اتبرعت بكليتي لحماتي

لمحة نيوز


أذنها ولم تنسها أبداً
اللي بيمضي من غير ما يقرا، بيمضي على وثيقة دفنه بإيده يا مريم.
وفي الوقت الذي كانت مريم تصعد وتتعلم وتتغير، كانت حياة أحمد السويدي تنهار وتتفتت كرماد. الحاجة كريمة كانت بحاجة لغسيل كلى ثلاث مرات في الأسبوع، وتكاليف المستشفيات أصبحت باهظة. ونادين كانت تصرف ببذخ شديد كأنهم ما زالوا يعيشون في رغد السنين الماضية وبدأت الديون تتراكم.
خسرت شركة السويدي للمنسوجات الموردين، والعملاء الكبار، وسحبت البنوك التسهيلات الائتمانية منها وبدأت الأبواب تغلق في وجه أحمد.
وفي قمة يأسه وضياعه، وصلت لأحمد دعوة رسمية فاخرة
مجموعة المنشاوي الاستثمارية تدعو شركة السويدي للمنسوجات لتقديم عرض شراكة ومشروع إنقاذ أمام المديرة التنفيذية الجديدة لمجموعة الفجر للاستثمار.
كاد أحمد يبكي من الفرحة والارتياح، وقال لنادين
ربنا نجدنا! لو المنشاوي وافق يضخ سيولة ويستثمر معانا، الشركة هتقف على رجلها ونرجع أحسن من الأول.
أقيم العرض والاجتماع في فندق شهير وفاخر ب مطل على النيل في القاهرة. كان المكان يغص برجال الأعمال، والصحافة، والمستثمرين الذين كان أحمد يحاول لشهور تقبيل أيديهم للحصول على موعد معهم.
عندما خفتت الأنوار، صعد الحاج جلال المنشاوي على المنصة وقال في الميكروفون
الحضور الكريم، النهاردة بيشرفني أقدم لكم السيدة اللي هتتولى إدارة وإعادة هيكلة مجموعة الفجر للاستثمار... إنسانة علمتني إن الحياة مابتتباعش بالفلوس، بل بتتصان بالوفاء... الدكتورة مريم المنشاوي.
سقطت الكأس من يد أحمد وتحطمت على الأرض. وفتحت نادين فمها بذهول لا يصدق.
ظهرت مريم وهي ترتدي بدلة بيضاء كالملائكة، ترفع شعرها لأعلى، وفي عينيها نظرة ثبات وثقة لا تهتز. لم تكن تمشي كزوجة مطرودة ومكسورة، بل كانت تمشي كإنسانة ملكت قرارها ونفسها ولم

تعد تطلب الإذن من أحد.
بعد انتهاء الفعالية، حاول أحمد التسلل وقطع طريقها وسط الحراسة
مريم... حبيبتي... مش معقول!
نظرت إليه ببرود تام كأنها تنظر لشخص غريب تماماً
أستاذ أحمد... لو جاي بخصوص الشغل والبيزنس، مكتبي مفتوح يوم الأحد الجاي الساعة 10 الصبح. لو جاي لأي سبب تاني، الأمن هيتفضل يرافقك لباب الخروج.
شدت نادين ذراع أحمد بغيظ
يلا بينا يا أحمد، بلاش قلة قيمة.
لكن أحمد ظل واقفاً ينظر إليها بصدمة، تملكته فكرة غبية وغرور مريض بأن مريم خلف هذا البرود ما زالت تحبه وتتمنى العودة إليه... وكان هذا آخر وأكبر خطأ يرتكبه في حياته.
وفي يوم الأحد، وصل أحمد إلى مقر برج المنشاوي وبيده ملف يحتوي على أرقام وحسابات مزورة ومجملة لشركته. استقبلته مريم في مكتبها الفخم وكان يجلس بجانبها الأستاذ ماجد الجيار والمستشارة كاميليا.
وقالت له مريم بلهجة عملية
قدامك 20 دقيقة بالظبط تعرض مشروعك.
بدأ أحمد يتحدث بحماس عن التوسع، وحجم السوق، والخسائر المؤقتة، وفرص النجاح. كان يكذب بنفس السهولة والطلاقة التي كان يقول لها بها يوماً ما بحبك.
استمعت مريم إليه دون مقاطعة حتى أنهى كلامه، فقالت
مجموعة الفجر موافقة تضخ استثمار بقيمة 35 مليون جنيه في شركتك، ولكن بضمانات رسمية الماكينات، العقود، الأسهم، وكل العقارات والممتلكات المرتبطة بشركة السويدي. لو في خلال 3 شهور المحاضر والإنتاج محققوش المستهدف، المجموعة هتحط إيدها وتستحوذ على كل حاجة بالكامل.
تردد أحمد لثوانٍ بسيطة، لكنه تذكر ديونه، ومطالبات البنوك، وصراخ نادين، ومرض أمه... ومضى على العقد فوراً دون أن يقرأ البنود الصغيرة والملحقات.
وعندما خرج من مكتبها، كانت على وجهه ابتسامة انتصار خبيثة وقال لنفسه
لسه بتحبني... والستات دول بكلمتين بيرجعوا يقعوا على الجذور تاني.
بمجرد إغلاق
الباب، نظر ماجد لمريم وابتسم
أحمد لسه ماضي حالا بضمان عقارات وأصول... هي في الأصل متسجلة باسمك أنتِ في الشهر العقاري من سنين وميقدرش يتصرف فيها.
سألت مريم
يعني ده يعتبر تزوير واحتيال موثق؟
ردت كاميليا
جناية كاملة الأركان وبإمضائه.
نظرت مريم إلى النيل من وراء الزجاج وقالت بهدوء
تمام... سيبوه يعيش الوهم ويفكر إنه كسب وجاب الديب من ديله.
وعلى مدار الثلاثة أشهر، عاش أحمد في رغد كاذب، وصار يتفاخر وسط معارفه بأنه عاد للسوق بقوة، واستأجر سيارات فارهة للاجتماعات، وسدد ديوناً صغيرة تافهة، واشترى هدايا ذهبية لنادين، ونقل والدته الحاجة كريمة إلى مستشفى خاص أكثر غلاءً وتطوراً.
لكن الأزمة الأساسية لم تُحل. كانت الطلبيات تُلغى تدريجياً، والموردون يطالبون بكاش ومبالغ مقدمة، والعمال يهربون ويستقيلون لعدم انتظام الرواتب، وكل قرش جديد يدخل الشركة كان يتبخر كأنه لم يكن.
ما لم يكن يعلمه أحمد، هو أن مريم كانت تغلق عليه كل المنافذ بهدوء شديد عبر عقود قانونية، ومراجعات حسابية دقيقة، وتقارير رسمية. لم تكن تصرخ، ولم تكن تهدده، كانت فقط تحرك قطع الشطرنج بصمت.
وفي صباح أحد الأيام، دخلت كاميليا مكتب مريم ومعها مظروف بني سميك
ده ملف التحريات الخاص بنادين.
فتحت مريم الملف، وكانت الصدمة... صور لنادين في أحد الفنادق بمدينة شرم الشيخ مع رجل آخر، كشوفات تحويلات بنكية، رسائل متبادلة، والأخطر من ذلك كله تقرير طبي من عيادة نساء وتوليد يثبت بالتواريخ والتحاليل الطبية أن فترة الحمل لا تتطابق أبداً مع فترات تواجدها مع أحمد... البيبي لم يكن ابن أحمد السويدي بأي حال من الأحوال.
أغلقت مريم الملف وتنفست بأسى، لم تشعر بالفرح أو الشماتة، بل شعرت بحزن على حال هؤلاء البشر. فالكذبة والخيانه دائماً ما تدور وتنهش يد صاحبها في النهاية.

بعد يومين، اتصل أحمد بمريم وترجاها أن تقابله على العشاء في مطعم هادئ بمنطقة الزمالك، ووافقت مريم. جاء أحمد وهو يحمل باقة زهور كبيرة، يرتدي بدلة غالية، وعلى وجهه أمارات الندم والمسكنة
أنا غلطت في حقك يا مريم... أمي ضغطت عليا ولعبت بدماغي، ونادين غوتني واستغلت ظروفي. بس أنا وأنتِ نقدر ننسى كل ده ونبدأ صفحة جديدة، أنتِ حبي الأول والأخير.
كانت مريم قد وضعت هاتفها داخل حقيبتها وهو في وضع التسجيل الصوتي. سألته ببرود
ونادين واللي في بطنها؟
رد بسرعة وبقسوة
هرميها في الشارع، والبيبي ده كان غلطة ونزوة... لو رجعتِ ليا أنا مستعد أخد أمي وأوديها دار مسنين ومأشوفش وشها تاني، أنا تعبت وزهقت من شيل هموم الناس دي كلها على كتافي!
نظرت إليه مريم بتمعن، كأنها ترى لأول مرة حقيقة وجوهر هذا المسخ الذي أحبته يوماً ما، وقالت
شكراً يا أحمد.
ابتسم ب طمع
يعني سامحتيني وهنرجع؟
لاء... شكراً عشان أكدت لي دلوقتي بس أنتَ إيه وحقيقتك إيه.
وجاءت الضربة القاضية والأخيرة بعد أسبوعين بالتمام والكمال. في تمام الساعة التاسعة صباحاً، اقتحم محامو ومحاسبو مجموعة الفجر للاستثمار مقر شركة السويدي للمنسوجات ومعهم رجال الشرطة وقرار نيابة.
تقدم الأستاذ ماجد وجلس أمام الموظفين والموردين وأعلن ب صرامة
بناء على إخلالكم بشروط العقد، وتزوير التقارير المالية، ورهن ممتلكات لا تخصكم كضمانات، تم التحفظ والاستحواذ الكامل على شركة السويدي لصالح مجموعة الفجر.
بأعلى صوته صار أحمد يصرخ، ويركل الكراسي، ويطالب برؤية مريم ومقابلتها فوراً.
نظرت إليه المستشارة كاميليا وقالت بكل برود وهدوء
الدكتورة مريم مستنياك في المستشفى... روح هناك بسرعة قبل ما تروح مع رجال المباحث على القسم.
جرى أحمد كالمجنون نحو المستشفى. في الغرفة، كانت الحاجة كريمة مستلقية على
السرير، موصلة بأجهزة غسيل الكلى، تبدو أكثر نحافة وشحوباً
 

تم نسخ الرابط