كنت رايح اطلق مراتي
الحلقة الأولى حطام البدايات والظرف البني
كان الهواء في ذلك الصباح الخريفي يحمل برودة غريبة، برودة لم تكن تلامس جسد أحمد بقدر ما كانت تتغلغل في أعماق روحه. كان يقود سيارته ببطء شديد، على غير عادته وهو الرجل الذي يعشق السرعة والإنجاز. على المقعد المجاور له، استقر ظرف بني اللون، ثقيل بوقع الكلمات التي يحويها، خفيف بوزنه المادي. داخل ذلك الظرف كانت تقبع أوراق الطلاق. تسع سنوات من الحب، من السهر، من بناء الأحلام حجرًا فوق حجر، تلخصت كلها في بضع ورقات بيضاء تنتظر توقيعين لينهيا كل شيء.
طوال الطريق، كان أحمد يمرن لسانه على ما سيقوله. لم يكن يريد دموعًا، ولم يكن يبحث عن عتاب. كان يحفظ الكلمات كمن يستعد لإلقاء خطبة جنائزية لقصة حب ماټت إكلينيكيًا منذ عام كامل. قرر بصرامة ألا ېصرخ، وألا يطلب منها تفسيرًا للمرة الألف، وألا يتوسل إليها أن تتذكر الأيام الأولى في شقتهما الصغيرة القديمة، حيث كانا يتقاسمان رغيف الخبز والضحكات الصافية. كل ما خطط له هو أن يطرق الباب، يدخل بهدوء، يضع الظرف والقلم أمامها على الطاولة، ويقبل برأس مرفوع أن قطار حياتهما قد وصل إلى محطته الأخيرة.
لكنه حين وصل إلى بيت حماته، ورأى سيارة زوجته منى رابضة في مكانها المعتاد، شعر بغصة
الحلقة الثانية غريب في بيتي
لكي يفهم أحمد كيف وصل إلى هذه النقطة، كان عليه أن يعود بذاكرته إلى عام كامل مضى. عام كامل كانت فيه منى تتحول تدريجيًا إلى امرأة أخرى لم يعرفها من قبل. منى التي كانت تستقبله عند الباب بابتسامة تضيء عتمة يومه الشاق في مواقع البناء، الست التي كانت تهرع لتصنع له كوب الشاي وتجلس بجواره لتسأله عن أدق تفاصيل عمله، توقفت فجأة عن كل ذلك.
بدأ الأمر تدريجيًا كغيوم سوداء تزحف في سماء صافية. في البداية، لاحظ أنها توقفت عن الإمساك بيده أثناء مشاهدة التلفاز. كانت تجلس في أقصى طرف الأريكة، وكأن هناك جدارًا غير مرئي يفصل بينهما. وحين كان يحاول الاقتراب منها في السرير ليغفو في حضنها،
تحولت وجبات العشاء، التي كانت مساحتهما المفضلة للحديث والضحك، إلى طقوس صامتة قاټلة. كانت تجلس واجمة، تعبث بطعامها دون أن تأكل حقًا، وعيناها شاردتان في نقطة مجهولة على الحائط. وإذا دخل أحمد إلى غرفة المعيشة، كانت تخترق الصمت فورًا بحجة واهية لتغادر الغرفة سأغسل الأطباق، نسيت ترتيب الغسيل، عندي مكالمة عمل.
وفي كل عطلة نهاية أسبوع، وهي الأيام التي كانا ينتظرانها ليقضياها معًا بعيدًا عن ضغوط الحياة، كانت تحزم حقيبة صغيرة وتغادر لوحدها إلى بيت والدتها في الطرف الآخر من المدينة، تاركة خلفها بيتًا باردًا وزوجًا يأكله الشك والوحدة.
الحلقة الثالث دوامة الشك والعمل
في البداية، حاول أحمد إقناع نفسه بأنها مجرد مرحلة إرهاق عابرة. منى كانت تعمل
ممرضة في مستشفى خاص كبير، وبدأت فجأة تأخذ نوبات عمل إضافية شيفتات ليلية وتعود في ساعات متأخرة من الليل بوجه شاحب وعينين غائرتين. كان يواسي نفسه قائلاً الجميع يمر بفترات ضغط.
لكنه هو الآخر لم يكن خالي البال. كان يغرق في دوامته الخاصة. شركة المقاولات الصغيرة التي أسسها بعرق جبينه ودموعه كانت تمر بمرحلة حرجة. كان يكافح بين مواقع البناء، وتأخير
لكنه في غمرة ركضه وراء تأمين مستقبلهما، لم يلاحظ أن حاضرهما يتسرب من بين أصابعه كرمال ناعمة. ومع زيادة صمت منى، بدأت وحوش الشك تنهش في عقله. كل مكالمة هاتفية لا تجيب عليها كانت تتحول في رأسه إلى علامة استفهام ضخمة. كل رسالة يراها تمحى من هاتفها بدافع السرية كما تخيل كانت تغذي شياطين ظنونه. وكل زيارة لبيت والدتها كانت تبدو له كهروب منه، أو ربما... لقاء بشخص آخر.
يا ترى هل هناك رجل آخر في حياتها؟ هل ملّت من كفاحه الطويل ومن انشغاله المستمر؟ هل وجدت من يمنحها الاهتمام الذي عجز هو عن تقديمه في غمرة معاركه اليومية؟ كان يبحث في أرجاء البيت عن دليل، عن صورة، عن رسالة، عن أي شيء يؤكد أو ينفي ظنونه، لكنه لم يجد شيئًا. لم يكن أمامه سوى الصمت، والصمت في الحب أشد فتكًا من الخېانة المعلنة؛ لأنه يترك العقل يبني أسوأ السيناريوهات الممكنة.
الحلقة الرابعة حوارات مبتورة
حاول أحمد مرارًا وتكرارًا كسر هذا الجدار السميك. كان يجلس