حماتي رمت الزيت
أول ما حماتي رمت حلة الزيت المغلي على ضهري، قربت مني وهي بتبتسم ابتسامة ساقعة، وهمستلي
يمكن المرة الجاية العشا يبقى جاهز قبل ما ابني يرجع البيت.
وقعت على أرض المطبخ وأنا بصرخ من الوجع...
بس جوزي؟
عدّى من فوقي بكل برود، ومسح الزيت اللي جه على جزمته الجلد الغالية، وكأنه اللي حصل ده ولا حاجة!
وبعدها بدأ يجهز لأكبر كذبة في حياته...
ولا واحد فيهم كان يعرف إن الست اللي هما فاكرين إنهم كسروا ظهرها خلاص...
كانت قضت سنين وهي بتوقع المجرمين في المحاكم!
وإنّي كنت بالفعل مجهزة كل حاجة...
عشان أدفنهم هما الاتنين، بس مش بالطريقة اللي هما متخيلينها.
لما فتحت عيني، أول حاجة شوفتها كانت اللون الأبيض...
ستاير بيضا.
نور أبيض.
وشاش أبيض ملفوف حوالين جلدي المحروق.
كل نفس كنت باخده كان بيخلّي الوجع ينتشر في جسمي كله...
بس ذكرياتي رجعت أسرع من الألم.
لأ...
دي مكنتش حادثة.
حماتي، عزيزة، كانت باصة في عيني قبل ما ترفع الحلة.
مفيش خوف.
مفيش تردد.
كان فيه كره وبس.
قالتلي بعصبية
إنتِ بتكسفي العيلة دي! الست المحترمة عمرها ما تخلي جوزها يستنى الأكل!
وبعدها...
الزيت نزل عليا بكل قوته.
ومن ورا ستارة سريري في المستشفى، سمعت صوت جوزي محمود...
هادي.
واثق.
ومتعود يكذب بمنتهى السهولة.
نفس الصوت اللي كان بيضحك بيه على العملاء والجيران، وحتى أقرب الناس ليا.
سمعته بيقول
مراتي طول عمرها مهملة شوية... الحلة وقعت منها على نفسها.
الدكتورة سكتت
يعني حضرتك بتقول إن الحروق اللي في ضهرها وكتافها حصلت بالصدفة؟ وإنها وقعت الحلة على نفسها؟
محمود ضحك ضحكة صغيرة وقال
أكيد... هي اتلخبطت وهي بتقع. مراتي بتتوتر بسرعة أوي.
وفي اللحظة دي سمعت حماتي بتشهق، وبدأت تعمل نفسها بتعيط
إحنا كنا بنقول لها متطبخش وهي تعبانة... بس هي مسكينة مبتسمعش الكلام.
لو مكنتش من شدة الوجع، كنت ضحكت.
تلات سنين...
تلات سنين وهما فاكرين إن سكوتي ضعف.
محمود عزلني عن كل الناس اللي بحبهم واحدة واحدة.
هو اللي كان بيتحكم في كل جنيه في البيت.
هو اللي كان بيرد على تليفوناتي أو يمنعها.
وكل ما كنت أعترض على حاجة، كان يروح يقول للناس بمنتهى البرود
مراتي عندها مشاكل نفسية شوية... وانفعالاتها مش مستقرة.
أما عزيزة؟
دخلت تعيش معانا بحجة إنها هتقعد كام أسبوع بس.
الكام أسبوع دول اتحولوا لسنين من الإهانة والانتقاد والتحكم.
كانت بتتحكم في أكلي...
في لبسي...
في كل حاجة بعملها...
حتى الوقت اللي بدخله الحمام!
وكل كلمة جارحة كانت بتختمها بنفس الجملة
إنتِ حساسة زيادة عن اللزوم.
بس هما الاتنين نسوا حاجة مهمة جدًا...
قبل ما أتجوز محمود، كنت قضيت حوالي عشر سنين كمحامية متخصصة في قضايا النصب والاحتيال.
وكنت من المحاميات اللي ناس كتير كانت بتخاف تقف قدامهم في المحكمة.
كنت بقدر أبني قضية كاملة من الصفر...
وأوقع ناس كانوا فاكرين نفسهم أذكى من الكل.
واضح إن محمود نسي ده...
أو يمكن الحقيقة
إنه عمره ما عرفني أصلًا.
الثروة اللي كان فاكر إنه قدر يسحبها مني ويتحكم فيها...
عمرها ما كانت ملكه.
أبويا الله يرحمه كان مأمّن كل حاجة من خلال صندوق ائتماني غير قابل للإلغاء.
وأنا الوحيدة اللي ليا السيطرة عليه.
وقبل الحادثة بست شهور...
محمود كان واقف مبسوط جدًا، بيتفرج عليا وأنا بمضي أوراق نقل الملكية.
بس اللي هو مكنش يعرفه...
إني كنت اكتشفت إن فيه صفحات ناقصة قبل ما أمضي.
فبدون ما يحس، بدّلت النسخ اللي قدامه بنسخ متعدلة...
وخليت الأوراق الأصلية محفوظة في خزنة أمانات في البنك.
والأهم؟
إن مع الأوراق الأصلية كان فيه حاجات تانية...
سجلات مالية مخفية.
تسجيلات مكالمات ومحادثات.
صور لتحويلات سرية.
وتعليمات كاملة كانت هتتبعت تلقائيًا لو حصل لي دخول للمستشفى في ظروف مريبة.
وأنا نايمة تحت البطانية...
مكنتش بفكر في الانتقام.
كنت بفكر في حاجة واحدة بس...
التوقيت الصح.
لأن الألم بيروح...
لكن الدليل؟
الدليل عمره ما بيروح.
وفجأة سمعت صوت خطوات مألوفة بتقرب من سريري.
الدكتورة لينا.
صاحبتي من أيام الجامعة.
الإنسانة الوحيدة اللي محمود مكنش يعرف إني لسه بثق فيها.
حطت إيدها على رسغي بهدوء للحظة...
وكانت دي الإشارة اللي اتفقنا عليها من سنين.
إشارة معناها
أنا هنا... ومتقلقيش.
وبعدين لفتت ناحية محمود.
وبصوت هادي جدًا...
قالت جملة خلت الجو كله يتجمد
قبل ما رجال المباحث يوصلوا... تحب تشرح لنا ليه كاميرا المطبخ اللي
الصمت اللي نزل على الأوضة...
كان أعلى من أي صرخة.
وش محمود اصفر فجأة.
وعزيزة رجعت لورا، وبقت تفتح وتقفل بوقها من غير ما تعرف تنطق.
وفجأة...
اتسمعت خَبطة على باب أوضة المستشفى.
مين اللي دخل؟
وإيه اللي كان في تسجيل الكاميرا؟
والأهم...
هل محمود وعزيزة كانوا فاكرين فعلًا إنهم خلصوا منها؟
ولا دي كانت بس بداية نهايتهم؟!
الفصل الأول التسجيل اللي قلب كل حاجة
الخَبطة على باب أوضة المستشفى خلت محمود يسكت فجأة.
عزيزة بصت ناحية الباب، وبعدها بصت لمحمود، وكأن كل واحد فيهم مستني التاني يتصرف.
الباب اتفتح...
ودخل راجل في الأربعينات، لابس بدلة بسيطة، ومعاه ست من النيابة، ووراهم اتنين من رجال المباحث.
الراجل وقف عند الباب وقال
مساء الخير. أنا النقيب سامح، ومعايا وكيلة النيابة الأستاذة نجلاء.
محمود بلع ريقه.
وبسرعة حاول يلبس وش البراءة.
خير يا حضرة الضابط؟ إحنا في المستشفى.
وكيلة النيابة بصت له ببرود.
عارفين.
وبعدين بصت للدكتورة لينا.
حضرتك الدكتورة اللي بلغتينا؟
لينا هزت راسها.
أيوه.
محمود اتحرك ناحية السرير.
بلغتوكم بإيه؟
لينا بصت له.
بإن فيه شبهة اعتداء متعمد على مريضة.
محمود انفجر ضاحك.
اعتداء؟! مين قال الكلام ده؟ دي مراتي وقعت الحلة على نفسها!
أنا كنت ساكتة.
عيني مقفولة.
جسمي كله موجوع.
لكن عقلي كان صاحي.
سامع كل كلمة.
وكيل النيابة قربت من السرير وقالت بهدوء
الأستاذة
فتحت عيني بصعوبة.
أيوه.
محمود قرب بسرعة.
حبيبتي، متتعبيش نفسك.
بصيت له.
أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينه.
وقلت