ابن جاري الغني

لمحة نيوز


منه
لأنك كنتِ عارفة إن فيه خائن بينكم.
البيت كله سكت.
مين؟
الرجل بص لسامح.
ثم لفارس.
ثم لجلال.
وأخيرًا بص لي.
الخائن ماكانش واحد منهم.
اقترب خطوة.
الخائن كان الشخص اللي كنتِ بتثقي فيه أكتر من أي حد.
فجأة...
نوح نزل من على السلم.
كان ماسك ورقة قديمة.
قال بصوت مرتجف
ماما... لقيت دي في أوضة جلال.
أخذتها منه.
فتحتها.
كانت قائمة بأسماء المشاركين في عملية الصقر.
كل الأسماء مشطوبة بالقلم الأحمر...
إلا اسم واحد.
اسم واحد فقط كان بجانبه
مسؤول عن نقل الطفل رقم 18.
وتحته توقيع...
ليلى حسن.
رفعت رأسي.
أنا نقلت الطفل بنفسي؟
الرجل قال
لأ.
سكت لحظة.
ثم ابتسم.
إنتِ كتبتي اسمك على الورقة علشان تحمي الشخص اللي نقل الطفل الحقيقي.
وفجأة...
سمعت صوت ارتطام قوي من الدور العلوي.
جريت ناحية السلم.
لكن قبل ما أوصل، سمعت صوت نوح يصرخ
ماماااا!
دخلت الغرفة...
والنافذة كانت مفتوحة.
نوح كان واقف لوحده.
والورقة اختفت من إيده.
وعلى الحائط، مكتوب بخط أسود
الطفل رقم 18 لم يختفِ... هو كان عايش قدامك طول السنين ماحدش اتحرك.
صوت أمي جه تاني من ورا الباب
ليلى... افتحي يا بنتي.
قلبي دق بعنف.
أمي ماتت من سبع سنين.
أنا حضرت دفنتها بنفسي.
سامح قرب مني وهمس
مستحيل تكون هي.
هزيت راسي وأنا مش قادرة أبعد عيني عن الباب.
أنا عارفة.
جلال رجع خطوتين للخلف.
أما فارس، فكان الوحيد اللي ما بانش عليه الذهول.
بص لي وقال
ماتفتحيش.
صرخت فيه
إنت عارف مين برا؟
عارف الصوت.
صوت أمي!
عشان كده بالذات ماتفتحيش.
وفجأة...
الصوت اتغير.
بقى أهدى.
وأبرد.
ليلى... أنا عارفة إنك افتكرتي العشر دقايق الأخيرة.
سكتُّ.
الرجل اللي برا كان عارف.
سامح حط إيده على سلاحه.
محدش يفتح الباب.
ثم سمعنا صوت مفتاح بيدخل في القفل.
جلال شهق
إزاي عنده المفتاح؟!
الباب بدأ يتفتح ببطء.
لكن قبل ما يفتح بالكامل، فارس اندفع ناحيته وقفل المزلاج.
ومن الناحية التانية...
ضحكة قصيرة وصلت لنا.
ثم جاء الصوت
فارس... لسه بتخاف عليها؟
فارس تجمد.
أنا بصيت له.
هو يعرفك؟
ما ردش.
الصوت أكمل
اسألي فارس مين اللي سلّم الطفل رقم 18.
وشعرت ببرودة تسري في جسمي.
فارس قال بصوت منخفض
ماتسمعيش كلامه.
ليه؟
لأنه هيقول لك الحقيقة... بس مش كلها.
وفجأة انطفأت الكهرباء.
غرق البيت في الظلام.
سمعت نوح بيصرخ
ماما!
جريت ناحية صوته.
لكن إيدي لمست الفراغ.
نوح اختفى.
وفي نفس اللحظة، اشتغل ضوء صغير في آخر الممر.
ظهر تحته ظرف أبيض على الأرض.
وعليه اسمي.
إلى ليلى حسن... من ابنك الحقيقي.
مددت إيدي للظرف.
لكن قبل ما ألمسه...
سمعت صوت نوح من فوق السلم
ماما... ماتصدقيش الصورة!
رفعت رأسي بسرعة.
كان نوح واقف هناك.
حي.
سليم.
وبجانبه...
الرجل اللي كان في الصورة القديمة.
نظر لي وقال
أخيرًا افتكرتيني يا ليلى.
ثم قال جملة واحدة جعلت فارس ينهار على الأرض
أنا الرجل اللي سلّمتيه ابنك في الليلة دي.
وفارس همس
لا...
الرجل ابتسم.
والأهم.

..
بص لي مباشرة.
أنا ما رجعتش الطفل ليك رجعت خطوة لورا.
قريت الجملة تاني
الطفل رقم 18 لم يختفِ... هو كان عايش قدامك طول السنين.
بصيت لنوح.
كان واقف قدامي، ووشه مليان خوف.
نوح... إنت فاكر أي حاجة من زمان؟
هز رأسه.
فاكر إنك كنتي بتيجي لي وأنا صغير.
فين؟
سكت.
ثم حط إيده على رأسه.
مكان أبيض... وكان فيه راجل بيقول لي ماتقولش اسمك الحقيقي.
قلبي اتقبض.
فارس اقترب.
اسأليه عن العلامة.
نوح رفع عينيه له.
أي علامة؟
فارس قال
العلامة اللي كانت على إيده.
نوح بص لإيده اليسرى.
وببطء رفع كم قميصه.
كان فيه أثر صغير قديم على معصمه...
ثلاث خطوط متقاطعة داخل دائرة.
نفس الرمز الموجود على قطعة المعدن.
سامح اتراجع خطوة.
مستحيل.
جلال بص لنوح، ووشه اتغير.
أنا شفت العلامة دي قبل كده.
التفتنا له جميعًا.
فين؟
جلال ابتلع ريقه.
على الطفل اللي أخدته من موقع الصقر.
مروان صرخ
إنت قلت إن الطفل ده مش أنا!
مش إنت.
سكت جلال لحظة.
ثم بص لنوح.
كان هو.
الهواء اتقطع من الغرفة.
نوح قال
يعني أنا الطفل رقم 18؟
فارس لم يرد.
لكن الرجل الغريب ضحك من عند الباب.
لأ.
كلنا بصينا له.
قال
نوح كان الطفل رقم 17.
ثم أخرج صورة أخرى.
ووضعها على الطاولة.
صورة لطفل رضيع ملفوف ببطانية عسكرية.
وعلى البطانية رقم
18
تحت الصورة تاريخ حديث نسبيًا.
مش تاريخ عملية الصقر.
بل بعد العملية ب ثلاث سنوات.
صرخت
دي صورة اتاخدت بعد العملية!
الرجل هز رأسه.
بالضبط.
سامح اقترب من الصورة.
مين الطفل؟
الرجل بص لي.
السؤال الحقيقي مش مين الطفل.
ثم أشار إلى ظهر الصورة.
السؤال هو...
قلبتها.
وكان هناك توقيع.
توقيع أعرفه.
توقيعي أنا.
لكن تحته اسم لم أره في حياتي.
ليلى حسن أم الطفل رقم 18.
شعرت إن الأرض بتتحرك تحتي.
فارس أمسك كتفي.
ليلى...
أبعدت إيده.
ماتلمسنيش.
ثم بصيت للرجل.
إنت عايز مني إيه؟
ابتسامته اختفت.
وقال بهدوء
عايزك تفتكري آخر دقيقة من حياتك قبل ما فقدتي ذاكرتك في عملية الصقر.
ليه؟
لأنك في الدقيقة دي...
توقف.
أعطيتي الطفل رقم 18 لشخص من عائلتك.
اتجمدت.
عيلتي؟
هز رأسه.
أيوه.
ثم نظر إلى نوح.
والشخص ده هو السبب إنك فضلتي فاكرة إنك ربيتي ابنك لمدة خمسة عشر سنة...
وسكت لحظة.
بينما ابنك الحقيقي كان قريب منك طول الوقت.
في اللحظة نفسها، رن هاتف سامح.
بص للشاشة.
وشه اتبدل.
ليلى...
إيه؟
مد لي الهاتف.
كانت رسالة واحدة
لو عايزة تعرفي الطفل رقم 18 فين... روحي البيت الأزرق.
بصيت له.
بيتي؟
سامح هز رأسه.
الرسالة جاية من رقم...
سكت.
رقمك إنتِ.
ثم وصلت رسالة ثانية في نفس اللحظة
ومتروحيش لوحدك... لأن الشخص اللي خبّى الحقيقة عايش جوه البيت بصيت لسامح.
يعني إيه الشخص اللي خبّى الحقيقة عايش في بيتي؟
سامح ما ردش.
فارس قال بسرعة
لازم نروح البيت حالًا.
جلال اعترض
ده ممكن يكون فخ.
مروان وقف قدام نوح.
وأنا جاي معاكم.
بصيت له.
لأ. إنت ونوح تفضلوا هنا.
مروان هز رأسه.
بعد كل اللي عرفته عن
حياتي؟ مستحيل أفضل مستني.
نوح مسك إيدي.
وأنا كمان هاجي.
نظرت له للحظات.
كان في حاجة غريبة في عينيه.
حاجة خلتني لأول مرة أشك في كل ذكرياتي معاه.
وصلنا البيت.
الباب كان مقفول زي ما سبناه.
دخلت وأنا ماسكة الكشاف.
كل حاجة كانت في مكانها.
الصالون.
المطبخ.
غرفة نوح.
ولا أثر لأي حد.
سامح قال
الرسالة قالت إن الشخص موجود هنا.
مشيت ناحية غرفتي.
وقفت قدام المرآة.
وفجأة لاحظت حاجة.
المرآة كانت متحركة من مكانها.
لمستها.
اتحركت بسهولة.
كان وراها تجويف صغير في الحائط.
جواه صندوق معدني قديم.
فتحته.
لقيت عشرات الصور.
صور لي.
صور لنوح.
صور لمروان.
وصورة واحدة...
خلتني أنسى أتنفس.
كانت صورة لثلاثة أطفال.
رضيع.
طفل صغير.
وطفل ثالث أكبر منهم بشوية.
وتحتهم أرقام
17
18
19
فارس قرب مني.
ليلى...
قلت
كان فيه ثلاثة.
رد بصوت منخفض
أيوه.
طول السنين دي كانوا بيقولوا لي طفلين.
لأن الطفل الثالث ماكانش المفروض حد يعرف عنه.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب خلفها
الطفل 18 هو الوحيد الذي يعرف الحقيقة.
وفجأة سمعنا صوت باب البيت بيتقفل.
سامح جرى ناحية المدخل.
حد خرج!
خرجنا وراه.
لكن مافيش حد.
رجعت للصندوق.
وكانت هناك ورقة جديدة لم تكن موجودة قبل ثوانٍ.
رفعتها.
فيها سطر واحد
لو عايزة تعرفي مين الطفل رقم 18، اسألي نوح مين كان بيناديه باسمه الحقيقي؟
بصيت ناحية نوح.
كان واقف في آخر الممر.
وشه اتغير.
قلت له بهدوء
نوح... مين كان بيناديك باسمك الحقيقي؟
فضل ساكت.
ثم بدأ يبكي.
وقال
إنتِ.
قلبي وقع.
أنا؟
هز رأسه.
بس مش إنتِ اللي فاكرة نفسك.
ثم رفع إيده وأشار للمرآة.
كانت فيه ست شبهك تمامًا...
وسكت لحظة.
وكانت بتقول لي كل يوم أنا أمك.
وفجأة...
سمعت صوت مفتاح بيدخل في باب البيت.
وصوت امرأة من الخارج يقول
ليلى... افتحي.
كان صوتي أنا الباب بدأ يتفتح ببطء.
سامح رفع سلاحه.
فارس وقف أمام نوح مباشرة.
أما أنا...
فكنت مشلولة مكاني.
لأن الصوت اللي برا كان صوتي بالحرف.
نفس النبرة.
نفس طريقة نطق اسمي.
ثم دخلت المرأة.
وللحظة...
ماقدرتش أصرخ.
كانت تشبهني.
مش شبه عادي.
كانت نسخة مني.
نفس ملامح الوجه.
نفس لون العينين.
حتى الندبة الصغيرة فوق حاجبي كانت موجودة.
لكن شعرها كان أقصر، وكانت لابسة معطف أسود.
نوح أول ما شافها...
رجع للخلف.
وهمس
دي هي...
قلت
هي مين؟
نوح أشار لها.
الست اللي كنت بحكيلك عنها.
المرأة بصت لي.
وقالت
أخيرًا قابلتيني يا ليلى.
سامح صرخ
إنتِ مين؟
ردت بهدوء
السؤال ده المفروض يتسأل لها هي.
وأشارت لي.
ثم قالت
قولي لهم يا ليلى... مين كنتِ قبل ما تدخلي عملية الصقر؟
قلت
عقيد في القوات الخاصة.
ابتسمت.
دي رتبتك.
ثم اقتربت مني.
أنا بسألك مين كنتِ قبل الرتبة؟
سكت.
وضعت يدها على الطاولة.
كنتِ متطوعة في برنامج سري لتدريب أشخاص على استبدال الهويات.
فارس قال
كفاية!
المرأة بصت له.
إنت عارف.
ثم التفتت لي.
وعارفة ليه وشّي شبه وشك؟
بدأت أفتكر.
غرفة بيضاء.
أجهزة.

ملفات.
وصوت دكتور يقول
النسخة الثانية جاهزة.
تراجعت وأنا بحط إيدي على رأسي.
لا...
المرأة قالت
أنا مش أختك.
ثم ابتسمت.
أنا كنت البديلة بتاعتك.
الكل سكت.
وأكملت
وفي الليلة الأخيرة من عملية الصقر، حصلت حاجة محدش قالهالك.
إيه؟
نظرت إلى نوح.
الطفل رقم 18 ماكانش واحد من الأطفال اللي أنقذتيهم.
ثم قالت
الطفل رقم 18 كان الهدف الحقيقي للعملية كلها.
فارس شد على قبضته.
ماتكمليش.
لكنها تجاهلته.
والطفل ده...
أشارت إلى نوح.
ثم إلى مروان.
ثم رجعت تبص لي.
مش أي واحد فيهم.
وفي اللحظة نفسها...
وصل إشعار على هاتفها.
نظرت للشاشة.
ثم تغير لون وجهها.
قلت
إيه اللي حصل؟
رفعت الهاتف أمامي.
كانت صورة جديدة.
لطفل عمره حوالي خمس سنين.
واقف أمام باب بيتي القديم.
وتحت الصورة مكتوب
الطفل رقم 18 يعرف الآن من هي أمه.
ثم
رسالة ثانية
خمس دقائق... وبعدها هتعرف ليلى الحقيقة بنفسها.
المرأة رفعت عينيها لي.
وقالت
الوقت بدأ.
وفي الخارج...
سمعنا صوت سيارة تقترب بسرعة.
ثم توقفت أمام البيت.
وخرج منها شخص واحد.
ولما شفته من الشباك...
عرفته فورًا.
كان أبي خرج أبي من السيارة ببطء.
لما شوفته، رجعت لي آخر قطعة ناقصة من الذاكرة.
قلت بصوت مبحوح
إنت...
أبي وقف قدامي، وعينيه مليانة ندم.
أيوه يا ليلى.
فارس صرخ
قول لها الحقيقة!
أبي بص لي، ثم قال
الطفل رقم 18... كان ابنك فعلًا.
سكت الجميع.
لكن يوم عملية الصقر، عرفنا إن الخائن وصل للملفات. كان عارف إن ابنك هو نقطة الضغط الوحيدة عليك.
أخرج أبي صورة قديمة.
فعملنا خطة.
بصيت للصورة.
كان فيها أنا، والمرأة اللي تشبهني، وثلاثة أطفال.
أبي قال
المرأة دي كانت بديلتك. لبست ملابسك، وخرجت قدام الخائن وهي شايلة طفلًا مزيفًا. وإنتِ خرجتي من مكان تاني ومعاك ابنك الحقيقي.
نظرت للمرأة.
دموعها نزلت.
لكن حصل انفجار... وإنتِ فقدتي الذاكرة.
فارس أكمل
وأنا أخطأت. ظننت إن الطفل اللي أخذه جلال هو ابنك.
جلال خفض رأسه.
وأنا ربّيته باسم مروان عشان أحميه.
مروان بص لجلال طويلًا.
ثم قال
يعني أنا مش ابنك؟
جلال اقترب منه.
مش بالدم... لكن عمري ما اعتبرتك غير ابني.
مروان مسح دموعه، لأول مرة من غير غضب.
أما أنا، فكنت واقفة أمام نوح.
الرجل الغريب قال
الطفل رقم 18 كان في مكان قريب منك طوال الوقت.
نظرت إلى نوح.
ثم قال
وإنتِ لما أنقذتيه، أعطيتيه اسمًا جديدًا.
شهقت.
بدأت أتذكر.
ليلة المستشفى.
طفل رضيع.
ورقة في إيدي.
اسم كتبته بنفسي
نوح.
ضممت نوح إلى صدري.
ابني...
نوح بكى وهو متعلق بي.
كنت عارف إنك أمي.
الرجل قال
كان لازم يفضل بعيد عن الحقيقة لحد ما الخطر ينتهي.
سألته
وإنت ليه ظهرت دلوقتي؟
ابتسم.
لأن الخطر انتهى.
وفي اليوم التالي، بدأت التحقيقات الرسمية.
انكشفت شبكة التلاعب بالملفات، واتثبتت براءة جلال من أغلب التهم، واتعرفت الحقيقة كاملة عن عملية الصقر.
أما مروان، فاختار يبدأ حياته من جديد بعيدًا عن اسم عائلته وثروة أبيه.
نوح
رجع معايا للبيت الأزرق.
ولأول مرة منذ خمسة عشر سنة، ماعدتش مضطرة أخبي عنه الحقيقة.
بعد شهور، وقفت قدام المرآة.
بصيت لوشي.
للمرة الأولى ما شفتش العقيد.
ولا المرأة اللي عاشت سنين وسط الأسرار.
شفت أم.
أم فقدت ابنها في الأوراق...
ثم اكتشفته وهو بيكبر قدام عينيها.
وفي درج مكتبي، احتفظت بصورة عملية الصقر.
لكنني كتبت خلفها جملة واحدة
أحيانًا، أخطر الأسرار مش هي اللي الناس بتخبيها عنك... أخطرها هي اللي بتخبيها عن نفسك علشان تقدر تعيش.
ثم أغلقت الدرج.
وأغلقت معه ملف عملية الصقر...
إلى الأبد.

 

تم نسخ الرابط