القاضي ضحك حكايات زيزي
دي سبع سنين كاملة من الأسرار.
وفجأة...
انقطع الاتصال.
ملك فضلت تنادي
يا طنط نادية... يا طنط!
لكن الخط كان اتقفل.
وفي نفس اللحظة، رن موبايل القاضي الشخصي.
بص للشاشة...
فاتسعت عيناه.
المتصل كان رقمًا مجهولًا.
ولما رد...
جاله نفس الصوت الهادئ
يا سيادة المستشار... لو فتحت الفلاشة دلوقتي، هيحصل في المحكمة اللي محدش فيكم مستعد يشوفه... لأن القاتل الحقيقي موجود جوه القاعة... وواقف دلوقتي على بُعد أقل من مترين منك...
وتجمدت كل الوجوه، بينما بدأت عينا القاضي تتحركان ببطء بين الحاضرين... دون أن ينطق بحرف القاضي قرأ العنوان أكثر من مرة.
ثم رفع رأسه ببطء وقال
العنوان ده... مخزن قديم في المنطقة الصناعية بطريق السويس.
أحد الضباط شهق فجأة.
يا فندم... المخزن ده تابع لشركة المنشاوي جروب.
فؤاد حاول يتكلم بسرعة
المخزن مقفول من سنين... ومهجور.
لكن نادية قاطعته من خلال الهاتف
كذاب... لحد النهارده بيدخله ناس كل أسبوع.
القاضي نظر إلى رئيس قوة التأمين.
شكّل قوة حالًا... محدش يدخل المخزن غير بإذن النيابة، وكل حاجة تتصور وتتسجل.
الضابط أدى التحية وخرج مسرعًا.
مرت عشرون دقيقة بدت كأنها ساعات.
داخل القاعة، لم يكن أحد يتكلم.
ملك كانت ممسكة بيد أمها بقوة.
وأمينة كانت تردد في سرها
يا رب... أظهر الحق.
وفجأة...
رن هاتف الضابط الموجود في المخزن.
فتح مكبر الصوت تنفيذًا لأوامر القاضي.
وجاء صوته متوترًا
يا فندم... إحنا دخلنا المخزن.
القاضي سأله
لقيتوا إيه؟
ساد صمت لثوانٍ.
ثم قال الضابط بصوت مرتجف
لقينا خزنة حديد ضخمة مدفونة تحت الأرضية.
كل الأنظار اتجهت نحو فؤاد.
أما هو...
فبدأ يتنفس بسرعة غير طبيعية.
القاضي قال
افتحوها.
رد الضابط
بنحاول... لكنها مقفولة برقم سري.
وهنا جاء صوت نادية للمرة الأخيرة في المكالمة
الرقم السري... تاريخ ميلاد ليلى المنشاوي.
فؤاد صرخ فجأة
لأ! متفتحوهاش!
لكن
بعد لحظات...
سمع الجميع صوت احتكاك باب الخزنة وهو يفتح ببطء.
ثم...
ساد صمت طويل.
القاضي قال بقلق
اتكلم... شايف إيه؟
رد الضابط بصوت يكاد لا يُسمع
يا فندم... العقد مش هنا...
القاضي عقد حاجبيه.
أمال فيه إيه؟
تنفس الضابط بعمق، ثم قال
فيه ملفات... وصور... وأجهزة تسجيل قديمة...
وتحتهم...
هيكل عظمي بشري ملفوف في بطانية محترقة.
تحولت القاعة إلى فوضى.
أمينة وضعت يدها على فمها من الرعب.
وملك دفنت وجهها في حضن أمها.
أما فؤاد...
فقد تراجع خطوة للخلف، ثم خطوة أخرى، وهو يهمس لنفسه
مستحيل... مستحيل يكون لسه موجود...
وفي تلك اللحظة تحديدًا...
دخل خبير الأدلة الجنائية القاعة مسرعًا، وهو يحمل تقريرًا أوليًا وصل من موقع المخزن.
وقف أمام القاضي وقال
يا سيادة المستشار...
الهيكل العظمي مش لنادية الشاذلي...
وده معناه إن الجثة اللي اتدفنت باسمها من سبع سنين...
كانت لشخص تاني تمامًا.
وانتشر الذهول في القاعة، بينما التفت الجميع إلى فؤاد، الذي بدا وكأن سرًا أكبر بكثير على وشك أن ينكشف دوّى صوت الرصاصة في الممر الطويل المؤدي إلى قاعة المحكمة.
صرخت بعض السيدات، وانحنى الناس تلقائيًا.
الحرس اندفعوا ناحية الباب، بينما القاضي وقف وهو يضرب بالمطرقة بقوة.
محدش يتحرك!
بعد ثوانٍ...
رجع ضابط الحراسة وهو يلهث.
يا فندم... الراجل اتصاب في كتفه، لكن قدر يهرب! لقينا عربيته سايبة بره المحكمة.
القاضي قبض على طرف المنصة بقوة.
هويته؟
الضابط هز رأسه.
بطاقة مزورة.
في اللحظة دي...
رن موبايل القاضي مرة تانية.
نفس الرقم المجهول.
رد بسرعة.
اتكلمي.
جاله صوت نادية
الشخص اللي هرب مجرد بيدق... الرأس الكبيرة لسه قاعدة قدامك.
وبعدين قالت جملة خلت القاضي يلتفت فورًا ناحية فؤاد المنشاوي.
بص على إيده الشمال.
القاضي ركز نظره.
ولاحظ لأول مرة إن فؤاد، رغم الجو البارد داخل القاعة، لابس جوانتي
قال القاضي
اخلع الجوانتي.
ابتسم فؤاد بتوتر.
ده طلب غريب.
اخلعه... حالًا.
تردد لحظة...
ثم بدأ يخلعه ببطء.
أول ما اتشال...
بان حرق قديم ممتد من الرسغ لحد منتصف الكف.
أمينة شهقت.
الحرق ده...
ملك بصت لأمها باستغراب.
إنتِ تعرفيه؟
أمينة دموعها نزلت وهي بتقول
ليلة الحريق اللي قالوا إن نادية ماتت فيه... شوفت الأستاذ فؤاد تاني يوم، وإيده كلها كانت متلففة بالشاش. ولما سألته قال إنه اتحرق وهو بيحاول ينقذها.
نادية سمعت الكلام من السماعة وقالت
كذب.
القاعة كلها سكتت.
ثم أكملت بصوت ثابت
الحرق ده حصل... لأنه هو اللي ولّع النار بنفسه.
فؤاد ضرب الطاولة بعنف.
كفاية! دي واحدة مجنونة!
لكن نادية لم تتوقف.
قولوله يفتح الدرج السري التاني... مش اللي فيه الفلاشة.
القاضي عقد حاجبيه.
فيه درج تاني؟
أيوه... تحت خزنة المكتب مباشرة.
أشار القاضي للضابط.
بعد دقائق عاد الضابط، وفي يده ظرف بني قديم، مغلق بالشمع الأحمر.
قال
لقيناه في المكان اللي وصفته بالضبط.
الظرف كان مكتوب عليه بخط يد واضح
لا يُفتح إلا إذا اتهموا أمينة عبدالعال.
أمينة وضعت يدها على قلبها.
ده... ده خط جوزي طارق.
ملك بصت للظرف وكأنها شايفة أبوها لأول مرة من جديد.
أما فؤاد...
فبدأ العرق ينزل من جبينه، رغم أن المكيفات كانت تعمل بأقصى قوة.
القاضي أمسك الظرف ببطء...
وكسر ختم الشمع أمام الجميع.
وفي الداخل...
لم يكن هناك أي أوراق.
كان هناك مفتاح صغير جدًا...
ومعه ورقة واحدة مكتوب فيها خمس كلمات فقط
العقد ليس هو ما تبحثون عنه...
وتحتها عنوان مكان، وتاريخ كُتب قبل سبع سنوات...
وهو نفس اليوم الذي أُعلن فيه رسميًا وفاة نادية القاضي ظل يحدق في الصورة لثوانٍ طويلة.
ثم تغيّر لون وجهه.
أحد وكلاء النيابة سأله بقلق
يا فندم... حضرتك تعرفه؟
لم يرد.
اكتفى بأن وضع الصورة على المنضدة، ثم أمر الحرس
اقفلوا القاعة
بدأ التوتر يزداد.
حتى الصحفيون الموجودون داخل القاعة حاولوا يعرفوا ما في الصورة، لكن القاضي أخفاها سريعًا.
فؤاد المنشاوي ابتسم لأول مرة منذ بداية الجلسة.
وقال بهدوء
واضح إنك عرفته.
رفع القاضي عينيه إليه.
إنت تعرفه؟
رد فؤاد
أعرفه... لكنه عمره ما اشتغل معايا.
ساد الصمت.
ثم التقط القاضي الصورة مرة أخرى، ووضعها أمام أمينة.
بمجرد أن نظرت إليها، اتسعت عيناها.
همست بصوت مرتعش
مستحيل...
ملك شدّت طرف ملابس أمها.
مين يا ماما؟
أمينة لم تستطع الرد.
كانت تنظر إلى الرجل وكأنها رأت شبحًا.
بعد لحظات قالت
ده... ده كان صديق جوزي طارق.
القاعة كلها التفتت إليها.
اسمه حسام.
كان بيزورنا كتير... وبعد وفاة طارق اختفى تمامًا.
القاضي سأل بسرعة
طارق كان بيثق فيه؟
أمينة هزت رأسها.
أكتر واحد كان بيثق فيه.
في نفس اللحظة...
رن هاتف المحكمة الداخلي.
رفع القاضي السماعة.
جاءه صوت الضابط الموجود في المخزن
يا سيادة المستشار... لقينا حاجة جديدة.
إيه هي؟
أثناء تفتيش الهيكل العظمي... لقينا سلسلة معدنية عليها مفتاح صغير، وفي جيب البطانية ورقة متآكلة مكتوب فيها بخط اليد لو وصلتوا للهيكل... دوروا على حسام.
ساد الصمت في القاعة.
القاضي ببطء أنزل السماعة.
ثم نظر إلى الصورة مرة أخرى.
وقال بصوت منخفض
يبقى حسام مش مجرد شاهد...
ده بقى جزء أساسي من اللغز.
وفجأة...
دُفع باب القاعة بقوة.
دخل أحد أفراد الأمن وهو يلهث.
يا فندم... في راجل واقف بره المحكمة.
القاضي سأله
اسمه إيه؟
رد الضابط وهو لا يزال يلتقط أنفاسه
بيقول إن اسمه... حسام.
ثم أضاف
وبيقول إنه مستعد يعترف بكل حاجة... لكن بشرط واحد.
وتوقفت أنظار الجميع على باب القاعة، في انتظار دخول الرجل الذي ربما يحمل الحقيقة كاملة... أو يكشف لغزًا أكبر مما يتخيله الجميع ساد صمت ثقيل داخل القاعة.
حتى فؤاد المنشاوي،
القاضي قال بحزم
النيابة تأمر بالتحفظ على فؤاد المنشاوي لحين انتهاء التحقيق.
وقف الحرس بجواره.
لكن فؤاد رفع يديه بهدوء وقال
أنا مش ههرب... لأنكم بتقبضوا