ابن جاري الغني

لمحة نيوز


رفع صوته على أبوه.
لكن جلال ما بصش له.
كان مركز معايا.
ثم قال
ليلى، خدي ابنك وادخلي بيتك.
ابتسمت بهدوء.
بعد ما جيت أنت وابنك لحد عندي؟
سامح قرب خطوتين.
وفي إيده الملف الأسود.
ليلى، لازم نتكلم.
هنا؟
مش قدام الناس.
بصيت حواليّ.
كل المنطقة كانت سامعة.
فقلت
خلاص. نتكلم هنا.
جلال اتوتر.
لأ.
رفعت حاجبي.
ليه؟
ما ردش.
سامح فتح الملف.
خرج منه صورة قديمة.
وحطها قدامي.
أول ما شفت الصورة...
حسيت إني رجعت عشرين سنة لورا.
كنت أصغر.
لابسة الزي العسكري.
واقفة وسط مجموعة من الضباط.
لكن المشكلة ما كانتش في صورتي.
المشكلة كانت في الشخص الواقف جنبي.
مروان قرب عشان يشوف.
وبمجرد ما عينه وقعت على الصورة، وشه اتغير.
ده...
سكت.
بص لأبوه.
بابا... إيه علاقتك بالصورة دي؟
جلال خطف الصورة من إيد سامح.
لكن سامح مسكه من معصمه.
متلمسش الملف.
لأول مرة، الناس شافت جلال مرعوب.
مش غاضب.
مرعوب.
أنا بصيت للصورة مرة تانية.
ثم قلت
دي صورة من عملية الصقر.
سامح هز رأسه.
أيوه.
مروان سأل
وإنتي كنتي فيها؟
كنت قائدة الفريق.
سكت الشارع كله.
مروان بصلي من فوق لتحت.
وبعدين ضحك ضحكة عصبية.
مستحيل.
قلت
ليه؟
يعني إنتي... إنتي كنتي في قوات خاصة؟
أكتر من عشرين سنة.
جلال قال بسرعة
الكلام ده مالوش علاقة بالموضوع!
بصيت له.
بالعكس.
وأشرت للملف.
أنا بدأت أحس إن كل حاجة لها علاقة ببعض.
سامح فتح صفحة تانية.
فيه سبب خلاني أرجعلك بعد كل السنين دي.
ناولني ورقة.
قرأتها.
وفي أول سطر كان مكتوب
إعادة فتح ملف عملية الصقر بأمر رسمي.
رفعت عيني.
مين فتح الملف؟
سامح قال
نفس الشخص اللي كان سبب إن العملية تتقفل من سبع سنين.
بصيت لجلال.
هو ما قالش كلمة.
لكن مروان بدأ يفهم إن اللي حصل قدام الناس من شوية...
ماكانش مجرد تحدي سخيف.
قرب مني وقال بصوت منخفض
هو أبويا له علاقة بكل ده؟
قبل ما أجاوبه، سمعنا صوت فرامل عربية قوية.
عربية سوداء وقفت عند بداية الشارع.
نزل منها رجلين.
الاتنين لابسين ملابس مدنية.
لكن طريقة وقوفهم...
وطريقة مسحهم للمكان بعينيهم...
كانت كفاية بالنسبة لي.
مددت إيدي بهدوء، وأخدت الملف من سامح.
وقلت
سامح...
أيوه؟
دول جايين عشاني؟
بص ناحية العربية.
ثم رجع بصلي.
لأ.


سكت لحظة.
جايين عشان مروان.
وفي نفس اللحظة، واحد من الرجلين رفع إيده وأشار ناحية مروان.
مروان تجمد مكانه.
أما أنا...
فخلعت جوانتي الملاكمة ببطء.
لأنني فهمت أخيرًا إن التحدي اللي حصل من دقائق...
كان مجرد بداية لحكاية أخطر بكتير مروان فضل واقف مكانه، وعينيه معلقة بالرجلين اللي نزلوا من العربية.
واحد منهم قال بصوت ثابت
مروان جلال ويتمان؟
مروان بلع ريقه.
أيوه.
لازم تيجي معانا.
جلال اندفع ناحية الرجل.
محدش هياخد ابني من هنا!
الرجل أخرج بطاقة صغيرة، وما إن شافها جلال حتى رجع خطوة للخلف.
أما أنا، فكنت مركزة في حاجة تانية.
في إيد الرجل كان فيه ظرف أبيض.
وعليه ختم أحمر.
نفس الختم اللي شوفته آخر مرة قبل ما أسيب الخدمة.
اقتربت منه.
مين بعتكم؟
بص لي للحظة، ثم قال
الشخص اللي كنتِ فاكرة إنه مات.
اتجمدت.
سامح رفع عينيه لي بسرعة.
ليلى...
لكنني قاطعته
اسمه؟
الرجل سكت.
فقلت بحدة
أنا سألت عن اسمه.
فتح الظرف.
أخرج ورقة واحدة.
ناولها لي.
قرأت أول سطر.
إلى العقيد ليلى حسن... إذا وصلتك الرسالة، يبقى أنا فشلت في إخفاء الحقيقة.
إيدي اتشدت على الورقة.
عرفت الخط.
مستحيل أنساه.
كان خط العقيد فارس.
الرجل الذي قيل لي إنه مات في عملية الصقر.
الرجل الذي دفنّا ذكراه قبل سنوات.
الرجل الذي بسبب موته تركت الخدمة نهائيًا.
رفعت عيني لسامح.
إنت قلت لي إنه مات.
سامح ما ردش.
سامح... إنت قلت لي بنفسك إن مفيش ناجين.
ظل ساكتًا.
فهمت من سكوته إن الحقيقة كانت أسوأ من الكذب.
جلال حاول يتحرك بعيدًا.
لكنني التفت له فجأة.
وإنت؟
توقف.
كنت تعرف؟
وشه اصفر.
أعرف إيه؟
اقتربت منه.
إن فارس عايش.
جلال بص لمروان.
ثم لي.
وقال جملة واحدة
أنا ما كنتش أعرف إنه عايش.
ابتسمت بسخرية.
لكنك كنت تعرف إنه موجود.
لم يجب.
وهنا مروان صرخ
بابا! إنت مخبي عني إيه؟
جلال حاول يمسكه.
لكن مروان أبعد إيده.
سيبني!
ثم نظر إليّ.
ولأول مرة، لم يكن في عينيه غرور ولا تحدٍ.
كان فيه خوف حقيقي.
ليلى... هو أنا ليه اسمي موجود في الملف؟
نظرت للورقة.
ثم للصفحة الأخيرة.
وكان هناك جدول صغير.
أسماء.
تواريخ.
أرقام.
وفي آخر السطر...
مروان جلال ويتمان شاهد محتمل.
رفعت عيني إليه.
لأنك شفت حاجة من غير
ما تعرف قيمتها.
مروان هز رأسه بسرعة.
إيه؟
قبل ما أجاوبه، انطفأت أنوار الشارع كلها.
صرخ بعض الجيران.
وفي الظلام، سمعت صوت باب سيارة بيتفتح.
ثم صوت واحد قال
انبطحوا!
وفي نفس اللحظة...
جاء صوت ارتطام قوي من ناحية بيت جلال.
سامح جذبني بعيدًا.
لكنني لم أتحرك ناحية الأرض.
كنت بصيت للنافذة المظلمة في بيت جلال.
لأنني رأيت ظل شخص واقف خلف الستارة.
شخص كان يراقبنا.
وبمجرد ما أضواء سيارة الرجلين اشتغلت...
اختفى الظل.
قلت لسامح
مش إحنا الهدف.
عارف.
الهدف جوه بيت جلال.
سامح شد على ذراعي.
لأ.
بصيت له.
قال
الهدف مش البيت.
ثم أشار لمروان.
الهدف هو الولد.
وفي اللحظة دي...
مروان بص لي، وقال بصوت مرتعش
ليلى... أنا فاكر حاجة.
اقتربت منه.
إيه؟
قال
وأنا صغير... أبويا كان بيوديني مكان غريب.
سكت.
وكان كل مرة قبل ما ندخل، يقول لي نفس الجملة.
إيه الجملة؟
مروان رفع عيني لي.
لو سألتك عن أمك... قول إنك ما تعرفش.
توقفت أنفاسي.
لأن مروان لم يكن يعرف...
إن الجملة دي تحديدًا كانت موجودة في آخر تقرير سري لعملية الصقر.
وكان اسم الشخص الذي أصدرها...
اسمي أنا جلال ما لحقش يكمل صرخته.
في اللحظة دي اندفع واحد من الرجلين ناحية مروان، لكنني كنت أسرع.
مسكت مروان من كتفه وسحبته ورايا، وقلت
محدش هياخده من هنا.
الرجل وقف مكانه.
العقيد ليلى، ابعدي.
قلت محدش يقرب منه.
سامح ظهر جنبي، ووشه اتغير تمامًا.
ليلى، اسمعيني. لازم نخرج من البيت فورًا.
ليه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت زجاج بيتكسر من الدور الأرضي.
ثم صوت خطوات سريعة.
واحد من الموجودين صاح
دخلوا!
مروان اتشبث بذراعي.
مين دخل؟
ما جاوبتش.
كنت عارفة إننا مش بنتعامل مع شخص واحد.
كان فيه فريق كامل بيتحرك في البيت.
مسكت مروان وقلت
تعالى ورايا.
نزلنا السلم بسرعة، لكن أول ما وصلنا نصه، ظهر رجل عند المدخل.
كان لابس ملابس سوداء ووشه مغطى.
رفع إيده ناحيتنا.
وقبل ما يعمل أي حركة، ظهر سامح من الخلف وأوقفه.
استغليت اللحظة ونزلت.
جلال كان واقف في الصالة، ووشه شاحب.
صرخت فيه
فين الباب الخلفي؟
سكت.
جلال!
أشار ناحية المطبخ.
جرينا.
لكن قبل ما نوصل للباب، سمعت صوت مروان
استني!
التفت.
كان واقف قدام خزانة صغيرة.
فتحها.
وأخرج
صندوقًا معدنيًا قديمًا.
ده كان عند أبويا.
جلال صرخ
سيبه!
مروان فتح الصندوق.
وفي داخله كانت عشرات الصور.
صور لأشخاص.
أماكن.
خرائط.
وتقارير.
لكن وسط كل ده...
كانت فيه صورة واحدة خلتني أنسى كل شيء.
صورة لطفل صغير.
عمره تقريبًا سبع سنين.
ومكتوب تحتها
الطفل رقم 17 تم نقله من موقع الصقر.
مروان قرب الصورة من وجهه.
ثم بص لي.
ليلى...
أيوه؟
ده أنا.
سكتُّ.
قال
أنا فاكر المكان ده.
جلال جلس على الكرسي وكأنه فقد كل قوته.
خلاص...
رفع عينيه لنا.
خلاص يا مروان. لازم تعرف.
اقتربت منه.
تعرف إيه؟
جلال نظر لي مباشرة.
مروان ما اتولدش في البيت ده.
تجمد مروان.
إيه؟
وأنا مش أبوه الحقيقي.
لم يتحرك أحد.
حتى سامح وقف مكانه.
مروان بص لجلال وكأنه لم يفهم الكلمات.
إنت بتقول إيه؟
جلال نزل عينيه.
أنا أخذتك من مكان كان المفروض محدش يعرف عنه حاجة.
صرخت
فين؟
جلال رفع عينيه لي.
من نفس المكان اللي اختفى فيه فارس.
قلبي ضرب بقوة.
فارس كان موجود هناك؟
هز رأسه.
أيوه.
ومين كان معاه؟
جلال لم يرد.
لكن مروان فجأة قال
أنا فاكر واحدة.
التفتنا إليه.
واحدة كانت بتيجي لي كل يوم.
سألته
شكلها إيه؟
أغمض عينيه محاولًا التذكر.
كانت لابسة زي عسكري.
اقتربت منه.
فاكر أي حاجة تانية؟
فتح عينيه.
كانت بتقول لي...
سكت.
كانت بتقول إيه؟
نظر إليّ مباشرة.
ثم قال
متخافش يا نوح.
اتجمدت في مكاني.
نوح.
اسم ابني.
اسم ابني اللي عمره خمس عشرة سنة.
ابني اللي كنت متأكدة إني ولدته بنفسي.
ابني اللي تركته في البيت من ساعات.
صرخت
سامح!
فهم من نظرتي.
إيه؟
قلت
لازم نرجع بيتي حالًا.
مروان سأل
ليه؟
نظرت له.
لأنهم ما كانواش عايزينك أنت بس.
ثم نظرت ناحية الباب الخلفي، حيث كانت أصوات السيارات تقترب.
كانوا عايزين يعرفوا مكان نوح.
وفي نفس اللحظة...
وصلني اتصال من رقم ابني.
فتحت الخط.
لكن بدل ما أسمع صوت نوح...
سمعت صوت رجل غريب يقول
أخيرًا يا عقيد.
ثم ضحك.
دلوقتي بقى عندك اختيار واحد بس.
وسكت لحظة قبل أن يقول
تنقذي ابنك الحقيقي...
أو تنقذي الولد اللي قضيتِ خمسة عشر سنة تربيه فضلت ماسكة التليفون على ودني، وأنا حاسة إن الدم اتسحب من وشي.
فين نوح؟
الرجل ضحك بهدوء.
السؤال الصح مش فين... السؤال
مين نوح؟
لو لمست ابني...
ابنك؟
سكت لحظة، ثم قال
إنتِ متأكدة؟
قفلت عيني.
كنت بحاول أسيطر على نفسي.
أنا عشت سنين طويلة وسط الخطر، واتعلمت إن أول حاجة بيموت بسببها الإنسان هي خوفه.
لكن لما سمعت صوت ابني من بعيد...
ماما!
فتحت عيني فورًا.
ده صوت نوح.
صوت ابني الحقيقي.
صرخت
نوح! إنت فين؟
الرجل رد
قدامك خمس دقايق.
لو حصله حاجة...
مش هيحصله حاجة لو نفذتي التعليمات.
إيه التعليمات؟
 

تم نسخ الرابط