النادلة رقصت
النادلة رقصت وهي بتخدم زعيم المافيا وبعد ساعات، أصدر أمره بهدوء جيبوها لي
كانت سلمى في نص لفة مرحة، والصينية متوازنة فوق كتفها، لما ياسين الجبالي بطل يسمع كلام الرجالة اللي قاعدين معاه.
هي ماكانتش تعرف إن أخطر رجل في القاهرة كان بيراقبها وهي بترقص، ولا كانت تعرف إنه بعد ساعات، هيبص لواحد من رجاله ويقول بهدوء
جيبوها لي.
ولأول مرة من سنين، حاجة بريئة تمامًا قدرت تشتت ياسين عن العالم الخطير اللي كان بيبتلع حياته.
كانت ترابيزة مطعم ليالي النيل في الزمالك منورة بأنوار صغيرة دافية، وصوت العود والمزيكا الشعبية مالي المكان، والناس قاعدة بتاكل وتضحك وسط جو الصيف.
سلمى كانت بتتحرك بين الترابيزات المليانة، لابسة جيبة كحلي ومريلة بيضا، وبتقدم الأكل والمشروبات للزبائن، بينما الفرقة بتعزف لحن شعبي سريع.
وفجأة، الإيقاع شدها.
ابتسمت سلمى، ولفت حوالين كرسي فاضي، ورفعت الصينية فوق كتفها، ورقصت تلات خطوات خفيفة وهي بتكمل طريقها للترابيزة.
كام واحد من الزباين الدائمين صفقوا لها.
ضحكت سلمى وعملت لهم انحناءة صغيرة وهي بتهزر.
من ورا البار، محمود هز راسه بحنان وقال لها
إنتِ جاية تشتغلي ولا جاية تعملي فرح يا سلمى؟
حطت سلمى صباعها على شفايفها وقالت وهي بتضحك
اسكت يا محمود، محدش شاف حاجة.
الرقص وهي في الشغل ماكانش مسموح بيه أوي، لكنها ماقدرتش تقاوم.
من وهي صغيرة، كانت سلمى بتحلم إنها ترقص على مسرح كبير.
لكن الظروف أخدتها في طريق تاني.
والحياة أجبرتها تشتغل عشان تساعد نفسها وأمها.
ومع ذلك، كل ما المزيكا تشتغل، الحلم القديم كان بيرجع تاني.
سلمى ماخدتش بالها من التلات رجالة اللي قاعدين في ترابيزة منعزلة في آخر المطعم.
لكن ياسين خد باله من كل حاجة.
من ست شهور، ياسين الجبالي كان استلم إمبراطورية عيلته بعد موت والده، واستلم معاها أعداء كتير، وأسرار أكتر، ورجالة كل واحد فيهم مستعد يبيع أقرب شخص ليه عشان يفضل عايش.
ليالي ياسين كانت عادة مليانة باجتماعات سرية، وتحذيرات، وتهديدات، ورجالة بيحسبوا كل كلمة قبل ما ينطقوا بيها قدامه.
والليلة دي ماكانتش مختلفة.
كان حمدي، رجله الأول، بيشرح له أخبار مقلقة عن صفقة جديدة مع واحد من أكبر منافسيه.
لكن انتباه ياسين اتشتت تاني.
سلمى كانت بالغلط قدمت مشروب لترابيزة غلط.
ولما اكتشفت غلطتها، بدل ما تتوتر، ضحكت على نفسها، واعتذرت للناس، وبعدها عملت انحناءة مسرحية خلت الترابيزة كلها تضحك.
ولأول مرة من فترة طويلة، حاجة شبه الابتسامة ظهرت على وش ياسين.
حمدي وقف عن الكلام.
يا ياسين باشا؟
ياسين رجع بص له.
حكايات_شروق_خالد
إيه؟
إنت سامعني؟
رد ياسين بهدوء
أيوه.
لكن عينيه رجعت تاني ناحية سلمى.
المرة دي، هي لاحظت.
كانت واقفة جنب ترابيزة فاضية وبتنضفها بفوطة، وفجأة
رفعت عينيها ناحية الركن، واتقابلت عينيها مع عيني ياسين.
ابتسامتها اختفت.
كان راجل طويل، لابس بدلة سودا غالية، وملامحه جامدة بطريقة تخلي أي حد يفكر مرتين قبل ما يقرب منه.
والراجلين اللي قاعدين جنبه كانوا ساكتين، لكن عينيهم بتتحرك في المكان طول الوقت.
سلمى بصت بعيد بسرعة.
هي خدمت قبل كده ناس أغنيا، ورجالة أعمال، وناس كانت بتسمع عنهم حكايات كتير.
وعاشت في القاهرة بما يكفي عشان تعرف إن في ناس الأفضل ماتسألش عنهم.
لكن رغم كده، قلبها فضل بيدق بسرعة غريبة.
بعد شوية، ياسين شافها وهي بتجيب كوباية مية لراجل كبير في السن من غير ما يطلب.
وشافها كمان وهي بتساعد عامل صغير كان شايل أطباق كتير، ولما طبق وقع منه، نزلت تساعده تجمعه بدل ما تسيبه لوحده.
ماكانش في أي حاجة في تصرفاتها تقول إنها بتحاول تلفت انتباه حد.
وده بالذات اللي لفت انتباهه أكتر من رقصها.
لما صاحب المطعم جاب الحساب، ياسين وقف.
سلمى بصت ناحيته مرة تانية.
عينيهم اتقابلت لثانية واحدة.
وبعدها خرج من المطعم.
سلمى أخدت نفس طويل، وحاولت تقنع نفسها إن الموقف خلص.
وإن الراجل الغريب ده مش هتشوفه تاني.
لكن بعد نص الليل، مطعم ليالي النيل كان قفل.
سلمى غيرت هدوم الشغل، ومحمود كان بيجمع الكراسي.
كانت بتضحك وهي بتحكيله تاني عن غلطة المشروب، لما عربية سودا فخمة وقفت قدام المطعم.
سلمى بصت من ورا الزجاج.
العربية فضلت واقفة ثواني، وبعدها تحركت ومشيت.
ماكانتش تعرف إن حد كان بيراقب خروجها.
حكايات_شروق_خالد
وفي نفس الوقت، في مكتب ياسين الفخم في القاهرة، كان واقف قدام الشباك وباصص على أضواء المدينة.
الاجتماع كان خلص من حوالي عشرين دقيقة.
لكنه ماكانش فاكر نص الكلام اللي اتقال.
لأن اللي كان شايفه قدام عينيه، كان سلمى وهي بتلف بالصينية تحت نور المطعم.
ولأول مرة، وجود بنت غريبة في مكان عام كان شاغل تفكيره بالشكل ده.
حمدي كان واقف جنب الباب مستني.
وأخيرًا، ياسين اتكلم.
النادلة اللي كانت في المطعم النهارده.
حمدي رفع حاجبه.
سلمى؟
ياسين لف ناحية الشباك.
وشه كان هادي، لكن القرار اللي في عينيه كان واضح.
وقال بصوت منخفض
جيبوها لي.
حمدي سكت لحظة.
وبعدين قال بحذر
عايزها ليه يا باشا؟
ياسين بص له نظرة قصيرة.
أنا قلت جيبوها.
حمدي فهم إن السؤال انتهى.
خرج من المكتب، وقفل الباب وراه.
أما ياسين، ففضل واقف مكانه.
لأول مرة من سنين، ماكانش بيفكر في أعدائه.
ولا في الخيانة اللي بتحصل حواليه.
ولا في الصفقة اللي ممكن تشعل حرب بين أكبر عيلتين في القاهرة.
كان بيفكر في بنت بسيطة، رقصت وهي شايلة صينية، وضحكت على غلطتها كأن الدنيا لسه فيها حاجة تستاهل الضحك.
وماكانش يعرف إن القرار اللي أخده في اللحظة دي
هيكون أول خطوة في سر خطير
في اليوم التالي، سلمى وصلت المطعم بدري عن عادتها.
كانت طول الليل مش عارفة تنام.
كل ما تفتكر نظرة الراجل اللي كان قاعد في آخر المطعم، تحس بقشعريرة في جسمها.
حاولت تقنع نفسها إن الموضوع عادي.
يمكن كان مجرد زبون غني.
يمكن شاف رقصتها وضحك زي باقي الناس.
لكن إحساس غريب كان جواها بيقول إن الحكاية ماخلصتش.
وإحساسها طلع في محله.
الساعة كانت حوالي عشرة الصبح، والمطعم لسه بيفتح أبوابه، لما عربية سودا وقفت قدام المكان.
نزل منها حمدي ومعاه راجل تاني.
دخلوا المطعم بهدوء.
محمود كان بيرتب الكراسي، ولما شافهم قرب وقال
تحت أمركم.
حمدي بص حواليه وسأل
سلمى موجودة؟
محمود اتوتر.
سلمى؟ أيوه... بس ليه؟
حمدي ماجاوبش.
في اللحظة دي خرجت سلمى من المطبخ وهي شايلة صندوق صغير.
أول ما شافت الرجلين، وقفت مكانها.
حمدي بص لها مباشرة.
إنتِ سلمى؟
قلبها دق بسرعة.
أيوه... خير؟
قال بهدوء
ياسين الجبالي عايز يقابلك.
الصندوق وقع من إيدها على الأرض.
محمود قرب منها بسرعة.
ياسين مين؟
لكن سلمى ما ردتش.
اسم ياسين الجبالي كان كفاية يخلي الخوف يظهر في عينيها.
كانت سمعت الاسم قبل كده.
مش تفاصيل.
مجرد كلام متفرق من الناس...
راجل محدش يقدر يقف قدامه.
اللي يدخل معاه صفقة لازم يحسبها عشر مرات.
ابعد عن طريقه أحسن.
رفعت سلمى عينيها لحمدي وقالت
أنا عملت إيه؟
حمدي رد
ولا حاجة.
أمال عايزني ليه؟
سكت لحظة، وبعدها قال
ده سؤال تسأليه له بنفسك.
سلمى هزت راسها بسرعة.
أنا مش هروح.
محمود وقف جنبها.
وهي قالت مش هتروح.
حمدي بص له نظرة باردة.
لكن قبل ما يتكلم، رن تليفونه.
رد
أيوه يا باشا.
سكت وهو بيسمع.
وبعدين قال
هي قدامي.
سكت تاني.
وبص لسلمى.
حاضر.
قفل المكالمة.
ثم قال
ياسين قال إنها لو مش عايزة تيجي، محدش يجبرها.
سلمى اتفاجئت.
حمدي كمل
لكنه طلب مني أوصل لها رسالة.
إيه؟
يقولك إن والدتك اسمها نوال؟
اتجمدت سلمى.
وشها اتغير تمامًا.
إنت تعرف أمي منين؟
حمدي ماجاوبش.
اكتفى إنه طلع ظرف بني من جيبه وحطه على الترابيزة.
ده ليكي.
ومشي.
سلمى فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك.
محمود قرب من الظرف.
ماتفتحيهوش هنا.
لكن سلمى كانت بالفعل مسكته.
إيديها كانت بتترعش.
فتحت الظرف ببطء.
وأول حاجة وقعت قدامها كانت صورة قديمة جدًا.
صورة لست شابة واقفة قدام مستشفى.
سلمى قربت الصورة من عينيها.
ثم شهقت.
دي... أمي.
لكن كان في شخص واقف جنبها في الصورة.
راجل شاب.
ملامحه كانت مختلفة بسبب قدم الصورة، لكن عينيه...
سلمى حست إنها شافتهم قبل كده.
قلبها بدأ يخبط بعنف.
قلبت الصورة على ضهرها.
وكان مكتوب بخط اليد
لو عايزة تعرفي إيه اللي حصل ليلة 14 أكتوبر... اسألي ياسين عن والدك.
سلمى حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
والدها.
الكلمة دي كانت
من وهي طفلة، كل ما تسأل أمها عن أبوها، كانت نوال تسكت وتغير الموضوع.
مرة واحدة بس، وهي عندها عشر سنين، سمعت أمها بتقول لجارتهم
المهم إنها ماتعرفش.
ساعتها سلمى افتكرت إن أمها بتحاول تحميها من وجع قديم.
لكن دلوقتي...
إيه علاقة ياسين الجبالي بأبوها؟
وليه عنده صورة لأمها؟
وليه اختار الليلة دي بالذات؟
رفعت عينيها لمحمود.
أنا لازم أعرف الحقيقة.
محمود بص لها بقلق.
الحقيقة ساعات بتكون أخطر من الكذبة.
سلمى قبضت على الصورة.
وأنا تعبت من إني أعيش وسط أسرار مش فاهمة حاجة عنها.
في نفس اللحظة، تليفونها رن.
رقم غريب.
ردت بحذر
ألو؟
جالها صوت رجل هادي
سلمى؟
مين؟
أنا ياسين.
سلمى سكتت.
صوته كان مختلف عن الصورة اللي رسمتها في خيالها.
هادئ جدًا.
وده خوّفها أكتر.
قال
لو عايزة تعرفي الحقيقة عن والدك، تعالي مكتبي.
سلمى سألت بسرعة
وإنت تعرف أبويا منين؟
صمت ياسين ثواني.
ثم قال
لأن آخر مرة شفته فيها... كنت واقف جنبه.
وقفل الخط.
سلمى فضلت ماسكة التليفون.
لكنها ماخدتش بالها إن محمود كان واقف وراها، وملامحه اتغيرت بمجرد ما سمع الجملة الأخيرة.
لأن محمود...
كان يعرف اسم والد سلمى.
وكان يعرف كمان السر اللي نوال قضت سنين وهي بتحاول تدفنه.
والأخطر...
إنه كان حاضر في الليلة اللي ياسين بيتكلم عنها.
لكن محمود ماقالش أي كلمة.
واكتفى إنه بص لسلمى وهمس
لو روحتي لياسين... ماتقوليش إنك عرفتي مني أي حاجة.
سلمى بصت له باستغراب.
ليه؟
محمود بلع ريقه.
لأن الليلة دي... مش هتلاقي فيها الحقيقة بس.
أمال هلاقي إيه؟
رفع عينيه لها وقال
هتلاقي سبب يخلي ناس كتير تتمنى إنك ماعرفتيش الحقيقة أصلًا سلمى فضلت طول الليل تفكر في كلام محمود.
وفي الصبح، قبل ما تنزل من البيت، لقت أمها قاعدة في الصالة، ماسكة فنجان القهوة وإيديها بتترعش.
سلمى وقفت قدامها وحطت الصورة على الترابيزة.
ماما... مين الراجل ده؟
نوال بصت للصورة.
وفي لحظة، لون وشها اختفى.
ما سألتش الصورة جات منين.
ما استغربتش إن سلمى عرفت.
بس قالت جملة واحدة
إنتِ قابلتي ياسين؟
سلمى اتصدمت.
يعني إنتِ عارفاه؟!
نوال قامت بسرعة وقفلت باب الشقة.
اقفلي الموبايل.
ليه؟
اعملي اللي بقولك عليه يا سلمى.
سلمى حست إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد صورة قديمة.
بابا كان يعرفه؟
نوال سكتت.
ماما!
دموع نزلت من عين نوال.
أبوكي ماكانش راجل عادي يا سلمى.
يعني إيه؟
وكان ليه أعداء.
وياسين كان منهم؟
نوال هزت راسها بالنفي.
لأ.
سلمى قربت منها.
أمال كان إيه؟
نوال بصت ناحية الباب، وكأنها خايفة حد يسمعهم.
ياسين كان آخر شخص أبوكي وثق فيه.
سلمى اتجمدت.
وإنتِ مخبية عني ده ليه؟
قبل ما نوال ترد، جرس الباب رن.
مرة.
مرتين.
وبعدين تلات مرات متتالية.
نوال شهقت.
مستحيل...
سلمى بصت
مين؟
نوال مسكت إيدها بقوة.
ماتفتحيش.
الجرس رن تاني.
وصوت رجل جه من ورا الباب
مدام نوال... إحنا مش جايين نأذي حد.
نوال قربت من سلمى وهمست
دول مش رجالة ياسين.
سلمى بصت لها برعب.
أمال مين؟
ما لحقتش تسمع الإجابة.
لأن صوت خبط عنيف هز الباب كله.
نوال سحبت سلمى ناحية المطبخ.
بسرعة!
ماما