسلام.

فالسلام لا يأتي مع الأحكام.

بل يأتي تدريجيًا.

عندما ينام الطفل ليلة كاملة دون خوف.

وعندما يتوقف عن السؤال إن كان والده سيخرج فجأة من خلف الأبواب.

وعندما يضحك دون أن ينظر حوله بقلق.

انتقل علي للعيش معي.

في البداية لم يكن يفارق الديناصور القماشي.

رغم أنه أصبح فارغًا.

كان ينام والضوء مضاءً.

ويستيقظ كلما اهتز أي هاتف قريب منه.

ذلك الصوت الذي أنقذ الحقيقة.

ترك داخله خوفًا أيضًا.

أخذته إلى جلسات الدعم النفسي.

وذهبت أنا كذلك.

رغم أنني كنت أقول في البداية إنني لا أحتاجها.

لكنني كنت أكذب على نفسي.

كنت أحتاجها لأتخلص من شعور الذنب.

لأنني لم أصر على معرفة ما كانت زهراء تحاول إخباري به.

ولأفهم أن الإنسان لا يستطيع دائمًا إنقاذ من يحب.

لكنه يستطيع حماية ما حاول ذلك الشخص حمايته حتى اللحظة الأخيرة.

عاد منزل أمي تدريجيًا إلى شيء يشبه الحياة.

ليس كما كان.

ولن يعود كما كان أبدًا.

أحيانًا يساعد

علي في سقي النباتات.

وأحيانًا يجلس أمام صورة والدته ويحكي لها ما حدث معه في المدرسة.

وتعد له أمي المشروب الساخن الذي كانت تحاول تقديمه له في ليلة العزاء.

لكنها الآن تنتظر حتى يطلبه بنفسه.

لم يجبره أحد على النسيان.

وفي الوقت نفسه لم نسمح له بالبقاء أسير تلك الليلة.

فزهراء لم تفعل كل ما فعلته ليظل ابنها متعلقًا بنعشها.

بل فعلته ليخرج من ذلك المنزل ومعه الحقيقة.

احتفظت بالهاتف القديم.

وبالذاكرة الإلكترونية.

وبالسوار الذي كانت ترتديه زهراء في معصمها.

ليس بدافع الفضول.

بل لأنها تذكير دائم لي.

بأن أختي، رغم خوفها، ورغم معرفتها أن أحدًا قد لا يصدقها في الوقت المناسب، لم تتوقف عن التفكير.

ولم تتوقف عن التخطيط.

ولم تتوقف عن حب ابنها.

أما ذلك الفستان الخمري الذي كرهته في البداية، فقد تحول في نظري إلى آخر خزنة أسرار صنعتها زهراء بنفسها.

كان حيدر يظن أنه اختاره لدفنها بسرعة.

لكنه لم يكن يعلم أنها أخفت بداخله الصوت الذي سيوقفه.

اليوم يبلغ علي أحد عشر عامًا.

وأحيانًا يسأل عن والدته بنضج يفوق عمره.

يسألني:

— هل كانت أمي تعرف أنها ستموت؟

فأجيبه بأصدق إجابة أملكها:

— كانت تعرف أن شيئًا سيئًا قد يحدث، ولذلك فعلت كل ما تستطيع حتى لا تبقى الحقيقة مدفونة.

يهز رأسه بهدوء.

ويحتضن ديناصوره الذي تم إصلاحه من جديد.

ولا يبكي دائمًا.

أحيانًا يكتفي بالنظر من النافذة.

بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها إلى النعش تلك الليلة.

وكأنه ما زال يحرس وعدًا.

أما أنا، فلم أسمع منذ ذلك اليوم اهتزاز هاتف يشبه ذلك الاهتزاز.

وكلما سمعت رنينًا أو اهتزازًا فوق طاولة، ينقبض قلبي للحظة.

لكنني أتذكر بعدها أن ذلك الطنين المعدني القصير كان الصوت الذي تحدثت به أختي بعدما لم تعد قادرة

على الكلام.

في ليلة العزاء، ظن الجميع أن علي كان تائهًا بسبب الصدمة عندما طلب ألا يُغلق النعش.

لكنه لم يكن تائهًا.

كان ينفذ آخر وصية تركتها له والدته.

وبفضل ذلك الطفل الصغير، الذي امتلك شجاعة أكبر من جميع الكبار الموجودين في تلك الغرفة، لم تُدفن زهراء باعتبارها ضحية حادث عرضي.

بل وُدعت، أخيرًا، والحقيقة إلى جانبها.

تم نسخ الرابط