القاضي ضحك حكايات زيزي
على الشخص الغلط.
القاضي ضيق عينيه.
بعد كل اللي سمعناه... لسه عندك كلام؟
ابتسم فؤاد ابتسامة غريبة وقال
أيوه... لأن نادية نفسها كذبت عليكم.
في اللحظة دي...
المكالمة اللي كانت مفتوحة من أول الجلسة رجع منها صوت تشويش.
ثم قالت نادية
أوعى تسمع كلامه... هو هيبدأ يخلط الحقيقة بالكذب.
رد فؤاد بسرعة
قولي لهم بقى... ليه اختفيتي سبع سنين؟ وليه ما ظهرتيش غير النهارده؟
سكتت نادية.
ثانيتين...
ثلاثة...
ثم قالت
لأن اللي كان بيحميني طلب مني أفضل ميتة قدام الناس.
القاضي سألها فورًا
مين؟
لكنها تجاهلت السؤال وقالت
افتحوا الملف اللي اسمه الحقيقة الأخيرة.
القاضي فتح اللابتوب مرة أخرى.
كان آخر ملف داخل الفلاشة.
ضغط عليه.
ظهر تسجيل فيديو بتاريخ يسبق الحريق بيوم واحد.
كانت نادية جالسة في مكتب فؤاد، والكاميرا مخفية بين الكتب.
دخل شخص إلى المكتب.
وجهه لم يظهر...
لكن صوته كان واضحًا.
قال
بكرة كل حاجة هتخلص... واللي هيعترض هيختفي.
ردت نادية بخوف
وأمينة مالهاش ذنب.
جاءها الرد
عشان كده هي هتبقى كبش الفدا لو احتجنا.
أمينة شهقت.
ملك شدت على إيد أمها بقوة.
وفؤاد صرخ
كبّروا الصورة!
أوقف القاضي الفيديو عند انعكاس الزجاج.
ظهر جزء صغير جدًا من وجه الرجل.
غير واضح بالكامل...
لكن كان فيه شيء لفت انتباه الجميع.
علامة قديمة فوق الحاجب الأيمن.
وفجأة...
خبير الأدلة اللي كان واقف آخر القاعة قال بصوت مرتفع
يا فندم... العلامة دي مش عند الأستاذ فؤاد.
الأنظار كلها راحت لفؤاد.
وبالفعل...
حاجبه سليم تمامًا.
القاضي قال ببطء
يبقى الشخص اللي في الفيديو... شخص تاني.
فؤاد أغلق عينيه للحظة وقال
أخيرًا... بدأتوا تبصوا في الاتجاه الصح.
لكن قبل أن يكمل...
دخل أحد الضباط مسرعًا وهو يحمل ظرفًا أبيض وصل للتو إلى المحكمة.
قال
الظرف ده كان مرمي قدام بوابة المحكمة من عشر دقائق... ومكتوب عليه يُسلَّم للقاضي سامح الديب فقط.
فتح القاضي الظرف
وجد بداخله صورة حديثة التُقطت صباح اليوم.
الصورة كانت لامرأة تقف أمام بوابة المحكمة...
ترتدي نظارة سوداء وغطاء رأس.
لكن ملامحها كانت واضحة بما يكفي.
أمينة صرخت من مكانها
نادية!
إلا أن القاضي لاحظ شيئًا أخطر.
خلف نادية في الصورة...
كان يقف رجل يراقبها من بعيد.
ولما قرّب الصورة أكثر...
تجمّد في مكانه.
لأنه تعرف على وجه الرجل...
وكان شخصًا لم يتوقع أحد وجوده في القضية منذ البداية اهتزت القاعة بعنف.
الزجاج ارتج، وانطفأت الأنوار بالكامل.
ارتفعت صرخات الحاضرين، بينما صاح القاضي
محدش يتحرك! شغّلوا مولد الكهرباء حالًا!
بعد ثوانٍ قليلة، اشتغلت الإضاءة الاحتياطية.
نورها كان خافتًا...
لكنه كان كافيًا ليكشف أن شيئًا أخطر قد حدث.
الحرس نظروا حولهم في ذهول.
أحدهم صاح
يا فندم... حسام اختفى!
التفت الجميع.
المكان الذي كان يقف فيه حسام أصبح فارغًا.
لكن على الأرض...
كان الظرف الذي أحضره لا يزال مفتوحًا، أما الصورة التي كانت بداخله فلم تعد موجودة.
القاضي قبض على الرسالة بقوة.
اقفلوا المحكمة كلها... فتشوا كل ركن!
خرجت قوات التأمين تركض في الممرات.
في هذه الأثناء، رن هاتف القاضي مرة أخرى.
رد بسرعة.
جاءه صوت نادية، لكنه كان مختلفًا هذه المرة... وكأنها تركض.
الانفجار كان مجرد تشتيت... حد أخد الصورة؟
القاضي أجاب
أيوه... اختفت.
ساد صمت قصير.
ثم قالت نادية بقلق
يبقى سبقونا.
سبقكم لمين؟
للشخص اللي في الصورة... لأنه لو شافها، هيعرف إننا قربنا منه جدًا.
القاضي نظر إلى الرسالة مرة أخرى.
كانت قصيرة جدًا.
إذا وصلت هذه الرسالة، فاعرف أن العقد لم يكن الهدف أبدًا... الهدف كان إخفاء اسم واحد.
وتحت الجملة...
كان هناك اسم، لكن جزءًا منه ممزق منذ سنوات.
لم يبقَ واضحًا إلا أول حرفين
عا...
القاضي همس
عادل؟... عاصم؟... عامر؟...
فجأة قاطعه أحد الضباط، وهو يدخل مسرعًا.
يا فندم!
خير؟
لقينا حسام.
القاضي تنفس الصعداء.
فين؟
الضابط ابتلع ريقه وقال
في جراج المحكمة...
لكنه...
كان فاقد الوعي، ومصابًا في رأسه.
وفي يده اليمين...
كان ماسك ورقة مطوية بإحكام.
فتحها الضابط أمام القاضي.
لم يكن فيها سوى سطر واحد، مكتوب بخط متعجل
اللي اسمه يبدأ بحرف ع... موجود جوه القاعة من أول الجلسة.
وفور أن انتهى القاضي من قراءة الجملة...
رفع رأسه ببطء.
وأخذ يمرر نظره على وجوه كل الموجودين داخل القاعة...
وكأنه يحاول لأول مرة أن يرى القاتل الحقيقي اتفتح باب القاعة ببطء...
ودخل رجل في أوائل الخمسينات، لحيته امتلأت بالشيب، وملامحه مرهقة كأنه ما نامش من سنين.
أول ما شافته أمينة...
شهقت.
حسام!
وقف حسام مكانه، وبص لأمينة بحزن.
سامحيني...
أنا السبب إنك عيشتي أربع سنين في العذاب.
القاضي ضرب بالمطرقة.
قبل أي كلمة... قول اسمك كامل.
حسام عزت الشامي.
وتعرف أطراف القضية؟
أعرفهم كلهم... وأعرف الحقيقة من أولها.
القاعة سكتت تمامًا.
القاضي قال
الضابط قال إن عندك شرط.
هز حسام رأسه.
أيوه.
إيه هو؟
نظر حوله، ثم قال
عايز أكلم نادية الأول... وأسمع صوتها قدام الكل.
ساد الصمت.
القاضي شغّل الهاتف على مكبر الصوت.
رن مرة...
ومرتين...
ثم جاء صوت نادية.
أيوه يا حسام.
أغمض حسام عينيه.
الحمد لله... لسه عايشة.
ردت بهدوء
لولا وصية طارق... ما كنتش هعيش لحد النهارده.
بمجرد ما نطقت باسم طارق...
اتجهت كل الأنظار إلى ملك.
البنت الصغيرة كانت ماسكة موبايل أبوها بكلتا يديها، ودموعها بتنزل في صمت.
القاضي سأل
إيه علاقة طارق بالقصة؟
تنهد حسام طويلًا.
الحقيقة... طارق ما ماتش في حادث عادي.
همهمة قوية انتشرت في القاعة.
فؤاد صاح بعصبية
كفاية كذب!
لكن حسام كمل وهو ينظر للقاضي
قبل وفاته بثلاث أيام، طارق سلمني ظرف وقال لي لو حصلي حاجة، متفتحهش إلا لو أمينة اتهموها.
أمينة وضعت يدها على قلبها.
كان عارف؟
هز حسام رأسه.
كان حاسس إن فيه مصيبة جاية.
القاضي قال
والظرف فين؟
أخرج حسام من داخل سترته ظرفًا قديمًا، أطرافه صفراء من الزمن.
كان مغلقًا بالشمع الأحمر.
وعليه بخط واضح
يفتح بحضور القاضي فقط.
مدّ حسام الظرف للقاضي.
القاضي أمسكه ببطء.
وفؤاد بدأ يتراجع للخلف خطوة... ثم خطوة.
لاحظ الحرس حركته، فأحاطوا به فورًا.
كسر القاضي ختم الظرف.
أخرج منه ورقة واحدة... وصورة فوتوغرافية قديمة.
قرأ أول سطر من الرسالة...
فتغيرت ملامحه تمامًا.
ثم رفع الصورة أمام الجميع.
لكن لم يسمح لأحد برؤيتها.
وقال بصوت منخفض
لو اللي في الرسالة دي صحيح...
فالقضية كلها... من أولها لآخرها... مبنية على كذبة واحدة.
وفي نفس اللحظة...
صدر من خارج المحكمة صوت انفجار هائل، اهتزت معه النوافذ، وانطفأت الكهرباء في القاعة بالكامل...
وغرق الجميع في الظلام القاضي وقف من مكانه ببطء.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت حازم
من هذه اللحظة... كل شخص موجود في القاعة هيعرّف نفسه بالكامل، ومحدش هيتحرك خطوة واحدة.
بدأت الأسماء تُسجل.
المحامون...
أفراد الأمن...
موظفو المحكمة...
الصحفيون...
وفجأة، أثناء مراجعة الكشف، توقف القاضي عند اسم واحد.
علاء مرسي.
رفع رأسه وقال
فين الأستاذ علاء؟
رجل في الأربعينات، يرتدي بدلة سوداء ونظارة طبية، رفع يده بهدوء.
أنا يا فندم.
القاضي قلب بعض الأوراق، ثم سأل
إنت صحفي؟
رد الرجل بثقة
أيوه... جريدة يومية.
لكن أحد الضباط اقترب وهمس في أذن القاضي
يا فندم... كارنيه الصحافة اللي معاه مزور.
تغيرت ملامح علاء للحظة...
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
وقال
واضح إنكم بدأتوا تقربوا.
وقبل أن يقترب منه الحرس...
خلع النظارة بنفسه، ووضعها على المنضدة.
ثم قال بهدوء غريب
أنا مش هقاوم... لأن اللي تعرفوه لحد دلوقتي، نقطة في بحر.
القاعة سكتت تمامًا.
القاضي سأله
تعرف نادية؟
أجاب
من سنين.
وتعرف حسام؟
أكتر مما تتخيل.
وطارق؟
هنا فقط اختفت الابتسامة من وجه علاء.
خفض رأسه وقال
كان صاحبي...
وسكت.
أمينة كانت
همست
أنا شفتك قبل كده...
رفع علاء عينيه إليها.
شفتِني... لكن باسم تاني.
ساد صمت ثقيل.
ثم قال
أنا كنت بدخل بيت المنشاوي كل أسبوع... لكن محدش كان يعرف اسمي الحقيقي.
في تلك اللحظة، رن هاتف القاضي مجددًا.
نادية.
رد بسرعة.
قالت