بعد ثلاثة أيام فقط من ليلة زفافنا التي ظننتها بداية عمري الجديد، كنت أقف في مطبخ شقتي، الشقة التي أفنيت سنوات شبابي في العمل والكفاح لأشتريها بمالي الخاص قبل أن يدخل حياتي بأعوام، كنت أقف وجسدي يرتجف من التعب والصدمة بعد أن رفضت أن أشيل طبق الأكل لأخت جوزي وهي يجلس مسترخية أمام شاشة التلفزيون في الصالة، مشغولة بمتابعة مسلسلها ومستغرقة في عالمها الخاص، ترفض أن تقوم أو تبذل أي مجهود وكأنني أصبحت خادمة تم استئجارها بعقد زواج، وفي تلك اللحظة العابرة التي اعترضت فيها بصوت هادئ قائلة إنني متعبة ومثلها تماماً عائدة من عملي، فقد زوجي أعصابه تماماً وتحول في ثانية واحدة من ذلك الرجل الرقيق الذي خطب ودي لشهور إلى كائن غريب ومخيف لم أره في حياتي من قبل، إذ زعق في وجهي بصوت هز أرجان الجدران، ومد يده عليّ لتهبط صفعته على وجنتي بقسوة لم أعهدها، وفي ثانية واحدة انقبض المطبخ وساد فيه صمت مفاجئ كأنه صمت القبور، وكان واقفاً أمامي ويده لا تزال مرفوعة في الهواء ووجهه محتقن باللون الأحمر من شدة العصبية والغل، لكن الشيء الذي بث الرعب الحقيقي في أوصالي وجعل دقات قلبي تتسارع كطبول الحرب لم يكن احمرار وجهه، بل كان الهدوء الشديد والجفاء
البارد في عينيه، كأنه مقتنع تماماً من أعماقه بأن ما فعله ليس جريمة بل هو عقاب شرعي ومستحق أنا التي جلبتُه لنفسي، ثم قال بنبرة تخرج من بين أسنانه وببرود شديد شايفة؟ إنتِ اللي خلتيني أعمل كده.. إنتِ اللي اضطريتيني أمد إيدي بقلة أدبك وعنادك، وكان وجهي في تلك الأثناء لا يزال يوجعني وينبض بالألم والحرارة، والطبق الذي كنت أحمله في يدي يحتوي على فراخ مشوية وبطاطس مهروسة وفاصوليا خضراء، وهو الأكل الذي قضيت أكثر من ساعة كاملة في إعداده وواقفة على قدمي المتعبتين بعد أن رجعت من عملي الشاق وعقلي يملؤه التفكير في كيفية إرضاء هذه العائلة الجديدة، ومن غير أن أفكر أو أحسب عواقب ما أفعله، ومن فرط الإهانة والقهوة التي شعرت بها، زقيت الطبق بكل ما أوتيت من قوة وعزم، فخبط في الحائط المقابل وتناثرت محتوياته وتكسر الزجاج إلى مئات القطع الصغيرة التي تناثرت على الأرضية، وبصيت في عينيه مباشرة دون أن أرمش وقلت له بنبرة حاسمة متألمة أنا ما أجبرتكش تعمل أي حاجة.. إنت اللي اخترت تمد إيدك.. إنت اللي اخترت تكون مؤذي ونذل، ومن الصالة البعيدة، حركت أخته رأسها وأخيراً بصت بعيد عن شاشة التلفزيون التي كانت تأسرها، وقالت بنبرة يملؤها الضيق والتذمر
كأننا أفسدنا عليها متعة المشاهدة هو إيه حكاية الطبق دي؟ ليه عاملين كل الضجة دي على العشا؟ بوظتوا علينا السهرة، فالتفت إليها وعيونه لا تزال تشتعل بالشرر وقال لها باقتضاب وتحذير متدخليش يا رنا.. خليكي في مكانك، وفي تلك اللحظة القاسية، خدت بالي من تفصيلة صغيرة لكنها كانت أخوف وأرعب من الصفعة نفسها، إذ لاحظت أن أخته لم تكن مصدومة ولا متفاجئة من رؤية أخيها يضرب زوجته في أيام عرسها الأولى، كانت فقط متضايقة من الخناقة ومن الصوت العالي الذي شوش على التلفزيون، لكن تصرف أخيها ومد يده كان بالنسبة لها أمراً عادياً ومألوفاً، كأنها رأت هذا المشهد يتكرر أمامهما مرات ومرات في غرف مغلقة، مما جعل قشعريرة باردة تسري في عمودي الفقري وأنا أدرك حجم المستنقع الذي ألقيت بنفسي فيه، ثم قرب مني وخطا خطوة تهديدية وقال بصوت واطئ كالفحيح لمي الزجاج المكسور ده من على الأرض، واعملي لأختي
طبق عشا تاني نظيف، وبطلي تحرجيني وتعملي مشاكل من مفيش، وساعتها، وسط ركام الزجاج المظلم، افتكرت حقيقة هامة كانت قد غابت عني وسط ذهولي، تذكرت أننا واقفين في بيتي أنا، هذا البيت الذي دفعته ثمنه من سهر ليالي وشقاء سنين طويلة قبل أن أعرف اسمه حتى، ومع كل ذلك،
كان يقف في وسطه ويكلمني كأني خدامة عنده بلا حقوق ولا كرامة، فرجعت لورا بهدوء متجهة ناحية الطرقة المؤدية إلى الباب الخارجي، فلاحظ حركتي وقال بعصبية وخطواته تلاحقني رايحة فين؟ أنا بكلمك هنا!، فالتفتُّ وقلت بروح ترفض الانكسار هكلم الشرطة.. مش هسكت على اللي عملته، وفي أجزاء من الثانية تغير وجهه تماماً وهرب الدم من عروقه وحل الذعر مكان الجبروت، فمد يده بسرعة خاطفة لكي يأخذ موبايلي الذي كان موضوعاً فوق رخامة المطبخ لكي يمنعني، لكن أخته رنا كانت أسرع منه بكثير، إذ قفزت من مكانها وخطفت الهاتف ببراعة وخبته وراء ظهرها وهي تنظر إليه بتحدٍّ غريب، فبصر إليها بزجر وقال لها بنبرة تحمل وعيداً حقيقياً إوعي يا رنا.. هاتي الموبيل ده وبطلي جنان، وفضلت باصة له كام ثانية بصمت غامض، وبعدها التفتت إليّ وقالت بهدوء شديد وثبات عجيب اطلعي فوق يا منى واقفلي على نفسك الأوضة بالمفتاح.. أنا هتصل بالشرطة بنفسي، وما إن سمع كلماتها حتى جن جنونه واندفع نحوها ومسك ذراعها بعنف وقسوة شديدين لكي ينتزع الهاتف منها، فصرخت أخته من الألم والوجع، ولم أستطع الوقوف متفرجة فجريت ناحيتها بكل قوتي وزقيته بكل عزمي، فاختل توازنه وتراجع إلى الخلف واتخبط