اتبرعت بكليتي لحماتي

لمحة نيوز


من أي وقت مضى. وفي زاوية الغرفة كانت نادين تلملم وتسرق المشغولات الذهبية والساعات من الحقائب لتضعها في كيس صغير.
صرخ أحمد
أنتِ بتعملي إيه؟! كنتِ هتهربي وتسبيني؟
ردت نادين بوقاحة وصوت عالٍ
طبعاً! أمال هقعد مع واحد مفلس وجايب لي مصيبة وشاشات حجز؟ أنت خلاص معندكش حاجة تتاخد!
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ودخلت مريم وهي ترتدي فستاناً أزرق داكناً يفيض بالوقار، وتحت إبطها ملف بني.
بدأت الحاجة كريمة في البكاء والنحيب فور رؤيتها
مريم يا بنتي... سامحيني، وبوس إيدك اقفي جنبي... أنتِ عندك معارف ودكاترة كبار، خليهم يشوفوا لي متبرع بسرعة أنا بموت.
وضعت مريم الملف على الطاولة بقرب السرير، فتناثرت صور نادين وفضائحها أمام عيني أحمد. نظر إليها أحمد بصدمة وتمعن في التواريخ والرسائل
مش ممكن... أنا كنت في مأمورية شغل برة القاهرة في الأسبوع ده!
وقفت نادين متجمدة وعاجزة عن الكلام، فقالت مريم بنبرة هادئة
الولد اللي في بطنها مش ابنك يا أحمد... وهي كانت بتخطط تسرق اللي باقي معاك وتهرب مع اللي مضحوك عليك بسببه.
ارتجفت ركبتا أحمد وكاد

يسقط أرضاً. وهنا أخرجت مريم هاتفها وشغلت التسجيل الصوتي ل ليلية العشاء، فارتفع صوت أحمد ليملأ أركان الغرفة
أنا مستعد أخد أمي وأوديها دار مسنين ومأشوفش وشها تاني، أنا تعبت وزهقت من شيل هموم الناس دي كلها على كتافي!
التفتت الحاجة كريمة ببطء نحو ابنها الوحيد الذي فضلت الدنيا كلها عشانه، ونظرت إليه بعينين مليئتين بالذهول والكسرة
أنت كنت عايز ترميني وتتخلص مني يا أحمد؟ عشان مين؟ عشان الفلوس؟
يا أمي لاء... ده كان كلام تكتيك وسياسة عشان أسايرها بس...
انفجرت العجوز في بكاء مر كالأطفال. تقدمت مريم ووقفت أمام السرير، فمدت الحاجة كريمة يدها المرتعشة تستعطفها
سامحيني يا بنتي، ارحميني.
نظرت مريم إلى تلك اليد ولم تمد يدها لتلمسها
أنتِ في يوم من الأيام قولتِ عليا إني مجرد قطعة غيار وفصيلة مطابقة، شوفتيني وأنا بنزف وطلبتِ مني إمضائي وتنازلي. أنا كنت فاكرة إني بنقذ أم، بس أنتِ عمرك ما عرفتِ يعني إيه تكوني أم لحد أو تحسي بغيرك.
أنا هموت...
ردت مريم
كلنا هنموت في يوم من الأيام يا حاجة كريمة... بس المحزن والأنيل إن الواحد يعيش
ويموت ومن غير ما يحب حد بجد أو يتحب بجد من حد.
سقط أحمد على ركبتيه تحت أقدام مريم يبكي بنشيج
مريم... أرجوكي... بلاش تدمريني وتضيعيني.
نظرت إليه بعينين خاليتين من الغل أو الكراهية، بل بنظرة ترفع واستهانة
مش أنا اللي دمرتك يا أحمد... أنتَ اللي بنيت حياتك وبيتك ونفسك على الكدب والخداع والمصالح. أنا كل اللي عملته إني شديت السجادة من تحت رجليك ف وقعت لوحدك.
وعندما استدارت مريم وخرجت من الغرفة، كان رجال الشرطة والمباحث يدخلون من الممر. تم إلقاء القبض على أحمد بتهم النصب، والاحتيال، والتزوير في أوراق رسمية وتبديد أموال شراكة. وتم التحفظ على نادين أيضاً بتهمة التواطؤ واستخدام محررات مزورة.
أما الحاجة كريمة، فقد وافتها المنية بعد أسابيع قليلة داخل المستشفى العام، وحيدة، مجردة من المجوهرات الزائفة، وبدون الأصدقاء الأثرياء الذين كانت تتباهى بهم، ودون العائلة التي كانت تدعي أنها تحميها وتعيش لأجلها.
وبعد مرور عام كامل... عادت مريم إلى مقابر أسرتها بالإسكندرية، ووضعت باقات من زهور الياسمين فوق قبر والديها. ولمست بأصابعها
مكان الجرح القديم تحت ملابسها.
لم يعد الجرح يؤلمها أو يشعرها بالمهانة كما كان في السابق.
لم يعد رمزاً ل ما سُرق منها أو انتُزع من جسدها بقوة الغدر... بل أصبح دليلاً وشاهداً حياً على أنها واجهت الموت والظلم، وعادت أقوى وأجمل.
خلفها، كان الحاج جلال المنشاوي يقف مستنداً على عصاه الخشبية وبجانبه الدكتور مصطفى علام الذي كان ينظر إليها بنظرات تحمل الكثير من الأمل والتقدير الصافي.
مجموعة الفجر للاستثمار أصبحت الآن تمول مشاريع تنموية مخصصة لدعم السيدات المطلقات، والأمهات المعيلات، والعاملات البسيطات اللواتي لا يجدن من يأخذ بأيديهن أو يحمي حقوقهن في هذا العالم الصعب.
نظرت مريم إلى السماء الصافية وابتسمت براحة لم تذقها من قبل.
العائلة الكاذبة التي رجت و تمنت رضاها كادت أن تقضي عليها وتنهي حياتها.
والعائلة الحقيقية التي رزقها الله بها، هي التي علمتها كيف تقف بقوة وتدافع عن كرامتها.
وفي بعض الأحيان، لا تأتي العدالة الإلهية بصراخ وضجيج... بل تأتي في صمت، على هيئة جرح صغير، وإمضاء في مكانه الصحيح، وامرأة تدرك أخيراً كم
هي غالية وكم تساوي عند الله.

 

تم نسخ الرابط