كشري سلفتي

لمحة نيوز

بتكبري المواضيع ليه؟ هو مش هيفهم الإهانة اللي مستخبية ورا الحركة، هيبص لسطح الموضوع بس.
قررت أهدا، وأفكر بعقلي مش بمشاعري.
شلت الشنطة السودا زي ما هي، وحطيتها في الدولاب جوة، مقربتش منها ولا فتحت فيها كيس. وقفت في المطبخ، وبدل ما أنكسر، طلعت لحمة من الفريزر، وخضار، وبدأت أطبخ. كنت عايزة ريحة الأكل تملى المنور، عشان تعرف إني مش مستنية منها طبق ولا كيس رز، وإني عايشة في خير جوزي ومبسوطة، ومفيش حاجة ناقصاني.
المنور اللي كان سبب في المشكلة، هو هو اللي هيسمعها رنة الحلل وريحة الأكل اللي مفيش أحسن منه. بس الغيظ مكانش سايبني، وكل ما أفتكر كلمة عينك مش مليانة، أحس بوجع في صدري لا يوصف. حسن النية هو اللي بيودي في داهية في بيوت العيلة، لما تتعاملي بقلب أبيض مع ناس قلوبها مليانة حسابات.
العصر أذن، وسمعت صوت رجليها وهي طالعة نازلة على السلم، بتتعمد ترزع الأبواب وتتكلم بصوت عالي مع الجيران والسلايف التانيين، وتقول كلام متلقّح
أصل الناس اللي باصة في غيرها ما بتشبعش أبداً! لو اديتيهم عينيكي برضه مش عاجبهم!
وسلفتي التانية ترد عليها وتضحك
يا أختي ياما بنشوف، ربنا يكفينا شر العين الوحشة!
كنت سامعة كل حرف من المنور. كانوا قاصدين يسمعوني، قاصدين يحاصروني ويحسسوني إني معزولة ومذنبة. دموعي نزلت غصب عني من القهرة، مسحتها بسرعة وقلت لنفسي لا، مش هخليهم يشوفوا ضعفي أبداً.
على المغرب، رجع جوزي من الشغل. دخل، شاف الأكل محطوط على السفرة، بص للأكل وبعدين بصلي. وجهه كان مقلوب ومكشر. قعد على الكرسي وقال ببرود
نزلتي اعتذرتي لها؟
سكت لحظة، وبصيت في عينيه مباشرة، وقلت له
لا يا أحمد، منزلتش. ومش هنزل.
رمى المفاتيح على الترابيزة بصوت عالي وقام وقف
هو إنتِ مبتفهميش؟! أنا مش قايل لك من إمبارح تخلصي الحوار ده؟ إنتِ عايزة البيت يولع؟ عايزة تعملي بيني وبين أخويا قطيعة عشان تفاهات؟
قلت له بهدوء عكس البركان اللي جوايا
التفاهات دي هي كرامتي يا أحمد. مرات أخوك باعتة لي الصبح بنتها الصغيرة بشنطة تموين، مكرونة وزيت وعدس، وبتقول لي خدي عشان ما تبصيش في عيشتنا! ده يرضيك؟ ده يرضي رجولتك إن مراتك تتبعت لها صدقة وإحسان عشان طلبت طبق كشري بأخوة وحسن نية؟
أحمد اتلجم شوية، وسكت دقيقة. عينه راحت يمين وشمال، وكنت شايفة التردد في وشه، بس الكبر والهروب من المشاكل كان أقوى منه. نفخ بضيق وقال
وإيه يعني؟ يمكن شافت إنك محتاجة وحبت تجاملك؟ إنتِ ليه بتفسري كل حاجة بسوء نية؟
الكلمة دي قطعت آخر حبل كان باين بيني وبينه في الأزمة دي.
بصيت له بذهول
تجاملني؟ بتبعت لي تموين تجاملني بيه بعد ما قالت عليا عيني فارغة وباصة في أكلها؟ إنت مصدق نفسك وإنت بتقول الكلام ده؟
أحمد زعق
أنا اللي يهمني أمي وإخواتي ميقاطعونيش! الموضوع ده هيتقفل النهاردة، هتنزلي تعتذري وتشكريها على اللي جابته، وتخلصينا من قلة القيمة دي!
قلت له بمنتهى الحسم
على جثتي أنزل أعتذر عن حاجة ما غلطتش فيها. أنا طلبت أكل بحسن نية، وهي اللي فضحتني في المنور وقالت إني حاسداها وباصة في عيشتها، وهي اللي بعتت تكسر نفسي بالتموين ده. لو عايزني أعتذر، طلقني أحسن، لأن اللي تتنازل عن كرامتها بالشكل ده ما تستاهلش تعيش معاك.
البيت اتقلب سكوت تام بعد الكلمة دي.
أحمد بصلي بصدمة، مكنش متوقع إن ردي يوصل لحد كلمة الطلاق. هو متعود إني أتنازل وأسكت وأقول عشان المركب تمشي، بس في حاجات لما بتتكسر، مبيرجعش نفع فيها أي تنازل.
فضل باصصلي وهو مش لاقي كلام يقوله، وفجأة سمعنا صوت دوشة على السلم، وصوت حماتي طالع من تحت وهي بتنادي
يا أحمد! يا إبراهيم! انزلوا لي حالا تحت!
أحمد بصلي بغيظ، وخرج ورزع الباب وراه ونزل.
وقفت مكاني، قلبي كان بيدق، بس حسيت بقوة غريبة. خلاص، مابقاش عندي حاجة أخسرها. فتحت باب الشقة على مهل، ووقفت في الطرقة أسمع إيه اللي بيحصل تحت عند حماتي.
الصوت كان عالي جداً.
سمعت سلفتي بتعيط وبتقول
شوفتي يا حماتي؟ من يوم ما طلبت طبق الكشري والبيت اتقلب، الواد الصغير سخن فجأة ورجع، والخلاط اتحرق، والغسالة وقفت! عينيها وحشة ومدورة، ومهما أدّيها مش راضية! باعتة لها خير الصبح لحد بابها عشان أكفي شرها، برضه مفيش فايدة، باصة في لقمتنا وعايزة تخرب بيتي!
وسمعت سلفتي التانية بتسخنها
أيوا يا خالتي، ده حتى صوت حللها النهاردة كان طالع في المنور بقصد وكأنها بتغيظنا!
وحماتي بصوتها الحاد قالت
البت دي لازم تتربى وتعرف إن البيت ده له كبير، لو مش عاجبها عيشتنا تروح لبيت أبوها! فين أحمد؟ خلوه يجيبها وينزل لي حالا!
رجعت خطوتين لورا ودخلت شقتي، وقفلت الباب بالمفتاح.
كنت عارفة إن الخطوة اللي جاية هي المواجهة الكبيرة قدام حماتي وسلايفي كلهم. هما فاكرين إني هطلع الست المكسورة اللي هتنزل تبوس الإيدين وتعتذر عشان تعيش في أمان، ومش عارفين إن القهرة لما بتزيد بتتحول لقوة تهد أي بيت مبيعرفش يحفظ حق المظلوم.
دخلت الأوضة، مسكت تليفوني، واتصلت بحد مكنتش ناوية أدخله في مشاكلي أبداً بس المرة دي الموضوع مش خناقة سلايف، دي مسألة شرف وعزة نفس.
اتصلت بأخويا الكبير، ولما رد عليا وقال
ألو، إزيك يا حبيبتي، عاملة إيه؟
رديت عليه وصوتي ثابت جداً ومفيهوش دموع
تعالالي يا محمد تعالالي حالا عند بيت حمايا، عشان أختك كرامتها بتتباع برخص التراب، والنهاردة الحساب هيتصفى.
يتبع 
قفلت السكة مع أخويا، وفضلت واقفة مكاني في نص الصالة. النفس اللي طالع ونازل من كان تقيل زي الجمر، بس الدموع اللي كانت بتنزل زمان من أقل كلمة، المرة دي نشفت تماماً. في لحظات كدة في حياة أي ست، لما الظلم بيزيد عن حده، بيتحول الانكسار لجليد، وكل حاجة جواها بتهدا عشان تفكر صح وبأعلى درجات البرود.
بصيت على الشنطة البلاستيك السودا اللي رمتها في الدولاب، طلعتها وحطيتها في نص الصالة قدام عيني. الشنطة دي كانت الدليل والبرهان، الختم اللي ختموا بيه على كرامتي وافتكروا إني هبلعه وأسكت عشان أحافظ على شكل البيت. لا، اللي يفرط في كرامته عشان يشتري راحة باله بيخسر الاتنين؛ بيفضل متهان، وبرضه مابيرتاحش.
أصوات الصريخ والزعيق من تحت كانت لسه واصلة لحد عندي، صوت حماتي وهي بتزعق وتقول اطلع هاتها من شعرها يا أحمد! خليها تنزل تعرف إن البيت ده له ست تحكمه مش سايبة هي! وسلفتي تعيط بصوت مصطنع شوفتي يا حماتي؟ من ساعة ما عينها دخلت في بيتي، والبركة طارت! الواد لسه سخن، والخلاط اتحرق، والغسالة قاطعة مية! إحنا مش هنعيش في رعب منها!
وفجأة، الباب اترزع بعنف. أحمد كان طالع، بيخبط بقبضة إيده كلها على الخشب وكأنه داخل يكسر الباب. فتحت له الباب بهدوء شديد، ورجعت خطوة لورا.
دخل أحمد ووشه محتقن وعروق رقبته ناطة، وقفل الباب وراه برزعة هزت الحيطان إنتِ سامعة الفضايح اللي تحت؟ سامعة أمي بتقول إيه؟ عاجبك الشوشرة اللي عملتيهالنا في الشارع؟ انزلي معايا حالا اعتذري لأمي ولسلفتك،
تم نسخ الرابط