جارتي كل يوم تسمع صراخ بنتي رشا خالد
رفعت المرتبة.. هتلاقيني!
مفكرتش.. ومبقتش أتنفس. كل اللي عملته إني ضغطت على زرار التليفون. رقم النجدة 122 كان جاهز ومكتوب. الخط فتح في صمت لأني كنت كاتمة صوت التليفون تماماً. قلبت التليفون على شاشته وخليت المايك مكشوف، ودعيت ربنا إن يكون فيه حد على الخط وبيسمع.
بدأت الست ترفع طرف المرتبة.. وفجأة، سمعت خبط رزع جامد وهستيري على البوابة الخارجية للبيت.
صوت طنط ميرفت هز الشارع وهي بتزعق يا سارة! أنتي جوه؟ أنا شوفت حد غريب بيدخل!
الست سابت المرتبة تقع فجأة وبسرعة.
وهمست برعب العجوزة جارتها واقفة برا!
شتم طارق بغضب وقال م تفتحيش الباب! اخرجي فوراً من باب البلكونة الوراني.
سألته الست بوجل طب افرض سارة مستخبية هنا جوه؟
السكوت دام لثانيتين على الخط، قبل ما يقول طارق بنبرة حاسمة يبقى تلاقيها وتخلصي.
الست وطت بوشها للأرض.. ووشها ظهر قدام وشي بالظبط تحت السرير! عيونها كانت فاتحة، وحاطة روج أحمر، وفيه تعويرة صغيرة جمب حاجبها. عرفتها علطول! رغم إني مشوفتهاش غير مرة واحدة في صورة قديمة على تليفون طارق كان شايلها على الكلود، ويومها قال لي إنها مجرد عميلة في الشغل. كانت شيرين، خبيرة المعاينات اللي كانت بتشتغل معاه قبل الحادثة.
ابتسمت شيرين بامتغاض وقالت أهلاً يا أرملة.
صرخت.. مش صرخة عالية زي الأفلام، دي كانت صرخة مكتومة وخارجة من روحي قبل ما جسمي يتحرك.
مدت شيرين إيدها عشان تمسكني من دراعي، بس أنا ركلت معصم إيدها بكل قوتي. اتدحرجت للناحية التانية من السرير، وضهري خبط في الكومودينو. صورة طارق وقعت والازاز اتدشدش مية حتة.
زعقت طنط ميرفت تاني من الشارع يا سارة!
جريت ناحية الباب، بس شيرين لحقتني ومسكتني من شعري. حسيت بفروة راسي بتتقطع. خبطتني في الحيطة. تليفوني
أوعي تخليها تخرج!
في اللحظة دي.. الخوف اتمحى تماماً. مش لأني شجاعة، بس لأن سماع صوته وهو عايش وبيصدر أوامر من مكان معرفوش، بعد سنتين من ولوع الشموع والدعاء والدموع وأنا حاضنة قمصانه.. كل ده ملاني بغل وعصبية حرقوا الخوف جوايا.
ضربتها بكوعي بكل غلي في بطنها. شيرين اتلوت من الوجع. انتهزت الفرصة وجريت في الطرقة، فتحت الباب وطلعت للشارع وأنا حافية.
كانت طنط ميرفت واقفة عند البوابة وماسكة مقشة في إيدها وبتصوت الحقونا يا ناس! فيه حرامي جوه بيت سارة!
الناس والجيران جريوا واتلموا زي عادات أولاد البلد في التجمع؛ بخوف، وبفضول، ماسكين تليفوناتهم واللي لابس شبشب واللي نازل بجلابية. واحد من الجيران جِري وضغط على زرار الطوارئ، والتاني طلب الشرطة. وست طيبة من الدور الأرضي لفت عليا شال عشان كنت بترعش بهدوم البيت.
شيرين حاولت تهرب من الجنينة الورانية، بس ملحقتش. ابن طنط ميرفت، اللي كان بيصلح الموتوسيكل بتاعه قدام البيت، قفشها عند السور. بدأت تصرخ وتدعي إنها أختي، وإن أنا مجنونة، وإن طارق مات وهي جاية تساعدني.
في نفس الوقت، تليفوني اللي تحت السرير كان لسه بينقل كل كلمة وصوت طارق لغرفة عمليات النجدة.
صوت طارق كان طالع من المايك المفتوح شيرين ردي عليا! قوليلي إنك لقيتيها!
محدش نطق بكلمة.. لا شيرين، ولا الجيران، ولا أنا. لأننا كلنا كنا سامعين صوت الميت وهو بيتكلم!
التحقيقات والمفاجأة
عربية الشرطة وصلت بعد تمان دقايق بالظبط. ووراها عربية الإسعاف، والظابط بدأ يسألني لو كنت مصابة. مكنتش قادرة أشرح أي حاجة، كنت بس بشاور على البيت وبكرر جملة واحدة
جوزي عايش.. جوزي لسه عايش.
دخلوا معايا
ولقوا حاجة تانية.. في دولابي، ورا لوح خشب مفكوك، كان فيه جهاز صغير متوصل بسماعة بلوتوث. إنتركام لاسلكي! ومحمل عليه تسجيلات صراخ ستات، ومقاطع من صوتي أنا شخصياً من فويسات قديمة كنت بعتّها لطارق وأنا بعيط لما كنا بنشهد مشاكل بلاش تعمل فيا كده عشان خاطري، أنت بتخوفني، سيبني أخرج. التسجيلات دي كانت متعدلة ومركبة عشان تبان كأن فيه ست بتتعذب جوه البيت كل يوم.
طنط ميرفت صلت على النبي وقالت كنت عارفة إنها مش عفاريت!
قعدت في الصالة، وحاطة بطانية على كتفي، والشرطة بتقلّب في كل شبر. البيت اللي كنت محولاه لضريح لذكرى طارق اتملا بجوانتيات لاتكس، وأكياس أدلة، وفلاشات كاميرات التصوير.
في الحمام، لقوا كاميرا تانية مخفية جوه هواية الشفاط. وفي المكتب، مودم متوصل بنظام تحكم عن بعد. وفي المطبخ.. مج طارق الأزرق وعليه بصمات صوابع جديدة!
هو مكنش راجع من الموت الصبح ده بس.. ده كان بيدخل بيتي بقاله شهور.. ويمكن سنين!
شيرين فضلت قاعدة على الرصيف، والكلبشات في إيدها، ومنكسة راسها لل. لما الظابط سألها طارق فين، ضحكت في الأول.. بعدين عيطت.. وبعدين طلبت محامي.
نيابة الأموال العامة والبحث الجنائي مكنوش بيتعاملوا زي المسلسلات؛ استقبلوني بقهوة سبرسو باردة، وكرسي خشب ناشف، وأسئلة بتتعاد وتتزاد لحد ما زهقت. رحت القسم مع طنط ميرفت كشاهدة، والظابط، والتسجيلات، والغضب اللي جوايا كان مخليني صاحية ومش شايفة قدامي.
جوزك مات من سنتين؟ .. ده اللي قالوهولي. .. شوفتي الجثة؟
بلعت ريقي بصعوبة الوش بس.. ولسواني بسيطة. الوش كان متدمر تماماً وقالوا
ومين اللي اتعرف على الجثة رسمياً؟
زوري اتقفل وأنا بقول أخوه.. محمود.
محمود.. سِلفي اللي في العزا، واللي شال عني كل إجراءات وورق الدفن، واللي قال لي مفيش داعي نفتح الكفن أكتر من كده عشان طارق مكانش هيحب تفضل فاكراه بالشكل ده.
قبضوا عليه في نفس اليوم العصر. جابوه من شركة التأمين بتاعته في شارع جامعة الدول، وهو لابس بدلته الرمادي وبيتكلم بصوته الهادي المعتاد. أنكر كل حاجة لحد ما شغلوا تسجيل صوت طارق قدام عينه. بيقولوا إنه قعد على الكرسي ووشه اتقلب لونه أبيض زي الورقة.. أنا مكنتش حاضرة اللحظة دي.
خدوني مشرحة زينهم عشان نراجع ملف الحادثة. الحادثة على طريق السويس حصلت فعلاً، وعربية طارق ولعت.. بس الجثة مكنتش جثته! كانت جثة راجل غلبان ملوش أهل، عامل يومية كان بيساعد طارق في معاينة العربيات المخروبة. الجثة تم تحديد هويتها بورق ومحفظة طارق اللي حطوها معاه، والمعاينة البصرية عملها محمود.. والقضية اتقفلت بسرعة.. بسرعة زيادة عن اللزوم.
وأنا، من كسرتي وقتها، كنت بمضي على أي ورقة تترمي قدامي.. زي ما الستات بتمضي لما بيبقوا مش فاهمين لغة المصايب.
الدافع والسر
الخطة كانت أقذر وأبسط مما تتخيلوا. طارق كان عليه ديون.. ديون كتيرة جداً. كان بيستغل شغلانته في التأمين عشان يتلاعب بالتعويضات، ويزور الملفات، وياخد عمولات وهمية، واتداين من ناس مابتبعتش كشوف حسابات.. دول بيبعتوا تهديدات بالقتل.
موتة المزيف ده حرره من كل الديون دي. بس ساب مشكلة واحدة بيتي!
بيتنا اللي في التجمع مكنش ملكه.. ده كان ملكي أنا. أمي كتبتهولي قبل ما تموت، وبعقد مسجل بالتوثيق، وقالتلي جملة عمرها ما تروح من بالي الست اللي ليها سقف ملكها.. بتعرف تعيط وهي راسها مرفوعة.
طارق كان