حماتي كانت كل ما اطبخ

لمحة نيوز


إن سيد عثمان كان صديق قديم لجد زياد، وكان شريكه في تجارة كتير، ولما الجد توفى، حصل خلاف كبير على الميراث بين سيد عثمان وبين أبو زياد، وفضل الخلاف مستمر لسنوات طويلة، وحتى بعد ما أبو زياد توفى، سيد عثمان كان لسه يطالب بنصيب كبير من أملاك الجد، وبيقول إن أبو زياد أخذ حقه غصب عنه. وعرفت كمان إن الشقة والمبلغ اللي كان معايا من ميراث أبي، كانوا أصلاً ميراث مشترك بين عائلتي وعائلة زياد من زمن قديم، وإن أبو زياد وأبي كانوا اتفقوا على تقسيمهم بطريقة معينة، بس سيد عثمان كان بيعترض على الاتفاق ده، وبيقول إن كل الحاجات دي تعود ليه هو ولأصحابه.
الصورة بدأت تتضح أكتر، لكن لسه فيه حاجات غامضة. ليه أنا بالذات؟ ليه استخدمتني حماتي في الخطة دي؟ ليه كانت بتقول إن الأكل منها؟ وكيف كل ده مرتبط ببعض؟ قررت أروح لأختي الكبيرة اللي كانت تعرف تفاصيل كتير عن عائلتنا، ولما حكيت لها كل اللي شفته وسمعته، قالت لي بقلق أنتِ لازم تكوني حذرة جداً يا بنتي، دول مش ناس سهلين، وإن كانوا وصلوا لدرجة إنهم يخططوا كده ويخدعوك، فأكيد عندهم استعداد يعملوا أي حاجة عشان يوصلوا للي عايزينه. وما تثقيش في حد، حتى لو كان قريب منك، لحد ما تتأكدي بنفسك. وروحي لمحامي عشان يحميك، واعرفي حقوقك كويس قبل ما يضيعوا كل حاجة منك. كلامها كان صحيح، فاليوم اللي بعده رحت لمحامي عائلي، وحكيت له كل التفاصيل، وقلت له إني خايفة أكون وقعت على أوراق تنازل عن حقوقي من غير ما أعرف. طلب مني المحامي أجيب له كل الأوراق اللي وقعت عليها، وبدأ يفحصها، وطلع فعلاً إن فيها ورق تنازل عن نصيبي في ميراث أبي، وورق تاني بيعترف بأن كل الأملاك اللي في حوزتي تعود لست نعيمة ولزياد، وكل ده بتوقيعي. حسيت بالدنيا سودت في وشي، لكن المحامي قال لي لا تقلقي، فيه أمل نرجع الحق، لأن التوقيع كان تحت خداع وغش، وده بيلغي صحة الأوراق. بس محتاجين أدلة تثبت إنهم خدعوك، وإنك ما كنتش تعرفي محتوى الورق اللي بتوقعي عليه.
في نفس الوقت، لاحظت إن حماتي بدأت تضغط عليا أكتر عشان أوقع على الورقة الأخيرة، وكانت

تقول لي تعالي وقعي يا بنتي بدل ما نضيع وقت، والورقة دي مش هتضرك في حاجة أبداً، وبالعكس هتخلي كل حاجة رسمية ومضبوطة. كل مرة كنت أتعلل بحاجة عشان أتأخر، وكنت أسجل كلامها معايا بسرعة في الهاتف من غير ما تحس، وكنت أجمع كل دليل ممكن يثبت كلامي. يوم من الأيام، جت لي حماتي بوجه عابس وقالت لي ليه بتأخري كده في التوقيع؟ إنتِ شاكة فينا ولا إيه؟ ده إحنا عائلتك ونحبلك الخير. وقتها قررت إن مش ممكن أستنى أكتر، وإن لازم أواجهها، لكن بطريقة ذكية عشان أجيب منها كل الحقيقة. قلت لها بهدوء أنا مش شاكة فيك يا طنط، بالعكس أنا واثقة فيك أكتر من نفسي، بس عايزة أفهم ليه كل ده مستعجل كده؟ ولما كنت رحت وراك يوم اللي قلتلي رايحة تتصدقين، لقيتك في عمارة راقية وقاعدة مع سيد عثمان وبتقولي إن الأكل من عمل إيدك؟
لما سمعت كلامي، اتغير لون وجهها تماماً، وبدأت ترتجف، وسكتت فترة طويلة قبل ما ترد إنتِ... إنتِ كنتِ ماشية ورايا؟ ليه عملتي كده؟ إيه اللي خلاكِ تشكي فيا؟ قلت لها بصرخة حبستها من زمن ليه؟ عشان كل حاجة كانت غريبة، عشان كنتِ بتاخدي كل حاجة من غير ما تستأذن، عشان كنتِ بتقولي كلام ومش بتعمليه، وعشان سمعتك بتتكلمي عني وعن زياد وعن الميراث مع سيد عثمان، وبتقولي إنك هتخدعيني أوقع على أوراق عشان تاخدي حقي! إيه الحقيقة يا طنط؟ ليه عملتي فيا كده؟ أنا عملتلك إيه؟ كنت بعتبرك أمي! دموعي نزلت بقوة، وشفت هي كمان عيونها بتدمع، وبدأت تتراجع وتقعد على الكرسي، وبدأت تحكي لي الحقيقة كلها من الأول.
قالت لي بصوت مهزوز أنا آسفة يا بنتي، آسفة جداً، ما كانش ينفع أعمل كده، بس كان غصب عني، كنت خايفة على زياد، وخايفة أخسر كل حاجة. الحكاية بدأت من زمان، من لما كان أبو زياد وأبوك أصدقاء وشركاء، واتفقوا يقسموا الميراث اللي جابوه من الجد بينهم وبين سيد عثمان، بس في النهاية أبوك وأبو زياد اتفقوا على تقسيم تاني من غير ما يعرفوا سيد عثمان، وأخذوا نصيبه، واتقسموا الحاجات بينهم. لما أبوك توفى، خدتي نصيبك، وسيد عثمان عرف بالحكاية، وجالي وقالي إنه لو ما رجعناله حقه،
هيفضح كل حاجة، وهيسجن زياد وياخد كل فلوسه وشغله، وهددني إنه هيدمر مستقبله. كنت خايفة جداً على ابني، وما لقيتش حل غير إني أتعاون معاه، واتفقنا إن نرجع له نصيبه من الميراث اللي معاك، وإن نثبت إن الاتفاق القديم ما كانش صحيح. وقلت لنفسي، ده مش حرام، ده حق كان له من الأول، وأنا بعمل كده عشان أنقذ ابني.
سألتها بوجع وإيه ذنبي أنا؟ ليه خدعتيني وقلتلي إنك بتتصدقين، وإنك اللي بتعملي الأكل؟ ليه استخدمتيني كأداة في خطتكم؟ قالت لي عشان سيد عثمان كان بيحب أكلاتك جداً، وبيقول
إن طعمها مميز، وطلب مني أجيبله الأكل كل يوم، وكنت أتكسف أقول له إن مرات ابني هي اللي بتعمله، فكنت أقول إنه من عملي. وكنت عايزة أضمن إنك تفضلي تطبخي بنفس الطعم، فكنت أمدحك وأشجعك عشان ما تشكيش في حاجة. وكنت عارفة إنك طيبة وثقتك فيا كبيرة، فاستغليت ده عشان توقعي على الأوراق، عشان نرجع لسيد عثمان حقه ونحمي زياد. كلامها كان صادق ومليان خوف، لكن ده ما كانش يخفف الوجع اللي في قلبي. قلت لها والحق ده مش حقكم، ده حقي وحق أبي، واتفقوا عليه بطريقة قانونية سليمة، وسيد عثمان بيحاول ياخد حاجة مش حقه بطرق ملتوية. وأنتِ ساعدتيه عشان خوفك، وضيعتي ثقتي وثقتنا كلها.
في اللحظة دي دخل زياد الشقة، وسمع آخر كلامي، ووقف متسائل إيه اللي بيحصل هنا؟ إيه كلام الميراث والخداع ده؟ حماتي بكت وقالت له كل الحكاية، وسمعها زياد بذهول، وكل ما تسمع كلمة كان يتغير لونه أكتر وأكتر. لما خلصت، قرب مني ومسك إيدي وقال لي بدمع سامحيني يا حبيبتي، أنا ما كنتش أعرف حاجة من كل ده، أمي ما قالتليش ولا كلمة، كنت أصدقها لما تقول إنها بتتصدق، وكنت أظن إنها بتعمل خير. ما كنتش أتوقع إنها تقدر تعمل كده فيك، وإنك تمر بكل ده لوحدك. أنا آسف جداً. بعدين اتجه لأمه وقال لها بلهجة غاضبة ومحزونة ليه عملتي كده يا أمي؟ ليه خدعتينا كلنا؟ ليه خفتي من سيد عثمان وصدقتي تهديداته؟ ده كان ممكن نحل الموضوع بطريقة قانونية ومشروعة، من غير ما نخدع حد ولا نضيع حق أحد. أنا مش عايز حق حد، ولا عايز أخذ حاجة مش حقي، وكل اللي
أخده أبوي وأبوها كان بطرق سليمة. وده اللي هنثبته.
قررنا نعالج الموضوع من أول وجديد، فذهبنا مع المحامي، وجمعنا كل الأدلة والوثائق اللي تثبت صحة الاتفاق القديم، وإن سيد عثمان ما كانش له حق في المطالبة بتلك الأملاك، وإن التهديدات اللي عملها كانت غير قانونية. ورفعنا قضية ضد سيد عثمان عشان يوقف محاولاته الابتزازية، وضد حماتي عشان الغش والخداع، لكن زياد طلب من المحامي يخفف الموضوع عشان أمي، واتفقنا إنها تتراجع عن كل الأوراق اللي وقعتها، وتعترف بكل الحقيقة، وتبعد عن سيد عثمان نهائياً.
بعد أسابيع، اتضح كل شيء، وثبتت براءة أبي وأبو زياد، وسيد عثمان منع من المطالبة بأي حق، واتعهد بعدم التدخل في حياتنا أبداً. أما حماتي، فجت لي وبكت في رجلي، وقالت لي سامحيني يا بنتي، عرفت غلطي، وندمت أشد الندم، وما كنتش عارفة إن الخوف ممكن يخليني أعمل حاجة تجرح أغلى الناس عليا. أنا آسفة، وهحاول أعوضك كل اللي فات. مسكتها وقلت لها أنا مسامحتك يا طنط، لأنك كنتي خايفة على ابنك، وده شيء أفهمه، بس لازم نعرف إن الحق مش بيجي بالخداع، وإن الثقة لو ضاعت مش بترجع بسهولة، لكن هنحاول نرجعها خطوة بخطوة.
من يومها، تغير كل شيء. حماتي ما عادت تاخد الأكل من غير ما تستأذن، ولما تاخد شيء بتقول لي الحقيقة، وبتعترف إن أكلاتي هي اللي طيبة، ولما تروح تتصدق فعلاً بتروح للناس الغلابة، وبتقول لهم دي من عمل مرات ابني اللي ربنا يبارك لها. والعلاقة بيننا رجعت أحسن من الأول، بس باحترام وصدق وثقة حقيقية. وعرفت إن في حياتنا أشياء كتير ممكن تبدو غريبة ومش مفهومة، وإن الحقيقة ممكن تكون أكبر وأعمق مما نتوقع، وإن أهم حاجة في أي علاقة سواء كانت مع أهل أو أزواج هي الصدق والوضوح، وإن الخوف والخداع ما بيجيبوش غير الندم والفراق.
وكل ما أطبخ أكلة حلوة دلوقتي، بفتكر الحكاية دي، وأقول لنفسي كل طبق وكل كلمة وكل تصرف ليه معنى وتأثير، وإن اللي بيتعمل بالحب والصدق بيضل، واللي بيتعمل بالخداع مهما طال الزمن بيكشفه الله في النهاية، ويرجع الحق لصاحبه مهما كان اللي حاولوا ياخدوه بطرق
غريبة.

 

تم نسخ الرابط