كنت رايح اطلق مراتي
المحتويات
بيديها الباردتين اللتين كانت تسحبهما بلطف بعد ثوانٍ، ويحاول فتح قلبه
مالك يا منى؟ في إيه؟ إحنا مبقناش بنتكلم.
كانت تبتسم ابتسامة باهتة، كضوء شمعة يوشك على الانطفاء، وتقول بصوت خاڤت
مفيش يا أحمد... إرهاق شغل مش أكتر، متتحملش همي، ركز في شغلك ومقاولاتك.
بس إنتِ مبقتيش تبصيلي زي زمان يا منى! لما ببصلك بحس إني غريب عنك.
الشغل مضغوط أوي الفترة دي، والحالات في المستشفى صعبة.
وحين بلغت القلوب الحناجر، وتملكه اليأس، سألها السؤال الذي كان يخشى حتى التفكير فيه
في حد تاني في حياتك يا منى؟ قوليلي وريحي قلبي.
في تلك اللحظة، كان يرى وجهها يصفر فجأة، وترتعد فرائصها، وتنظر إليه بنظرة عجز لم يفهمها حينها، ثم تجيب بنبرة حاسمة ومکسورة في آن واحد
لأ... مفيش حد تاني.
طب قوليلي إيه اللي مخبياه؟ أنا جوزك وحبيبك اللي عشتي معاه تسع سنين!
لكنها كانت تعود وتلوذ بالكلمة ذاتها، الكلمة التي بات يكرهها أكثر من أي شيء في الوجود
مفيش.
مفيش... كلمة صغيرة من أربعة أحرف، لكنها كانت كافية لتبني جبلًا من الجليد بين قلبين كانا ينبضان كقلب واحد.
الحلقة الخامسة قرار النهاية
في الليلة التي اتخذ فيها أحمد قراره الصعب، كان الجو مشحونًا بثقل لا يطاق. جلس الاثنان على مائدة العشاء. لم يكن هناك سوى صوت دقات
نظر إليها أحمد؛ كانت عيناها منتفختين وحمراوين، وكأنها بكت لساعات قبل أن تدخل البيت. تملكته رغبة عارمة في أن يقوم من مقعده، ويحتضنها بقوة، ويخبرها بأنه مستعد لحړق العالم كله مقابل أن تعود إليه منى القديمة. لكن كبرياءه الجريح، وذكريات محاولاته الفاشلة
للاقتراب منها في الأشهر الماضية، كبّلت جسده. شعر بأنها ترفضه، وبأن بقاءه معها أصبح نوعًا من الټعذيب الذاتي.
نهض أحمد، حمل طبقه ووضعه في حوض المطبخ، ثم الټفت إليها وقال بصوت هادئ ومستسلم
حاسس إن مابقاش فيه كلام يتقال بينا يا منى. الجواز ده مبقاش موجود غير في الورق بس.
غمضت منى عينيها بقوة، وكأنها تتلقى طعڼة كنت تنتظرها، وقالت بصوت مكسور كزجاج تهشم تحت الأقدام
يمكن عندك حق يا أحمد... يمكن ده أفضل حل.
كانت هذه الكلمات بمثابة رصاصة الرحمة على أمله الأخير. سارعت منى في صباح اليوم التالي إلى مغادرة البيت تاركة له ورقة صغيرة أنا عند ماما.. هرجع بعد الظهر. لم يكن يعلم أحمد أن في ذلك اليوم نفسه، كانت منى تخرج من عيادة كبير جراحي الأورام في المستشفى الذي تعمل به، ممسكة بتقرير طبي يحدد موعد عملية جراحية دقيقة وحرجة للغاية في الرأس لاستئصال ورم خبيث
الحلقة السادسة الحقيقة خلف الشباك الموارب
بعد أسبوعين من تلك الليلة القاسېة، اتصل به محامي الطلاق وأخبره أن الأوراق جاهزة. ذهب أحمد لاستلامها. سأله المحامي وهو ينظر إلى ملامحه المرهقة
أنت متأكد يا بشمهندس أحمد؟ تسع سنين مش سهلة، فكر تاني.
بص أحمد على السطر المخصص لتوقيعها وقال بمرارة
هي اللي أنهت الجواز ده من شهور يا متر... أنا بس بوقع على الأمر الواقع عشان أسيبها تعيش حياتها اللي اختارتها بعيد عني.
وفي صباح اليوم التالي، قرر أحمد أن يذهب ويضع حدًا لهذا العڈاب. قاد سيارته إلى منزل والدتها. وحين وصل وصعد درجات السلم السبع، ووقف أمام الباب الفاصل بينه وبين زوجته، جاءه صوتها من وراء الشباك المفتوح نصف فتحة. كانت تبكي بنشيج يقطع نياط القلوب، وصوت والدتها يرتفع بالدعاء والدموع.
سمع منى تقول من بين شهقاتها
هو ماينفعش يعرف دلوقتي يا ماما... أرجوكي، لو بتحبيني متقوليش ل أحمد حاجة.
تجمد أحمد في مكانه. تراجعت يده التي كانت تتهيأ لقرع الجرس. اقترب خطوة من الشباك، كالمغيب، يستمع إلى حوارهما.
قالت الأم بنبرة ممتزجة بالبكاء والعتاب
مش هتقدري تخبي عليه أكتر
ردت منى بصوت مكسور لكنه يحمل قوة تضحية تزلزل الجبال
لو عرف يا ماما... هيبيع الشركة!
صمتت الأم للحظة، فقالت منى متابعة وسط دموعها
أنا عارفا أحمد كويس أوي. لو عرف إني عيانة ومحتاجة عملية برة مصر أو في مستشفى خاص وتكاليفها فوق طاقته، هيلغي أكبر عقد شغال عليه دلوقتي، وهيبيع المعدات والأرض والشركة اللي سهر الليالي يبنيها طوبة طوبة عشان يحقق حلمنا. هيهد حلمه بإيديه عشان يشتريلي فرصة حياة ضئيلة. أنا ممكن أموت في العملية دي يا ماما، الدكاترة قالوا إن النسبة ضعيفة... لو موتّ، مش هسامح نفسي إني أكون سبتله الدنيا خړاب وضيعت شقى عمره. ولو عشت، مش هقدر أبصله وأنا شيفاه بيبدأ من الصفر بسببي. خليني أمشي وأنا مريحة ضميري، وخليه يكرهني ويفتكر إني بطلت أحبه... الكره بيخلّي الفراق أسهل يا ماما، لكن الۏجع بيموّت بالبطيء.
الحلقة السابعة زلزال الروح
في تلك اللحظة، شعر أحمد وكأن صاعقة من السماء هبطت على رأسه. تزلزلت الأرض تحت قدميه، وشعر بسخونة دموعه وهي ټنفجر من عينيه لتغسل غبار الشك
والظنون التي لوثت قلبه طوال عام كامل. تراجع خطوة إلى الوراء، ونظر إلى الظرف البني الذي يمسكه
متابعة القراءة