جبت سجاده لحماتي منى السيد
من كتر الغيظ، وسأل أمه بصوت مكتوم ليه كده يا أمي؟ ليه تحطينا في الموقف ده وتكسفي البنت قدامنا وقدام أهلها اللي شافوا الصور على الجروب؟ إحنا مكناش ناقصين سجاجيد ولا كنا ميتين على حاجة عشان تجيبيها لنا بالطريقة دي وتعمليلنا شوشرة قبل الفرح بأيام!.
حماتي لما لقت الحصار اشتد عليها من جوزها وابنها، بدأت تعلي في صوتها وتلف وتدور، وراحت ضربت على صدرها وقالت إيه يا محمد، بقيت إنت كمان تقف ضدي عشان شقفة سجادة؟ هو أنا غريبة ولا سرقتها منكم؟ أنا أمك يا ولد، وده بيتي، والهدية لما بتدخل عتبتي بتبقى ملك يميني، أوديها يمين أوديها شمال مفيش حد يحاسبني! لو كنت أعرف إن هدية ندى وراها ذل وحساب بالشكل ده مكنتش قبلتها من الأول، دا إنتوا بتطلعوا اللقمة من زوري وعايزين تنكدوا عليا وعلى فرحة الواد بأي طريقة!.
حمايا وقف مكانه، وصوته الجهوري ملا الصالة كلها وقال بحزم قاطع اسكتي بقى وبطلي تقليب في الحقائق! مفيش حد بيذلك ولا حد حاسبك على لقمة، إنتي اللي لسانك ده وده بيودي في داهية.. بقى لك شهور تكدبي على ندى وتقولي لها مخزناها وعيال أخويا بيبهدلوها، وإنتي شايلاها ومستخسراها فيها وفي ابنك، وعايزة تتمنظري بيها قدام الناس على حساب تعب غيرك؟ ده لا دين ولا أصول يا أم محمد، واللي بيحب ابنه ميوقعش بين حريمه بالطريقة الملوية دي!.
طارق كان واقف جنبي، ضاغط على كف إيدي بعصبية، وشه كان بيجيب ألوان، مش عارف يدافع عن أمه لأن الموقف مفضوح والأدلة مفيهاش كلام، وفي نفس الوقت مش قادر يقف في وشها عشان برّه بيها وعشان ميكسرش كلمتها قدام الكل. بص لي بصوت واطي جداً وقال امشي يا ندى.. اطلعي معايا فوق الشقة دلوقتي، خلينا نسيبهم يهدوا، القعدة بقت خنقة والكل بيخبط في بعضه.
بصيت لطارق بثبات، وسحبت إيدي من إيده بهدوء شديد، ووجهت كلامي
سمر هزت راسها بنفي وقالت بصوت مخنوق وهي بتمسح دموعها والله العظيم يا ندى السجادة دي ما هتبات في شقتي ليلة واحدة.. أنا لا شحاتة ولا بيتي هيبان حلو على حساب زعل حد، أنا نازلة بكرة هشتري غيرها من فلوسي، وحقك عليا إنتي يا أختي أنا مكنتش أعرف الحكاية دي كلها، وماما قالتلي دي حاجة راكناها ملهاش عازة.
حماتي قعدت على الكنب وبصت لي بغل وكتمت في نفسها، ومردتش بحرف، بس نظراتها كانت بتقول إنها عمرها ما هتنسى لي الموقف ده ولا هتعديه. حمايا أخد نفس طويل وقال لسمر حقك عليا أنا يا بنتي، إنتي متزعليش، ويومك ومناسبتك مش هتبوظ، بس الحق لازم يتقال.
أنا مكملتش دقيقة في الصالة بعد الجملتين دول. لفيت ضهري وخرجت من باب الشقة، ونزلت على السلم بهدوء، وطارق نزل ورايا يجري، بيحاول يلحقني. أول ما وصلنا شقتنا وقفلنا الباب، طارق اتنفس بصوت عالي وقال بنرفزة ارتحتي كده؟ عجبك اللي حصل تحت ده؟ بقيتي مبسوطة وأمي قاعدة تتهزأ قدام حمايا وقدام مرات أخويا اللي لسه مدخلتش العيلة؟ كان لازم الفضيحة دي كلها؟ كان ممكن تاخديها على جنب وتعاتبيها بينك وبينها!.
بصيت له وابتسمت بسخرية ووجع أعاتبها على جنب؟ وإنت فاكر لو كنت عاتبتها بيني وبينها
طارق سكت، مقدرش يرد، دخل أوضته وقفل الباب على نفسه، وفضلنا بقية اليوم ده مفيش بينا كلام. البيت كان فيه حالة صمت تقيلة، من النوع اللي بيكتم الأنفاس، بس الصراحة كنت حاسة براحة غريبة في صدري.. الحمل اللي كان كاتم على نفسي انزاح، حتى لو التمن كان شوية زعل وتوتر، على الأقل مفيش حد هيستغفلني تاني.
تاني يوم الصبح، سمر نفذت كلامها بالحرف، بعتت السجادة مع البواب ورجعتها لشقة حماتي، ونزلت هي وأختها واشتروا سجادة تانية خالص لشقتها. الحركة دي زادت الطين بلة عند حماتي، واعتبرتها إهانة تانية ليها، وبقت شايلة مني أكتر لأنها شافت إني السبب في كسر كلمتها قدام العروسة الجديدة وسلفي الصغير.
الفرح اتعمل بعد أسبوعين في ميعاده، الدنيا مكنتش متبهدلة للدرجة اللي تخرب الفرح، بس الأجواء كانت باردة جداً. حماتي كانت قاعدة في الفرح لابسة وش مجاملة باهت، تسلّم على الناس بالعافية، وعينها لما كانت بتيجي في عيني كانت بتلف وشها الناحية التانية كأني هوا. سمر كانت لطيفة معايا جداً، وبقت تعاملني بود واحترام زيادة عن الأول، كأنها عايزة تعوضني عن الإحراج اللي حست بيه، ومحمد أخو جوزي جه سلم عليا يوم الفرح وقالي حقك على راسي يا ندى، متزعليش من اللي حصل، إنتي أختنا الكبيرة وعزيزة علينا.
طارق مع الوقت هدي، ولما شاف تصرف سمر وأخوه وكلام حمايا، استوعب مع نفسه إن أمه
نزلت معاه، ودخلت شقة حماتي. الصالون كان متغير، السجادة الكحلي مكنتش مفروشة فيه، حمايا كان قاعد وسلم عليا بترحاب وأحسن من الأول بكتير، أما حماتي فسلمت عليا بأطراف صوابعها ومن غير ما تبص في عيني، وقالت كلمة واحدة أهلاً.
قعدت، وقضينا ساعة بالعافية، كلام رسمي جداً، مفيهوش الدفا القديم ولا الهزار ولا الكلام اللي كان بيتقال في الرايحة والجاية. حسيت إن في جدار تلج اتبنى بيني وبينها، جدار عمره ما هيتهد تاني. مكنش في خناق، ومكنش في عياط، بس كانت العلاقات خلاص اتحولت لشكلها الواقعي مرات ابن وحماة، رسميات وواجبات وبس، من غير عشم ومن غير ما حد يقرب بقلبه من التاني.
وأنا قاعدة لمحت السجادة الكحلي محطوطة على جنب في مدخل الطرقة، ملفوفة في كيسها ومربوطة بحبلها زي ما كانت، مركونة جمب الكراكيب كأنها ذنب مش عارفين يودوه فين، لا هي طايقة تفرشها عشان متفكرهاش بالموقف المحرج، ولا هي قادرة تتصرف
فيها عشان خايفة من حمايا ومحمد.
بصيت للسجادة المرمية دي وابتسمت لنفسي بهدوء. فهمت وقتها درس مهم قوي هيعيش معايا العمر كله العطاء اللي من غير حدود للشخص الغلط مبيجبش تقدير، بيجيب استباحة واستخفاف. ومن يومها اتعلمت إني أعمل الواجب بما يرضي الله، أسأل بالمعروف، وأحضر المناسبات بالأصول، بس قلبي وعشمي وفلوسي لبيتي ولجوزي وبس.
الدنيا مرجعتش زي الأول، ولا حماتي بقت تحبني ولا أنا بقيت أصفى لها من جوايا، بس على الأقل كل واحد عرف حجمه وحدوده فين، ورجع كل حد في مكانه الطبيعي، والمظاهر الكدابة اللي كانت بتتقال في الوش بحرارة ومن ورا الضهر استهوان.. خلاص خلصت وراحت
النهاية