سكرتيرة جوزي
كان يوم تنصيب جوزي أحمد منصور رئيسًا تنفيذيًا للشركة أكبر يوم في حياته... أو على الأقل هو كان فاكر كده.
أما بالنسبة لي، فكان اليوم اللي كل الأسرار المدفونة من سنين هتطلع للنور.
من أول ما دخلت القاعة، حسيت إن في حاجة مش طبيعية.
الكل بيبصلي بنظرات غريبة، وبعض الموظفين أول ما شافوني سكتوا فجأة.
أحمد كان واقف على المسرح ببدلته السودا، وابتسامته ما كانتش بتفارق وشه.
جنبُه كانت سكرتيرته الجديدة، داليا.
كانت قريبة منه بشكل لفت انتباه أي حد، لكن مكنش فيه أي تصرف يخلي حد يتهمهم بحاجة.
قلت لنفسي يمكن دي مجرد طبيعة شغل.
بعد دقائق، رئيس مجلس الإدارة أعلن رسميًا
من النهارده... الأستاذ أحمد منصور هو الرئيس التنفيذي الجديد.
القاعة كلها دوّت بالتصفيق.
داليا كانت أول واحدة جريت تباركله، وحضنته قدام الكل بطريقة خلت الناس تبص لبعض باستغراب.
ابتسم أحمد وقال بصوت عالي
داليا أكتر حد تعب معايا في الفترة اللي فاتت.
الجملة ضايقتني...
مش علشان الحضن...
لكن لأني أنا اللي كنت واقفة جنبه من أول يوم بدأ فيه حياته المهنية.
أنا اللي بعت دهبي عشان يكمّل أول مشروع.
أنا اللي كنت براجع عقوده لأنه كان بيغلط فيها.
أنا اللي كنت بقعد بالساعات أساعده وهو يذاكر للإدارة.
لكن فجأة...
بقيت مجرد زوجة بتقف بعيد.
قربت من المسرح بابتسامة هادئة وقلت
مبروك يا أحمد.
بصلي بطرف عينه وكأنه متضايق من وجودي أصلًا.
قبل ما يرد...
داليا قالت بابتسامة ساخرة
واضح إن مدام سارة لسه متعودة تفتكر إن كل المناسبات تخصها.
ضحك كام واحد من المديرين.
حاولت أتجاهلها.
لكن أحمد قال قدام الجميع
يا سارة... من فضلك خليكِ في مكانك، وسيبي أهل الشغل يتكلموا.
الكلمة جرحتني.
لأني كنت أعرف عن الشركة أسرار أكتر من نص الموجودين.
قلت بهدوء
أنا بس جيت أباركلك.
داليا ابتسمت وقالت
إحنا بقينا في مرحلة مختلفة... الناس اللي فوق ليها قواعدها.
طلعت أول درجة على المسرح...
وفجأة أحمد نزل بسرعة، مسك دراعي بقوة، وقال بصوت منخفض
انزلي... متحرجنيش.
حاولت أفك إيده.
لكنه زقني.
وقعت على الأرض قدام مئات الموظفين.
واتكسر كعب الجزمة.
ساد الصمت ثواني...
ثم بدأ الهمس.
أحمد بصلي
اعرفي مقامك!
الكلمة نزلت عليّ كأنها صفعة.
لكن اللي وجعني أكتر...
إنه كان عارف كويس أنا مين.
كان عارف إن الحاج محمود عزت، رئيس مجلس الإدارة، هو والدي.
لكنه كان فاكر إن علاقتنا انتهت من سنين.
وماكانش يعرف إن سبب ابتعادي عن والدي كان سرًا عائليًا، وإن في اتفاق محدش في الشركة يعرف عنه.
ابتسمت رغم وجعي.
طلعت موبايلي.
وبعت رسالة قصيرة جدًا...
ثلاث كلمات فقط
يا بابا... تعالى.
قفلت الموبايل.
وبصيت ناحية باب القاعة.
وفي اللحظة دي...
الباب الكبير بدأ يفتح ببطء...
ودخل الحاج محمود عزت، وخلفه المستشار القانوني للشركة، واثنان من أعضاء مجلس الإدارة.
وفجأة...
اختفت ابتسامة أحمد تمامًا.
ولأول مرة...
بدأ يحس إن في أسرار عمره ما كان يعرفها...
يتبع...سكتت القاعة بالكامل.
كل الأنظار اتجهت ناحية الحاج محمود عزت وهو ماشي بخطوات ثابتة، والمستشار القانوني ماشي وراه شايل ملف أسود سميك، كأنه داخل اجتماع مجلس إدارة... مش حفل احتفال.
أحمد حاول يرجع ابتسامته بسرعة.
نزل من على المسرح وقال وهو بيمد إيده يصافحه
يا فندم... حضرتك شرفت الحفل.
لكن الحاج محمود عدى من جنبه...
ولا حتى بص في وشه.
الإحراج كان واضح على ملامح أحمد.
أما داليا، فكانت لسه واقفة على المسرح، بتحاول تبتسم وكأن مفيش حاجة حصلت.
الحاج محمود وقف قدامي الأول.
بص لدراعي اللي بدأ يزرق من قوة الزقة.
وقال بصوت هادي، لكنه مليان غضب
مين اللي عمل فيكي كده؟
قبل ما أتكلم...
أحمد رد بسرعة
حضرتك... الموضوع مجرد سوء تفاهم بسيط.
الحاج محمود رفع عينه ناحيته لأول مرة.
النظرة لوحدها خلت أحمد يبلع ريقه.
وقال
أنا سألت بنتي.
بنتي...
الكلمة نزلت على القاعة زي الصاعقة.
الهمس بدأ ينتشر بين الموظفين.
قال بنتي؟!
يعني مدام سارة بنت رئيس مجلس الإدارة؟!
إزاي محدش كان يعرف؟!
حتى داليا اتغير لون وشها.
بصت لأحمد باستغراب، وهمست
إنت كنت عارف؟
أحمد حاول يتكلم...
لكن صوته خرج متردد
آ... أيوه... بس...
قاطعُه الحاج محمود
بس إيه؟
محدش رد.
أشار للمستشار القانوني.
المستشار فتح الملف، وطلع منه مجموعة أوراق.
وقال
يا فندم... كلها جاهزة.
أحمد بدأ يتوتر.
قال بسرعة
جاهزة
الحاج محمود لف ناحية الموظفين وقال
قبل ما نكمل الاحتفال... لازم كل الموجودين يعرفوا الحقيقة.
داليا حاولت تقاطعه وهي بتضحك ضحكة مصطنعة
أكيد حضرتك تقصد موضوع الزقة... وإحنا ممكن نعتذر...
لكن الحاج محمود رفع إيده.
فسكتت فورًا.
ثم قال جملة واحدة قلبت القاعة كلها
أحمد... إنت أخفيت عن الجميع حقيقة جوازك الأول.
شهقة خرجت من أكتر من شخص.
أنا بصيت لأحمد...
كنت حاسة إن في سر كبير، لكن عمري ما تخيلت إنه بالحجم ده.
أحمد وشه اصفر.
وداليا رجعت خطوة لورا وهي بتبصله بصدمة.
قالت بصوت مرتعش
جواز أول؟! يعني... إنت كنت متجوز قبلي؟
أحمد حاول يقرب منها.
داليا... اسمعيني...
لكنها بعدت إيده بعنف.
أما أنا...
فبصيت للحاج محمود باستغراب.
لأني أنا كمان مكنتش أعرف السر الكامل.
الحاج محمود تنهد، وقال
وده مش السر الوحيد...
ثم مد إيده للمستشار، وأخذ منه ظرفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال وهو ينظر مباشرة إلى أحمد
الظرف ده لو اتفتح... حياتك كلها هتتغير قدام ال موظف.
وفي اللحظة دي...
بدأ العرق ينزل من جبين أحمد لأول مرة.
يتبع...إيد أحمد بدأت ترتعش.
حاول يحافظ على هدوءه، وقال وهو بيبتسم ابتسامة باهتة
حضرتك... مش فاهم ليه كل ده؟ أي حاجة نقدر نتكلم فيها في المكتب.
الحاج محمود هز رأسه وقال
لا... اللي اتعمل قدام 500 موظف، لازم الحقيقة تتقال قدام نفس ال موظف.
ساد صمت ثقيل.
ولا صوت كان مسموع غير صوت أجهزة التكييف.
أحمد بص لداليا، وكأنه بيطلب منها تساعده.
لكن داليا كانت واقفة بعيد، ملامحها اتغيرت تمامًا.
هي كمان بدأت تشك إن الراجل اللي قدامها مش هو الشخص اللي كانت فاكراه.
الحاج محمود رفع الظرف وقال
عارف إيه اللي جواه يا أحمد؟
أحمد رد بسرعة
لا.
ابتسم الحاج محمود ابتسامة صغيرة.
بس أنا متأكد إنك عارف.
ثم سلّم الظرف للمستشار القانوني.
المستشار فتحه ببطء شديد...
وطلع منه نسخة من عقد زواج قديم.
كل الموجودين كانوا بيحاولوا يشوفوا الورقة.
داليا شهقت.
عقد جواز؟
المستشار قال بهدوء
العقد ده موثق رسميًا...
أحمد قاطعه بعصبية
العقد ده انتهى من زمان.
رد المستشار
انتهى... ولا انتهىش؟
الجملة خلت أحمد يسكت.
الحاج محمود بص ناحيتي
أنا كنت مستني اللحظة دي من سنين.
استغربت كلامه.
قلت
يعني حضرتك كنت عارف؟
هز رأسه وقال
عارف جزء... لكن الحقيقة الكاملة عرفتها من أسبوع واحد بس.
القاعة كلها بقت ساكتة.
حتى المصورين وقفوا تصوير من شدة التوتر.
الحاج محمود كمل
وأول ما عرفت الحقيقة... أوقفت تنفيذ قرار مهم جدًا كان هيتوقع النهارده.
أحد أعضاء مجلس الإدارة قال باستغراب
حضرتك تقصد قرار نقل صلاحيات الرئيس التنفيذي؟
رد الحاج محمود
بالضبط.
أحمد لف بسرعة وقال
يعني إيه؟
رد عضو المجلس
إحنا كنا هنعلن بعد الحفل إن كل الصلاحيات التنفيذية هتنتقل ليك بداية من بكرة.
ثم أكمل وهو ينظر للحاج محمود
لكن الرئيس أوقف القرار قبل ساعات.
الهمس رجع ينتشر بين الموظفين.
أحمد بدأ يفقد أعصابه.
بأي حق؟!
رد الحاج محمود بهدوء
بحق إن في معلومة جوهرية أخفيتها عن مجلس الإدارة.
اتسعت عينا أحمد.
وقال بصوت منخفض
حضرتك... مين قال لحضرتك؟
ابتسم الحاج محمود.
وأشار إلى آخر القاعة.
كل الموجودين لفوا في نفس الاتجاه.
وفجأة...
دخل رجل في منتصف الخمسينات، مرتديًا بدلة رمادية، وخلفه سيدة تبدو متوترة، تمسك حقيبة مليئة بالأوراق.
أول ما أحمد شافهم...
رجع خطوة للخلف.
وشه فقد كل لونه.
وتمتم بكلمات بالكاد اتسمعت
مستحيل... هما هنا إزاي؟!
أما الرجل، فوقف أمام المسرح وقال بصوت واضح
أنا جاي أقول الحقيقة اللي اتدفنت سنين...
يتبع...الرجل وقف في منتصف القاعة، وكل العيون اتثبتت عليه.
كان هادئ بشكل غريب، وكأنه داخل يشهد في محكمة، مش في حفل تنصيب.
بص مباشرة لأحمد وقال
فاكرني؟
أحمد حاول يرد، لكن الكلمات وقفت في زوره.
أما الست اللي كانت واقفة جنبه، ففتحت الحقيبة، وطلعت منها ملف كبير، وقالت للمستشار القانوني
دي كل المستندات الأصلية.
المستشار استلم الملف، وقلب أول كام ورقة، ثم هز رأسه للحاج محمود وكأنه بيأكد إن كل حاجة صحيحة.
أحمد صرخ فجأة
أنا مش هسمح بالمهزلة دي!
الحاج محمود رد بهدوء
المهزلة بدأت من زمان... وإنت اللي بدأتها.
داليا كانت بتتنقل بعينيها بين أحمد وبين الرجل.
وقالت بتوتر
حد يفهمني... الراجل ده مين؟
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
أنا المحامي اللي كتب أول عقد جواز
شهقة قوية خرجت من الموظفين.
لكن قبل ما أي حد يستوعب...
أكمل
والست اللي معايا...
وأشار للسيدة الواقفة بجواره.
...هي الموظفة اللي كانت شاهدة على توقيع العقد.
داليا بصت لأحمد بصدمة.
يعني... الكلام ده