جارتي كل يوم تسمع صراخ بنتي رشا خالد

لمحة نيوز

جارتي كل يوم تسمع صوت صريخ من بيتي.. والمصيبة إني عايشة لوحدي، وبقفل شقتي بالمفتاح من تمانية الصبح لستة بالليل، والبيت المفروض ملوش فيه صريخ ابن يومين، لحد ما قررت أعمل نفسي خرجت واستخبيت تحت السرير عشان أفهم إيه اللي بيحصل، سمعت صوت في التليفون جمّد الدم في عروقي..
..حصرى لموقع لمحة
اسمي سارة، عندي تسعة وتلاتين سنة، ولحد يوم الخميس ده، كنت فاكرة إن مظبطة حياتى بالورقة و القلم.
جوزي، طارق، مات من سنتين.
حادثة بشعة على طريق السويس.
تليفون جالي الساعة تلاتة الفجر.
جنازة كلها صوان وعزا وناس بتقولي شدي حيلك ولازم تبقي قوية.
من ساعتها، وأنا عايشة لوحدي في بيت هادي في التجمع الخامس.
بشتغل محللة تأمين، بنزل من بيتي قبل الساعة تمانية الصبح وبرجع بالليل والدنيا ضلمة. روتيني كان بسيط وممل فنجان قهوة سريع، المكتب، زحمة الطريق، عشا بارد، وبيت هادي زيادة عن اللزوم.
أو ده اللي كنت مقتنعة بيه.
في اليوم ده بالليل، وأنا نازلة من عربيتي، لقيت طنط ميرفت، جارتي اللي ساكنة في الوش، واقفة ومستنياني عند البوابة. كانت مربعة إيدها وعلى وشها نظرة ضيق غريبة.
يا سارة، لحد هنا وكفاية بقى.. بيتك صوته عالي جداً طول النهار والوضع مابقاش يتسكت عليه.
ضحكت بضحكة تعبانة وقلتلها يا طنط ميرفت، مستحيل.. البيت مابيبقاش فيه مخلوق طول اليوم.
مضحكتش، وفضلت مكملة بنظرتها الحادة أمال الصراخ ده تفسيريه بإيه؟
حسيت بنغزة ووجع مفاجئ في معدتي صراخ إيه؟
صوت ست. كأنها بتتخانق أو بتستغيث وبتترجى حد. امبارح نفس الكلام، وأول امبارح كمان.
بصيت لباب شقتي.
مقفول.
سليم وزي ما هو.
زي كل يوم.
أكيد الصوت جاي من شقة تانية يا طنط.
هزت راسها بالرفض وقالت أنا مش مابسمعش يا حبيبتي، الصوت طالع من بيتك أنتي بالذات.
دخلت

شقتي وأنا بحاول أقنع نفسي إنها بتبالغ وبيتخيلها حاجات. لفيت في الشقة كلها، شوفت الشبابيك، البلكونة، المطبخ، دولاب أوضة الضيوف.. حتى الحمام اللي لسه ساكنة فيه مكنة الحلاقة القديمة بتاعة طارق عشان مكنش عندي قلب أرميها.
مفيش أي حاجة.
مفيش فلوس ناقصة.
مفيش أي أثر لاقتحام أو كسر.
مفيش بقع طين على الأرض.
ولا حتى أي ريحة غريبة.
بس الليلة دي، عيني مضاقتش النوم. كل تزييقة في الخشب كانت بتخليني أنتفض. الساعة اتنين بالليل، خُيل ليا إني سمعت صوت تنهيدة عالية في الطرقة. قمت نورت النور.. ملقيتش حاجة. على الساعة أربعة، السخان طلع صوت كركبة، كنت هصرخ فيها من الرعب.
قعدت على السرير، ضامة ركبي لصدري، وبصيت لصورة طارق اللي على الكومودينو.
همست لنفسي أنا أكيد بتجنن.
لكن مع أول ضوء للصبح، وأنا بعمل القهوة، لقيت حاجة مكنتش موجودة الليلة اللي قبلها.. مج نضيف مغسول ومحطوط على صفاية المواعين. أنا مغسلتش مواعين، ومستحمتش المج ده أصلاً.. ده كان المج المفضّل لطارق، الأزرق اللي فيه شرخ صغير جمب اليد.
المعلقة وقعت من إيدي من الصدمة.
مرُحتش الشغل.. أو بمعنى أصح، عملت نفسي رايحة.
الساعة تمانية بالظبط، خدت شنطتي، قفلت الباب، شوحت بإيدي لطنط ميرفت وأنا ببتسم كالعادة، ودورت العربية. مشيت بيها شريعين بس، وبعدين نزلت ورجعت مشي من الممر الخلفي للعمارة، مفاتيح بيتي في إيدي وعصراها جامد، ونبضات قلبي بتخبط في زوري من الخوف.
تسللت ودخلت من باب البلكونة الوراني بالراحة خالص. البيت كان ريحته معطرة باللافندر، بس كان مليان برعب قديم وخوف مكتوم.
دخلت على أوضتي علطول. مكنتش عارفة أنا متوقعة أشوف إيه.. حرامي؟ حد مشرد استولى على المكان؟ حيوان؟ أي حاجة تخليني أطلب النجدة ويطلع ليها تفسير منطقي.
نزلت
على ركبي وزحفت تحت السرير. الأرض الخشب كانت ساقعة تلج. كان فيه تراب، حلق ضايع، وصورة مطبقة مكنتش فاكرة إني شوفتها قبل كده.. ملمستهاش، مكنتش قادرة أتحرك أصلاً. مسكت تليفوني في إيدي، ومجهزة صباعي على رقم 122 عشان اطلب الشرطة فوراً.
عدت ساعة.. والتانية.. صوت الثلاجة شغال، وعربية دليفري عدت في الشارع بصوت عالي، وطنط ميرفت بتكنس قدام بابها، وكلب في الشارع قعد يهوهو لحد ما تعب وسكت.
مفيش أي حاجة حصلت.. بدأت أحس إن شكلي غبي وتافهة.
وفجأة، بعد الضهر بحاجة بسيطة، سمعت صوت تكة القفل وباب الشقة بيتفتح.. ببطء.. وبتأني.. وبمفتاح!
ريقي نشف تماماً ومبقتش قادرة أبلعه.
فيه حد دخل الشقة. مدخلش بالقوة ولا تردد للحظة. قفل الباب وراه براحة تامة، ومشي في الصالة بثقة مرعبة، كأنه حافظ كل حتة في العفش، كل ركن، وكل سكنة في المكان.
سمعت صوت ضلفة المطبخ وهي بتتفتح، بعدين صوت حنفية المية، وصوت خبطة كباية قزاز.. كان بيصب لنفسه يشرب. إيدي بدأت تترعش بشكل هستيري.
الخطوات بدأت تتحرك ناحية الطرقة.. صوت كعب جزمة.. دي ست!
وقفت بالظبط قدام باب أوضتي. الباب اتفتح وطلع تزييقة خفيفة.
من مكاني تحت السرير، أول حاجة شوفتها كانت الجزمة الكعب السودا، بعدين حرف بنطلون قماش شيك جداً، وبعدها شنطة ماركة حمراء اتمت على الكرسي اللي طارق كان دايماً بيسيب عليه قمصان الشغل بتاعته.
الست دي اتنهدت وقالت بصوت واطي أنتي لسه سايبة كل حاجة زي ما هي بالظبط.
صوتها خلى صدري يضيق. طلعت تليفونها، طلبت رقم، وفتحت الاسبيكر مكبر الصوت. أنا كمان ضغطت على تليفوني من الخوف لدرجة إن الشاشة نورت في كف إيدي.
الست اتكلمت بهدوء وقالت أنا جوة البيت.
حصل سكوت لثواني.. وبعدين، جه الرد من سماعة التليفون.. صوت أنا دفنته بإيدي من
سنتين فاتوا.
الصوت قال هي سارة شاكة في أي حاجة لحد دلوقتي؟
حسيت الدم اتجمد في عروقي وبقى تلج.. ده كان صوت طارق.. جوزي اللي المفروض مات!
الست قربت أكتر من السرير، وخطوات كعبها وقفت بالظبط قدام وشي، وقالت
آه.. والمشكلة الأكبر، إنها مراحتش الشغل النهاردة.
الجزء الثاني الحقيقة المُرّة
قال طارق عبر سماعة التليفون استخدمي التسجيل.. التسجيل اللي فيه صوتها. لو هي مش بتصدق في وجود العفاريت، هتصدق إنها بتفقد عقلها وتتجنن.
حسيت ب الأرض تحت ضهري كأنها اتحولت لكتلة تلج. الست فضلت واقفة مكانها ومتحركتش جمب السرير.
قالت بنبرة لوم أنت مكلتنيش إنها ممكن تكون هنا النهاردة!
رد عليها طارق المفروض إنها في الشغل.. هي طول عمرها بتطحن في الشغل، وبترجع دايماً هلكانة وتعبانة، وبتصدق أي كدبة بتترمي قدامها.
ضربات قلبي كانت سريعة وقوية لدرجة خفت إنهم يسمعوا صوتها. الست فتحت دولابي، بدأت تحرك الشماعات، وسحبت صندوق قديم. بعدين مشيت ناحية الكومودينو ورفعت صورة طارق.
همست الست بسخرية مسكينة.. بقالها سنتين بتغير الورد الرايح والجاى لراجل بيسمعها وهي بتعيط عليه من نفس المكان هنا.
ضحك طارق ضحكة واطية وخبيثة من سماعة التليفون. عضيت على إيدي بكل قوتي عشان مكتتمش صرختي. ده مكنش هلاوس، ولا كان قهر الصدمة.. جوزي عايش! وفيه حد بيدخل بيتي بمفتاح.
أمرها طارق وقال دوري ورا المراية.. أنا متأكد إنها شالت بوليصة التأمين هناك.
مشيت الست ناحية التسريحة. وأنا من تحت السرير، مكنتش شايفه غير كعب جزمتها السودا وهي بتتحرك. بدأت تفتح الأدراج، وتوقع ازايز البرفان بتاعتي، وتقلب في جوابات العزا اللي مكنش عندي قلب أرميها.
وقالت بزهق مش موجودة هنا.
رد عليها طب شوفي تحت المرتبة.
الدم طار في نفوخي. الست لفت ورجعت
للسرير تاني. صوابعها لمست المفرش. في اللحظة دي، عرفت إنها لو
 

تم نسخ الرابط