اتبرعت بكليتي لحماتي

لمحة نيوز


استطاعت مريم أن تخرج صوتها
دكتور... يعني كليتي ضاعت في الأرض؟
تغيرت نبرة ونظرة الطبيب تماماً عندما التفت إلى مريم، وأصبحت مليئة بالحنان والرحمة
لا يا مريم... كليتك أنقذت حياة إنسان تاني امبارح بالليل.
خطا أحمد خطوة للأمام بعصبية
واديتوها لمين من غير إذننا؟!
نظر إليه الطبيب بثبات
للحاج جلال المنشاوي.
وقع الاسم على مسامع أحمد كالصاعقة. فتح فمه ولم يستطع نطق حرف واحد.
الحاج جلال المنشاوي لم يكن مجرد مريض عادي... كان حوت السوق، صاحب سلسلة مستشفيات خاصة، وشركات مقاولات، ومصانع حديد، ومراكز تجارية في كذا محافظة. رجل يمتلك من النفوذ والمال ما يجعله من كبار رجال الأعمال في مصر الذين لا يحتاجون لظهور إعلامي ليعرف الجميع قيمتهم وقوتهم.
وضعت نادين يدها على بطنها بصدمة
مش ممكن...
لاء ممكن قال الدكتور مصطفى لأن في الورق والموافقات اللي أنتَ خليت مريم تمضي عليها، بند واضح وصريح بيدي المستشفى الحق في إعادة توجيه العضو ل المريض البديل في قائمة الانتظار الطارئة لو اتضح إن المستلم الأول غير مؤهل طبياً لاستقبال العضو.
نظرت مريم إلى أحمد بعينين دامعتين
ورق إيه ده يا أحمد؟
تغير لون وجه أحمد إلى ألوان شتى، بينما أكمل الطبيب بغضب
الورق اللي خليتوها تمضي عليه قبل ما تدخل العمليات بدقايق، وهي تحت تأثير المهدّات والضغط العصبي والنفسي. الشؤون القانونية للمستشفى حالياً بتراجع الملف ده بالكامل وكل التجاوزات اللي حصلت.
أغلقت مريم عينيها بقوة. فخ آخر... وخدعة أخرى.
حاول أحمد الاقتراب من السرير مجدداً
مريم، حبيبتي، اسمعيني بس... الموضوع خرج عن سيطرتنا، أمي كانت هتموت وكانت هيمانة وخايفة، ونادين جت هنا بس عشان...
عشان حامل منك قاطعتها مريم دون أن تفتح عينيها.


ضحكت نادين بتوتر
أهو اللي حصل بقا، هنعمل إيه؟
فتحت مريم عينيها ببطء شديد. المرأة الضعيفة التي دخلت العمليات وهي تبحث عن رضا حماة تحبها، ماتت هناك تحت تأثير البنج. التي استيقظت الآن امرأة أخرى لن تتسول الحب من أحد بعد اليوم.
قالت بصوت منخفض وصارم
يا دكتور... لو سمحت خرج الناس دي برة الأوضة. مش عايزة أشوف وشوشهم تاني أبداً في حياتي.
أومأ الطبيب برأسه
فوراً.
أبعدت الممرضات أحمد عندما حاول لمس كتف مريم، وصارت الحاجة كريمة تصرخ وتقول إنها هي المريضة الحقيقية وتستحق الكلية، ونادين تعترض بصوت عالٍ على المعاملة. لكن مريم لم تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة.
بعد مرور ساعة، تم نقل مريم إلى جناح ملكي خاص وخيالي في نفس المستشفى ب منطقة التجمع الخامس. جناح بواجهات زجاجية ضخمة تطل على حدائق، وحمام خاص، وطاقم تمريض مخصص لها على مدار الساعة، وباقات من الورد الأبيض الفاخر تملأ المكان.
الورد لم يكن من أحمد طبعاً... كان من الحاج جلال المنشاوي.
وفي عصر ذلك اليوم، دخلت سيدة ترتدي بدلة رمادية أنيقة للغاية وذات ملامح جادة ومحترمة
أنا المستشارة كاميليا الشافعي، المديرة القانونية لأعمال الحاج جلال المنشاوي. هو بعتني وموصيني إن مفيش أي حاجة تنقصك، وأي طلب ليكِ مجاب فوراً.
نظرت إليها مريم بحيرة
أنا أصلاً مكنتش أعرف إن كليتي هتروح ليه.
ردت كاميليا بابتسامة حنونة
وهو ده بالظبط السبب اللي خلاه عايز يقف جنبك ويدعمك. أنتِ معملتيش ده عشان فلوس، أنتِ عملتيه بنية صافية عشان تنقذي ناس كنتِ فاكرة إنهم بيحبوكي.
بلعت مريم ريقها بمرارة
قد إيه أنا كنت مغفلة وعبيطة.
نفت كاميليا كلامها بلطف
لاء، أنتِ كنتِ نقيّة وطيبة. وفي ناس أشرار بيفتكروا إن الطيبة دي تصريح ورخصة عشان يدمروا
غيرهم.
في اليوم التالي، عاد الدكتور مصطفى ومعه أخبار جديدة، وكان وجهه يحمل معالم الجدية
مريم، لازم نتكلم في موضوع مهم وحساس.
اعتدلت مريم في جلستها بمساعدة الممرضة
اتفضل يا دكتور.
تليفونك الشخصي اختفى بعد العملية. في ممرضة شافت الأستاذ أحمد وهو بيكسره في الحيطة في الممر القريب من غرفة الإفاقة ويرميه في الزبالة.
شعرت مريم بوجع جديد، لكن ليس في جسدها، بل في روحها. ففي ذلك الهاتف كانت كل الرسائل، والتسجيلات الصوتية، والصور، وذكريات الخديعة.
كان عايز يخلص من كل الأدلة اللي تدينه وتثبت كلامه ووعوده ليا.
مظبوط قال الطبيب بس هو غبي ونسي إن المستشفى مليانة كاميرات مراقبة جابت كل حاجة بالصوت والصورة.
نظرت مريم نحو النافذة، ولأول مرة منذ خروجها من العمليات، تحول الخوف بداخلها إلى شيء آخر تماماً... تحول إلى غضب ورغبة في استعادة حقها.
بعد مرور أيام، جاء محامي شاب ذكي يدعى الأستاذ ماجد الجيار، ومعه ملف سميك ومستندات كثيرة
مدام مريم، إحنا راجعنا أوراق الطلاق والتسويات اللي أحمد كان عايزك تمضي عليها، وعملنا تحريات عن تبرعاته وحساباته.
ولقيتوا إيه؟
وضع ماجد الأوراق أمامها
أحمد خلال فترة جوازكم، سجل باسمك شقتين في منطقة الزمالك، ومخزن كبير في مدينة العبور، وأسهم بنسبة كبيرة في شركة السويدي للمنسوجات.
قطبت مريم جبينها بدهشة
باسمي أنا؟! ليه؟
كان بيعمل كده عشان يهرب من الديون والضرائب والقضايا المرفوعة عليه وعلى شركته، وكان واثق إنك ست طيبة وعمرك ما هتفتشي وراه أو تفهمي في الأمور دي.
ضحكت مريم بسخرية ومرارة
يعني كان شايفني غبية لدرجة إنه يخبي فلوسه وممتلكاته تحت اسمي وتوقيعي!
بالظبط قال ماجد وعشان كده هو كان مستعجل جداً على الطلاق والتنازلات، عشان
يرجع يسيطر على الممتلكات دي تاني قبل ما أنتِ تفوقي وتعرفي أنتِ تملكي إيه بالقانون.
لمست مريم جرحها بحذر وقالت
يبقى مش همضي على أي حاجة، ومش هتنازل عن حقي.
ابتسم ماجد بارتياح
وهو ده القرار الصح.
بعد أسبوعين، طلب الحاج جلال المنشاوي رؤيتها. دخل غرفتها وهو يجلس على كرسي متحرك بسبب جرح العملية، وكان يبدو عليه الضعف الجسدي لكن عينيه كانت تلمع بقوة وهيبة تجبر أي شخص على احترامه.
قال بصوت جهوري دافئ
أنتِ وهبتيني عمر جديد يا بنتي.
خفضت مريم رأسها بخجل
أنا مكنتش أعرف إنها ليك يا حاج جلال.
رد عليها
وعشان كده قيمتها عندي أكبر بكتير. أنتِ عملتِ ده بدافع الإنسانية والخير، بس للأسف قدمتيه لناس متستاهلش.
ضغطت على شفتيها
أنا حاسة بالكسوف من نفسي إني صدقتهم ولعبوا بيا كده.
رفض الحاج جلال كلامها قائلاً
الكسوف ده يحس بيه الندل اللي يخدع ست ويفتح بطنها وياخد حتة منها ويرميها في الشارع. أنتِ تحسي بالفخر والقوة.
صعدت الدموع لعيني مريم مجدداً
وأنا هعمل إيه دلوقتي لوحدي؟
نظر إليها الحاج جلال بهدوء وثقة
هتعلمي إزاي تدافعي عن نفسك وتاخدي حقك. أنا مش هقدّم لك الانتقام على طبق من فضة، أنا هقدّم لك المحامين، والتعليم، والأدوات اللي تخليكِ قوية... والباقي وشطارتك أنتِ هتعمليه بنفسك.
ومرت الشهور، ولم تعد مريم هي تلك الفتاة المستسلمة. كانت ما زالت تستيقظ أحياناً على ألم جرحها، وما زال قلبها ينقبض برعب عندما ترى بالطو المستشفى الأبيض، لكنها كانت تستيقظ كل يوم في الفجر لتذاكر وتقرأ في عقود الشركات، والإدارة الماليّة، والقانون التجاري.
كان الحاج جلال يأخذها معه في اجتماعاته الكبرى مع رجال الأعمال والمستثمرين، حيث يتحدث الجميع بلغة الأرقام والملايين والصفقات. في
البداية كانت تشعر بالخوف والخجل من السؤال، حتى قال لها الحاج جلال جملة رنت في
 

تم نسخ الرابط