جارتي كل يوم تسمع صراخ بنتي رشا خالد
بيها برا البلد. في الأول، حاول يستغل حزني عشان يخليني أضعف؛ محمود أخوه كان دايماً يقولي ابداي من جديد، سافري اسكندرية، بيعي البيت عشان التجمع بقى لوحدك وموحش. بس أنا رفضت وتمسكت ببيتي.
من هنا بدأت اللعبة القذرة الأصوات، المج اللي بيتحرك، الحاجات اللي بتتغير مكانها، وصوت الصريخ طول النهار عشان الجيران يفتكروا إني اتجننت.
كانوا عايزين يثبتوا حالة الأرملة بتسمع أصوات، بتتكلم مع نفسها، بتخلق هلاوس، وحالتها العقلية مش تمام. وبكده يضغطوا عليا، أو يرفعوا قضية حجر أو عدم أهلية، ويجبروني أبيع البيت بحجة إنهم بيعالجوني.
بس هما عملوا حساب كل حاجة، إلا طنط ميرفت! وعادتها في كنس قدام بابها في نفس الميعاد كل يوم. ولا ذكائها كست عاشت سبعين سنة وعارفة إن الميتين مابيقوموش يغسلوا مجات القهوة!
النهاية وبداية جديدة
مرجعتش بيتي الليلة دي. نمت عند طنط ميرفت على كنب الصالون، وتغطيت ببطانية تقيلة. عملتلي كوباية ينسون وحطت جمبها مصحف صغير.
قالتلي أنا ماليش في الكلام الكتير، بس النهاردة هنحمد ربنا إن كشف المستور.
ضحكت..
وبعدين عيطت. عيطت على طارق الميت، وعيطت من طارق اللي عايش. عيطت على نفسي.. على الست اللي باست كفن فاضي، وشالت لبسه، واتكلمت مع صورته، وكانت بتفتكر سنويته قدام قبر كله كدب في كدب.
بعد تلات أيام، جابوه. مكنش في مكان شيك ولا على البحر؛ قفشوه في أوضة إيجار جمب موقف عبود، بدقن طويلة، وورق مزور، ولاب توب، وفيزا كارد كتيرة، وشنطة مليانة فلوس كاش. حاول يهرب من فوق السطوح، بس الجيران شافوه وهو بينط من سور لسور
لما قالوا لي إنه اتمسك، محستش بالراحة.. حسيت إني هلكانة ومطفية.
طلبوني لعملية التعرف عليه. شوفت ورا لوح الزجاج؛ كان قاعد، خاسس، وشكله عجز، بس عايش.. عايش بشكل مستفز. رفع عينه وبصلي، وابتسم ابتسامته الباهتة إياها.. الابتسامة دي قرفتني، لأنها كانت نفس الابتسامة اللي كان بيدخل بيها وعايل في إيده ورد بعد ما يكون سمعني أوسخ الكلام وزعق فيا.
قال من جهاز الإنتركام سارة.. أنا اقدر أشرحلك كل حاجة.
قربت من القزاز وقلتله لأ.
ابتسامته اختفت أنا عملت كده عشان أحميكي.
كنت هضحك من السخرية تحميني من إيه؟ من راحة البال؟
كان عليا فلوس وناس تقيلة.. لو عرفوا إني لسه معاكي كانوا هيأذوكي أنتي.
وعشان كده بعت ست ل أوضة نومي، وسجلت صريخ بصوتي، وكنت عايز تطلعني مجنونة؟
نزل عينه للأرض الموضوع خرج عن السيطرة.
لأ يا طارق.. الموضوع رجع للسيطرة اللي بجد.
فضل ساكت.
سألته أنت عمرك أحببتني أصلاً؟ معرفش ليه سألته السؤال ده.. يمكن عشان الحتة الهبلة اللي في قلب الست دايماً بتعوز تدور على آخر فرفوتة أمل.
أخد وقت طويل جداً عشان يرد.. والوقت ده كان هو الرد الكافي.
قال أحببتك بطريقتي.
قفلت سماعة الإنتركام ومشيت قبل ما يمد إيده يلمس القزاز.
المحاكمة كانت طويلة وثقيلة تزوير، استيلاء على أموال، انتحال شخصية، اقتحام منازل، وأذى نفسي.. وكمان شبهة قتل عمد للراجل الغلبان اللي مات في الحادثة، لأن النيابة مأكلتش معاها كدبة إن الجثة دي كانت بالصدفة.
محمود أخد حكم، وشيرين اعترفت
البيت اتنظف تماماً؛ شالوا الكاميرات، السلوك، السماعات، والمفاتيح المتصورة. غيرت الكوالين، الأقفال، شفرات الإنذار، وحتى جرس الباب. الفني وهو شغال لقى مايك صغير مستخبي ورا برواز صورة فرحنا.. كسرت المايك، وقطعت الصورة نفسها أربع حتت ورميتهم في أكياس زبالة منفصلة، كأني بقطع الذكرى نفسها من جدرها.
لقعدت أسابيع مش عارفة أنام في أوضتي. كنت بنام على الكنبة والتلفزيون شغال؛ بسمع أخبار، إعلانات، أي صوت غير صوت طارق. وطنط ميرفت كانت بتجيلي كل يوم الصبح بمعجنات طازة وتقعد جمبي من غير ما تسأل كتير.
قالتلي في يوم البيت ملوش ذنب يا بنتي.
بصيت للحيطان وقلت بس البيت شاف كل حاجة.
ردت خلاص.. سيبيه يتفرج عليكي وأنتي عايشة وبطولك دلوقتي.
وشوية بشوية، رجعت بيتي لنفسي. دهنت الأوضة باللون الأخضر الهادي. رميت مكنة الحلاقة القديمة. تبرعت بكل هدومه. شلت كل كروت العزا، وجبت زرع ريحان، لافندر، وقصرية جهنمية مابتطلعش ورد بس صاحية وموجودة غتاتة كده.
الأوضة اللي كان مستخبي فيها جهاز الصوت حولتها لمكتب لشغلي. وعلى المكتب، حطيت حاجة واحدة بس من الليلة دي مج طارق الأزرق، مكسور نصين، ولزقته بأمير، وبقيت بحط فيه مشابك الورق.. مش كذكرى، بس كعلامة تفكرني دايماً باللي
في يوم سبت، رحت المدافن اللي كنت بحط فيها ورد بقالي سنتين. مروحتش بورد، ولا شمع، ولا دموع. القبر كان لسه عليه اسمه طارق الشناوي.. الزوج الحبيب.. يا لها من جملة مقرفة ومنافقة!
طلبت من التربي يشيل اليافطة. قال لي فيه إجراءات ورسوم وطلب. حتى الموت المزيف فيه روتين! طلعت من شنطتي قلم فلوماستر أسود عريض، وشطبت على كلمة الحبيب. محستش إن دمي ارتاح، بس حسيت إني رجعت ملك نفسي.
بعد شهور، طنط ميرفت ندهت عليا تاني من عند البوابة وأنا بسقي الزرع.
يا سارة! .. جسمي لسه بيتنفض من الخضة لما بسمع اسمي فجأة.
فيه حاجة يا طنط؟
ابتسمت وقالت مفيش يا حبيبتي.. كنت بس عايزة أقولك إن بيتك النهاردة.. هادي وجميل.
بصيت لباب الشقة، للشبابيك المفتوحة، للشمس اللي داخلة الطرقة، وللأرض النضيفة.. البيت بقى فاضي، بس فاضي من التهديد والخوف.
قلتلها فعلاً يا طنط.. النهاردة هادي.
الليلة دي نمت في سريراي؛ مش نوم كامل ولا مثالي، بس نمت. وقبل ما أطفي اللمبة، بصيت للمكان الفاضي اللي كان فيه صورة طارق.. مفيش حاجة هناك دلوقتي، مجرد حيطة خضرا وضِل خفيف من فرع الجهنمية وهو بيتحرك مع الهوا.
افتكرت نفسي وأنا مستخبية تحت السرير، والتراب على وشي، وبسمع صوت ميت بيتكلم في التليفون. كان نفسي أخد الست دي وأقولها إنها مش مجنونة.. وإن أخطر العفاريت مش هما اللي بيرجعوا من العالم الآخر؛ العفاريت الحقيقية هي اللي متمشيتش أصلاً وفضلت قاعدة معانا. وعشان تطردهم، مش محتاج شيخ ولا قسيس.. أنت محتاج جارة مابتسكتش، وخط نجدة مفتوح، وست تقرر أخيراً إنها متصدقش