لمسة صغيرة

لمحة نيوز


بيها من بعد وفاة سامح.
كانت فيها أوراق شغل قديمة، وبعض الخطابات، وصور عائلية.
وبين كل ده...
لقيت ظرف صغير مكتوب عليه بخط سامح
يفتح عند الضرورة.
وقف قلبها لحظة.
إيديها كانت بتترعش وهي بتفتحه.
جواه كانت ورقة واحدة.
منى...
لو وصلتي للورقة دي، يبقى غالبًا أسئلة كتير ظهرت ومحدش قدر يجاوب عليها.
من سبع سنين قابلت بنت صغيرة فقدت كل أهلها تقريبًا في وقت قصير.
البنت دي كانت محتاجة بيت أكتر من احتياجها لأي حاجة تانية.
وعدت نفسي وقتها إن أفضل أحافظ عليها مهما حصل.
مش كل الأمانات بتكون فلوس أو ممتلكات.
في أمانات بتكون بشر.
ولو جه اليوم اللي تعرفي فيه الحقيقة، أتمنى تفتكري إن اللي عملته كان عشان أحافظ على طفلة ملهاش ذنب في حاجة.
سامح.
وقفت منى مكانها.
الدموع نزلت من غير ما تحس.
مش لأن سامح كذب عليها.
لكن لأنه شال حمل كبير لوحده.
وفي اللحظة دي بالتحديد...
سمعت صوت سارة من وراها.
ماما... بتعيطي ليه؟
مسحت دموعها بسرعة وابتسمت.
عشان بابا كان راجل طيب قوي.
ابتسمت سارة هي كمان.
أنا عارفة.
بعد الضهر بساعتين كان الجميع مجتمعين في بيت الشاذلي.
محمود الشاذلي قرأ الخطاب بالكامل.
ثم رفع عينيه ناحية منى.
جوزك كان راجل محترم.
هزت رأسها بصمت.
كريم قال بهدوء
واضح إن سامح كان يعرف مكان ياسمين.
شريف أضاف
لكن الخطاب ما قالش إذا كانت ياسمين هي نفسها سارة ولا لأ.
سكت الجميع.
لأن دي كانت الحقيقة.
كلهم بيفكروا في نفس السؤال...
لكن محدش مستعد يقوله بصوت عالي.
داليا قطعت الصمت
فيه طريقة نعرف بيها الحقيقة بشكل نهائي.
بصلها الجميع.
سجلات الوصاية والأوراق الرسمية.
هز محمود الشاذلي رأسه موافقًا.
صح.
بعد يومين من البحث والسؤال ومراجعة الأوراق القديمة...
وصلوا أخيرًا لمعلومة مهمة.
في سنة الحادث بالفعل تم استخراج أوراق وصاية مؤقتة لطفلة اسمها ياسمين نادر السيوفي.
لكن بعد سنة واحدة فقط...
تم تغيير بيانات الوصي القانوني بعد وفاة القريبة المسؤولة عنها.
والوصي الجديد كان
سامح السيد.
شعرت منى إن قلبها وقف للحظة.
أما كريم فجلس مكانه من غير كلام.
سأل شريف الموظف
والطفلة بعد كده؟
الرجل قلب الأوراق أمامه.
ثم قال
تم تغيير الاسم بعد إجراءات قانونية كاملة بناء على طلب الأسرة الجديدة الراعية للطفلة.
بلع كريم ريقه بصعوبة.
واسمها الجديد؟
رفع الرجل عينه من الملف.
وقال
سارة سامح السيد.
ساد الصمت.
الصمت الكامل.
منى كانت أول من تكلم.
يعني...
هز الموظف رأسه بهدوء.
أيوة.
الطفلة ياسمين السيوفي هي نفسها الآن سارة سامح السيد.
في طريق العودة، كانت سارة قاعدة في العربية بتغني أغنية أطفال بصوت منخفض.
أما الكبار...
فماكانوش قادرين ينطقوا كلمة واحدة.
كريم كان أول من كسر الصمت.
سبع سنين.
نظر له شريف.
إحنا بندور عليها سبع سنين.
ابتسم كريم بحزن.
وطلعت موجودة قدامنا من أول يوم.
داليا بصت لسارة في المرآة.
وكانت السبب في كشف الحقيقة كلها.
وصلوا بيت منى.
نزلت سارة من العربية وهي ماسكة لعبتها.
وفجأة وقفت قدام كريم.
وقالت بمنتهى الجدية
إنت

زعلان؟
ابتسم رغم كل حاجة.
شوية.
فكرت ثواني.
ثم مدت له لعبتها الصغيرة.
خدها شوية لحد ما تبطل زعل.
ضحك الجميع لأول مرة من أيام.
ركع كريم لمستواها وقال
وأنتِ مش هتزعلي عليها؟
هزت رأسها.
لأ.
ليه؟
عشان بابا كان بيقول إن الناس الزعلانة لازم حد يشاركها الحزن.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال بهدوء
باباك كان راجل حكيم.
ابتسمت سارة بفخر.
أنا عارفة.
بعد أسبوع...
قرر كريم وشريف زيارة قبر نادر السيوفي لأول مرة منذ سنوات.
وقفوا في صمت طويل.
ثم قال كريم
لقيناها أخيرًا يا عم نادر.
شريف تنهد.
متأخرين سبع سنين.
رد كريم
بس وصلنا في الآخر.
ثم وضع باقة الزهور بهدوء.
وأضاف
ووعدنا لسه زي ما هو.
وفي مساء نفس اليوم...
كان محمود الشاذلي جالسًا مع منى في مكتبه.
قال بهدوء
سامح اختار يتحمل مسؤولية كبيرة.
هزت رأسها.
آه.
وأنتِ كملتي الطريق بعده.
سكتت.
ثم قال
سارة محظوظة بيكم أنتم الاتنين.
ابتسمت منى لأول مرة من قلبها منذ بداية كل الأحداث.
لكن بينما الجميع كان يعتقد إن القصة انتهت...
كان هناك سؤال أخير لم يجد أحد إجابته بعد.
من الشخص الذي خبأ الجواب داخل الطرحة؟
ولماذا اختار أن يظهر في يوم الفرح بالذات؟
السؤال ظل معلقًا أيامًا.
إلى أن جاء الاتصال الذي سيكشف آخر قطعة ناقصة في الحكاية.
اتصال من رقم مجهول.
رد كريم
ألو؟
جاءه صوت رجل مسن
أنا الخياط اللي اشتغل على الطرحة.
اتسعت عينا كريم.
وأكمل الرجل
وفيه حاجة لازم تعرفها عن الجواب قبل ما أقابل ربنا.
الجزء الخامس
فضل كريم ماسك التليفون كام ثانية من غير ما يتكلم.
أما الصوت اللي على الناحية التانية فكرر بهدوء
أستاذ كريم؟
رد بسرعة
أيوه... أنا معاك.
قال الرجل
اسمي عم حسين المرسي... كنت بشتغل في التطريز والخياطة من أكتر من أربعين سنة، وأنا اللي ركبت الدانتيل الأخير في الطرحة قبل ما تتبعت للمحل.
بص كريم ناحية شريف اللي كان واقف قدامه.
حضرتك تقصد إنك إنت اللي حطيت الجواب؟
جاله الرد فورًا
لا.
سكت الرجل لحظة.
ثم أكمل
بس أنا اللي لقيته.
بعد أقل من ساعة، كان كريم وشريف وداليا ومنى قاعدين في ورشة صغيرة قديمة في وسط القاهرة.
الورشة كانت مليانة بكرات خيط وأقمشة وأدوات خياطة قديمة.
وفي الركن، كان قاعد رجل تخطى السبعين من عمره.
ملامحه هادية.
وشعره الأبيض مرتب بعناية.
أول ما شافهم وقف بصعوبة.
وقال
أنا آسف إني اتأخرت كل السنين دي.
سأله كريم
حضرتك تعرف الجواب وصل للطرحة إزاي؟
هز الرجل رأسه.
مش كله.
ثم أشار لكرسي قدامه.
اقعدوا.
جلسوا جميعًا.
وقال عم حسين
قبل الفرح بأسبوع تقريبًا، الطرحة وصلت الورشة عشان نعمل تعديل بسيط في طرف الدانتيل.
وأثناء الشغل لقيت الظرف متخيط جوه القماش.
سأل شريف بسرعة
ومبلغتش ليه؟
ابتسم الرجل بحزن.
لأن الظرف كان مكتوب عليه اسم كريم الشاذلي بخط واضح.
افتكرت إنه جواب شخصي.
وقلت أكيد صاحبه حطه بنفسه.
سكت لحظة.
ثم أضاف
لكن بعد يومين، جه واحد للورشة وسأل على الطرحة بالاسم.
رفع كريم رأسه بسرعة.
مين؟
ماعرفوش.
لكن كان واضح إنه بيدور على حاجة معينة.
تبادل الجميع
النظرات.
قالت داليا
الجواب.
هز الرجل رأسه.
غالبًا.
سأله شريف
قدرت تعرف شكله أو اسمه؟
فكر الرجل قليلًا.
كان طويل شوية... ولابس نضارة.
تنهد شريف.
الوصف ده ممكن ينطبق على نص القاهرة.
ابتسم عم حسين بخفة.
بس فيه حاجة فاكرها كويس.
إيه؟
كان بيعرج في رجله الشمال وهو ماشي.
اتسعت عينا كريم.
عرج بسيط؟
آه.
نظر كريم لشريف.
وشريف فهم فورًا.
إبراهيم.
قالت داليا باستغراب
مين إبراهيم؟
رد كريم
محاسب الشركة القديمة.
كان مسؤول عن ملفات الحادث وقتها.
في اليوم التالي، وصلوا لإبراهيم في مكتبه الصغير.
الرجل كان في أواخر الخمسينات.
وأول ما شاف كريم اتوتر بشكل واضح.
قال كريم مباشرة
إنت اللي خدت الجواب؟
اتغير لون وشه.
أي جواب؟
رد شريف
اللي كان جوه الطرحة.
فضل ساكت.
ثم جلس على الكرسي كأن كل القوة خرجت من جسمه.
وقال بهدوء
أيوه.
سألته داليا
ليه؟
تنهد طويلًا.
وقال
عشان كنت فاكر إن الحقيقة دي هتدمر حياتكم.
رفع كريم حاجبه.
إزاي؟
بص إبراهيم للأرض.
بعد الحادث الناس كلها كانت بتلومكم.
وكان فيه صحافة ومحامين وقضايا.
ولما عرفت إنك لسه شايل الموضوع جواك بعد كل السنين دي خفت.
خفت الفرح يبوظ.
وخفت حياتك الجديدة تبدأ بوجع قديم.
سكت كريم شوية.
ثم قال
بس الحقيقة عمرها ما كانت العدو.
ابتسم إبراهيم بحزن.
دلوقتي عرفت ده.
خرج الجميع من المكتب والشمس كانت قرب الغروب.
الهواء كان هادي.
ولأول مرة من بداية الأحداث، حسوا إن كل الأسئلة تقريبًا اتجاوبت.
قال شريف
يعني خلاص.
هز كريم رأسه.
أيوه.
داليا ابتسمت
تقريبًا أول فرح في التاريخ يبدأ بمشكلة في الطرحة وينتهي بحل لغز عمره سبع سنين.
ضحك الجميع.
حتى منى ضحكت.
ثم بصت لسارة اللي كانت بتجري في الحديقة الصغيرة القريبة.
وقالت بهدوء
يمكن فعلاً الأطفال ساعات بيشوفوا اللي إحنا مش بنشوفه.
بعد أيام قليلة، دعا محمود الشاذلي الجميع للعشاء في البيت الكبير.
المرة دي كانت الأجواء مختلفة تمامًا.
مافيش توتر.
مافيش أسرار.
ولا خوف من حاجة مستخبية.
سارة كانت قاعدة جنب كريم وهي بتحاول تعلمه يرسم قطة.
وكان واضح جدًا إنه مش موهوب في الرسم نهائي.
ضحكت سارة وقالت
دي شبه بطاطساية مش قطة.
ضحك كريم.
واضح إني محتاج تدريب.
قالت بثقة
أنا هعلمك.
رد مبتسمًا
اتفقنا.
من بعيد كانت منى بتراقب المشهد.
وقلبها هادي لأول مرة من فترة طويلة.
بعد العشاء، خرج محمود الشاذلي للجنينة مع منى.
وقال بهدوء
كنت عايز أقولك حاجة.
بصت له باستغراب.
اتفضل.
سامح الله يرحمه كان راجل نادر.
هزت رأسها.
فعلاً.
وأظن إنه لو كان موجود النهاردة كان هيبقى مطمن.
سكتت منى.
ثم قالت
أنا طول الوقت كنت فاكرة إني بعلم سارة الحياة.
ابتسم محمود.
وطلع إنها هي اللي كانت بتعلمكم كلكم.
ضحكت منى لأول مرة من قلبها فعلًا.
واضح كده.
في تلك الليلة...
وقبل ما تنام سارة...
سألت أمها
ماما؟
نعم يا حبيبتي.
هو بابا كان بيحبني؟
شعرت منى بغصة في قلبها.
ثم جلست بجوارها.
وقالت
بابا كان بيحبك جدًا.
قد إيه؟
ابتسمت منى.
لدرجة إنه فضل يحافظ عليكي وعلى أمانتك لحد آخر
يوم في عمره.
فكرت سارة قليلًا.
ثم قالت
يبقى أنا محظوظة.
ربتت منى على شعرها.
جداً يا سارة.
ثم أغلقت النور بهدوء.
لكنها قبل أن تخرج من الغرفة سمعت سارة تهمس
وأنا كمان بحبه.
وقفت منى للحظة.
ثم ابتسمت وخرجت في صمت.
لأن بعض الكلمات الصغيرة...
بتكون كفاية تعالج وجع سنين كاملة.
الجزء السادس والأخير
مرت ثلاثة أشهر كاملة بعد الفرح.
ثلاثة أشهر اتغير فيهم حاجات كتير.
لكن أغرب حاجة في كل اللي حصل...
إن الحياة رجعت تمشي بشكل طبيعي جدًا.
وكأن العاصفة اللي بدأت بلمسة صغيرة على طرف طرحة فرح كانت مجرد حلم بعيد.
كريم رجع لشغله.
وداليا بدأت ترتب بيتهم الجديد بنفسها رغم اعتراض الكل.
وشريف رجع لمشاريعه اللي كان مأجلها من سنين.
أما منى...
فكانت بتحاول تتعود على فكرة إن جزء من حكاية سارة كان أكبر بكتير مما كانت تعرف.
لكن بالنسبة لها...
ماكانش يفرق اسم سارة إيه قبل كده.
ولا كانت عايشة فين.
ولا كانت بنت مين.
الحقيقة الوحيدة المهمة بالنسبة لها كانت بسيطة جدًا.
هي بنتها.
وده عمره ما هيتغير.
في صباح يوم جمعة هادي، كانت سارة قاعدة على الأرض بترسم.
رفعت الورقة ناحية أمها بفخر.
بصي يا ماما.
ابتسمت منى.
دي مين؟
دي عيلتنا.
بصت للرسم.
كان فيه ست كبيرة شوية.
وبنت صغيرة.
ورجل مبتسم مرسوم بشكل طفولي.
وفوقهم شمس كبيرة.
سألتها منى
وده مين؟
أشارت للرجل.
بابا.
ابتسمت منى.
وده؟
أشارت لرجل تاني جنبهم.
عمو كريم.
ثم أشارت لشخص ثالث.
وعمو شريف.
ضحكت منى.
طب وإشمعنى كلهم موجودين؟
ردت سارة بمنتهى البساطة
عشان الناس اللي بتحب بعض تبقى عيلة.
فضلت منى ساكتة ثواني.
ثم ضمتها لحضنها.
لأن الأطفال فعلًا بيختصروا الدنيا كلها في جملة واحدة.
بعد أسبوع، دعا محمود الشاذلي الجميع لعشاء عائلي صغير.
المرة دي ماكانش فيه صحافة.
ولا كاميرات.
ولا ضيوف مهمين.
بس ناس مرت بتجربة صعبة وربطتهم بحكاية واحدة.
كانت سارة بتجري في الجنينة الكبيرة وهي بتلعب بالبالونات.
وفجأة وقفت قدام داليا.
وقالت
إنتي لسه زعلانة مني عشان الطرحة؟
اتجمدت داليا مكانها.
ونسيت حتى تتنفس للحظة.
كانت أول مرة سارة تتكلم عن اللي حصل يوم الفرح من وقتها.
ركعت داليا قدامها فورًا.
وقالت بهدوء
أنا اللي لازم أقولك إني آسفة.
سارة بصتلها باستغراب.
ليه؟
عشان كنت متضايقة وقلت كلام ماكانش صح.
فكرت سارة شوية.
ثم سألت
يعني إنتي مش شايفة إيدي وحشة؟
اتكسرت حاجة جوه داليا وقتها.
هزت رأسها بسرعة.
إيدك جميلة جدًا.
ورفعتها بين إيديها.
وأضافت
وأهم من كده إنها كانت سبب في خير كبير.
ابتسمت سارة.
يبقى خلاص.
خلاص إيه؟
سامحتك.
ضحك كل اللي حواليهم.
أما داليا فضحكت هي كمان...
لكن وعينيها مليانة دموع.
في نفس الليلة، كانت منى واقفة في الجنينة لوحدها.
قرب منها كريم.
وقف جنبها شوية من غير كلام.
ثم قال
فيه حاجة نفسي أقولها من زمان.
بصت له.
قال بهدوء
أنا عمري ما نسيت الحادث.
ولا شريف.
ويمكن طول الوقت كنا فاكرين إننا بندور على شخص عشان نريح ضميرنا.
سكت لحظة.
ثم بص ناحية سارة اللي كانت بتلعب بعيد.

وأضاف
لكن الحقيقة إننا كنا بندور على فرصة نكمل وعد قديم.
سألته منى
وحاسس إن الوعد اتنفذ؟
ابتسم.
أيوه.
وأكتر من كده كمان.
بعدها بأيام، زار الجميع قبر سامح السيد.
وقفت منى قدام القبر بهدوء.
بينما كانت سارة واقفة جنبها ماسكة وردة صغيرة.
وضعتها على القبر وقالت
أنا جيت أزورك يا بابا.
ساد الصمت للحظات.
ثم سألت أمها
هو بابا سامعنا؟
ابتسمت منى.
يمكن.
فكرت سارة شوية.
ثم قالت
يبقى قولي له إني كويسة.
بلعت منى دموعها بصعوبة.
هقوله.
وقولي
 

تم نسخ الرابط