لمسة صغيرة
يبقى أقل حاجة أعملها إني أسمعه منه هو.
ولأول مرة من بداية اليوم...
منى شافت ملامح مختلفة على وش داليا.
مش غرور.
ولا عصبية.
كان خوف.
الخوف من إن الإنسان يكتشف إن الشخص اللي بيحبه شايل وجع أكبر مما كان متخيل.
وفجأة قرب شريف منهم.
أول ما شاف الجواب في إيد داليا وقف مكانه.
وصل لك؟
رفعت داليا عينيها ناحيته.
واضح إنك كنت عارف.
تنهد شريف ببطء.
كنت عارف إنه هيقولك.
ليه ماقلتش أنت؟
سكت شوية.
وبعدين قال
لأن الغلط كان نصيبي أنا وكريم مع بعض... وكان لازم هو يكون موجود وهو بيحكي.
سألته منى
هو إيه اللي حصل بالضبط؟
بص شريف بعيد شوية.
وكأنه رجع سنين لورا.
وقال
كان عندي أربعة وعشرين سنة... وكريم واحد وعشرين.
كنا راجعين من الجامعة وقتها.
الدنيا كانت مطر جامد جدًا.
وفجأة عربية قدامنا حاولت تتفادى عربية نقل كبيرة.
العربية اتزحلقت.
وخبطت في الرصيف.
بلع ريقه بصعوبة.
إحنا وقفنا فورًا.
اتصلنا بالإسعاف.
وساعدنا نخرج الراجل من العربية.
لكن الإصابة كانت خطيرة.
رفعت داليا حاجبها.
إنتوا كنتوا السبب؟
هز راسه بسرعة.
لا.
التحقيقات أثبتت إننا ماكنّاش السبب في الحادث.
لكننا كنا آخر ناس شافته.
وآخر ناس اتكلم معاهم.
سكت لحظة.
وقال بصوت أهدى
قبل ما الإسعاف توصله للمستشفى، طلب مني أوصل رسالة لبنته الصغيرة.
وكان معاه صورة ليها.
اتجمدت منى مكانها.
وبعدين؟
ضاع مننا أثرها.
الأوراق اختفت أثناء التحقيق.
وأهل الراجل ماكنوش موجودين في القاهرة.
ومن يومها وإحنا بندور عليها.
سألته داليا
سبع سنين؟
آه.
كل سنة.
كل شهر تقريبًا.
من غير ما نعرف اسمها حتى.
ساد الصمت للحظات.
ثم قالت داليا بهدوء
وكريم كان ناوي يحكيلي النهاردة؟
ابتسم شريف ابتسامة صغيرة.
قبل كتب الكتاب بخمس دقايق تقريبًا.
ضحكت داليا لأول مرة من ساعات.
غبي.
ابتسم شريف هو كمان.
دي أول مرة حد يقوله كده في يوم فرحه.
في الناحية التانية من الجنينة، كان كريم بيتكلم مع والده محمود الشاذلي.
رجل في أواخر الستينات.
ملامحه هادية وهيبته واضحة.
قال الأب
مالك يا كريم؟
ولا حاجة.
أنا أبوك.
ابتسم كريم.
واضح أوي؟
من ساعة ما جيت وإنت مش مركز.
سكت كريم شوية.
ثم قال
كنت ناوي أقول لداليا حاجة مهمة.
قولها.
خايف.
بص له والده باستغراب.
الحقيقة عمرها ما كانت سبب خراب حاجة يا ابني.
لكن إخفاء الحقيقة ساعات بيعمل ده.
فضل كريم ساكت.
فربت والده على كتفه وقال
لو البنت دي بتحبك فعلًا... هتسمعك.
في نفس الوقت...
كانت سارة قاعدة على كرسي صغير بتاكل قطعة جاتوه أكبر من حجم إيديها مرتين.
وفجأة بصت بعيد ناحية رجل واقف عند البوابة.
كان لابس بدلة رمادي.
وبيتكلم في التليفون بعصبية.
الأغرب...
إن أول ما شافها بتبص له لف وشه بسرعة.
سارة قامت من مكانها.
مشيت كام خطوة.
لكن الرجل كان اختفى.
وصلت منى بسرعة.
رايحة فين يا سارة؟
الراجل اللي هناك وقع منه ورقة.
بصت منى حواليها.
مالقتش حد.
لكنها لقت فعلًا ورقة صغيرة على الأرض.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها
لو عايزين تعرفوا الحقيقة كاملة... اسألوا عن نادر السيوفي.
اتسعت عينيها.
مين
بعد نص ساعة...
انتهى كتب الكتاب وسط فرحة وتصفيق الجميع.
كريم وداليا بقوا رسميًا زوج وزوجة.
وكان واضح على كريم إنه أخيرًا قرر يعمل الحاجة اللي كان مأجلها.
قرب من داليا وقال
ممكن نتكلم دقيقتين؟
ابتسمت.
عن الحادث؟
اتفاجئ.
إنتي عرفتي؟
طلعت الجواب من شنطتها.
وصلني.
سكت.
ثم قال
كنت خايف.
عارفة.
وخايف دلوقتي أكتر.
ابتسمت بهدوء.
أنا اتجوزت راجل قرر يقول الحقيقة وهو ممكن يخسر كل حاجة بسببها.
دي حاجة تخوفك ولا تطمنك؟
بصلها للحظات طويلة.
ثم ابتسم لأول مرة بارتياح حقيقي.
تطمني.
هزت راسها.
بالظبط.
ثم أضافت
بس عندي سؤال.
إيه هو؟
مين نادر السيوفي؟
اختفت الابتسامة من على وش كريم فورًا.
مين قال الاسم ده؟
طلع شريف من وراه فجأة.
إنت تعرفه؟
رد كريم بهدوء متوتر
ده اسم الراجل اللي مات في الحادث.
تجمد الثلاثة مكانهم.
قالت داليا
يعني أخيرًا عندنا اسم.
هز كريم رأسه ببطء.
بس فيه مشكلة.
إيه؟
الاسم ده عمره ما كان موجود في أي ورقة من أوراق القضية.
يبقى مين كتب الرسالة؟
محدش رد.
لأن السؤال نفسه كان مخيف.
بعد ساعة تقريبًا...
كان الفرح قرب يخلص.
والضيوف بدأوا يمشوا.
وفجأة سمعوا صوت صراخ عند البوابة.
جري الجميع ناحية الصوت.
لقوا حارس الأمن واقف مع رجل كبير في السن.
ملابسه بسيطة.
وشكله مرهق جدًا.
وكان بيقول بعصبية
لازم أقابل كريم الشاذلي.
قرب كريم منه.
أنا كريم.
بص له الرجل للحظات طويلة.
ثم أخرج صورة قديمة من جيبه.
صورة باهتة لطفلة صغيرة واقفة جنب رجل مبتسم.
وقال
أنا كنت صاحب نادر السيوفي.
اتسعت عيون كريم وشريف.
أما الرجل فأكمل
ونادر قبل ما يموت سلمني أمانة.
وقال لو قابلت يومًا كريم الشاذلي أو شريف الشاذلي... أسلمهم الصورة دي.
مد الصورة لكريم.
كانت نفس الصورة اللي شريف اتكلم عنها قبل شوية.
نفس الطفلة.
نفس الابتسامة.
ونفس العيون الواسعة.
قال كريم بصوت متوتر
حضرتك تعرف البنت دي فين؟
هز الرجل رأسه.
للأسف لا.
بعد وفاة والدها اختفت مع قريبة ليها وسافرت.
لكن فيه حاجة أعرفها.
إيه؟
البنت دي كانت اسمها...
وقبل ما يكمل...
دوى صوت طبق وقع على الأرض.
الكل بص ناحية الصوت.
كانت سارة.
واقفة مكانها.
وعينيها ثابتة على الصورة.
ثم قالت بصوت صغير جدًا
ده بابا.
ساد الصمت.
الصمت الكامل.
نزلت منى بسرعة عند مستوى بنتها.
إنتي قلتي إيه يا سارة؟
أشارت بإيدها الصغيرة للصورة.
ده بابا.
اتسعت عيون منى.
إنتي تعرفي الراجل ده؟
هزت سارة راسها بحماس.
صورته عندنا في البيت.
وشها فقد لونه تمامًا.
لأن سارة كانت فعلًا عندها صورة قديمة لوالدها المتوفي.
لكن...
اسمه ماكانش نادر السيوفي.
أو على الأقل...
ده اللي منى كانت طول عمرها معتقداه.
وفي اللحظة دي تحديدًا...
بدأت منى تدرك إن فيه جزء من الحقيقة...
هي نفسها ماكنتش تعرفه.
الجزء الثالث
فضل المكان كله ساكت.
حتى الموسيقى كانت وقفت من كام دقيقة بعد انتهاء الفرح، لكن الصمت اللي نزل على الجنينة وقتها كان مختلف.
كان صمت الصدمة.
كريم كان أول واحد اتكلم.
إنتي متأكدة يا سارة؟
سارة هزت راسها الصغيرة بثقة
آه.
وأشارت للصورة مرة تانية.
دي نفس الصورة اللي عندنا في البيت.
منى كانت حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجليها.
ركعت قدام بنتها وسألتها بهدوء
حبيبتي، إنتي فاكرة الصورة فين؟
في الدولاب بتاعك يا ماما... جوه العلبة الخضرا.
الرجل الكبير بص لمنى باستغراب.
أما كريم وشريف فكانوا واقفين من غير كلام.
أخيرًا قالت منى
جوزي الله يرحمه اسمه كان سامح السيد.
رفع الرجل الكبير حاجبه.
سامح السيد؟
آه.
سكت الرجل لحظة.
ثم قال
نادر السيوفي كان ليه أخت صغيرة اتجوزت واحد اسمه سامح السيد.
اتسعت عيون منى.
إيه؟
بعد وفاة نادر، أخته سافرت فترة طويلة وبعدها رجعت واتجوزت.
بدأت قطع الصورة تتجمع ببطء.
قالت منى بصوت منخفض
تقصد إن سامح جوزي كان قريب نادر؟
هز الرجل رأسه.
ابن خالته.
تجمدت منى مكانها.
لأن سامح فعلًا كان قليل الكلام جدًا عن عيلته.
وكان دايمًا يقول إن معظم قرايبه مسافرين ومقطوع التواصل بينهم.
لكن عمره ما ذكر اسم نادر السيوفي.
ولا مرة واحدة.
بعد مغادرة أغلب الضيوف، اجتمع كريم وشريف وداليا ومنى والرجل الكبير داخل مكتب محمود الشاذلي الموجود في الفيلا.
محمود الشاذلي كان ساكت طول الوقت وهو بيسمع.
وأخيرًا قال
حضرتك اسمك إيه؟
عبدالرحمن توفيق.
هز محمود رأسه باحترام.
احكي لنا كل حاجة تعرفها.
تنهد الرجل وقال
نادر كان مهندس محترم جدًا.
وكان عنده بنت صغيرة اسمها ياسمين.
شهقت منى.
ياسمين؟
ابتسم الرجل.
آه.
ثم بص لسارة.
كانت تقريبًا في نفس سنها دلوقتي وقت الحادث.
قال كريم بسرعة
وإيه اللي حصل بعدها؟
رد الرجل
بعد الوفاة، أخت نادر خدت البنت وسافرت عند أقارب ليهم فترة.
بعدها الأخبار انقطعت.
شريف عقد حاجبيه.
إزاي محدش عرف يوصل لها؟
ابتسم الرجل بحزن.
كان فيه مشاكل قانونية كتير وقتها، ونقل إقامة وسفر، وأسماء اتغيرت بعد الوصاية.
ساد الصمت.
ثم قال كريم
إحنا لازم نوصل للبنت دي.
بص له الرجل مباشرة.
واضح إنكم لسه بتحاولوا توفوا بوعد قديم.
رد شريف
إحنا عمرنا ما نسيناه.
في طريق العودة للبيت تلك الليلة، كانت منى قاعدة جنب بنتها في السيارة اللي وفرها محمود الشاذلي لتوصيلهم.
سارة كانت نامت على كتفها.
أما منى فلم تستطع النوم أو حتى التفكير بشكل طبيعي.
سامح عمره ما قال لها حاجة عن نادر.
ولا عن بنت اسمها ياسمين.
لكنها افتكرت حاجة فجأة.
بعد وفاة سامح بسنة تقريبًا، كانت بتنضف الدولاب القديم.
ولقت ملف بني كبير.
أول ما فتحته دخل سامح فجأة للغرفة وقتها.
وكان أول وآخر مرة تشوفه متوتر بالشكل ده.
أخد الملف منها وقال
الحاجات القديمة دي مالهاش لازمة.
وبعدها بأيام اختفى الملف.
وقتها ما اهتمتش.
لكن دلوقتي...
كل حاجة بقت مختلفة.
في صباح اليوم التالي، كانت منى بتفتش في كل ركن في الشقة القديمة.
الأدراج.
الصناديق.
الكتب.
لحد ما وصلت للعلبة الخضرا اللي سارة اتكلمت عنها.
فتحتها.
وكانت موجودة فعلًا.
صورة قديمة لسامح واقف جنب رجل تاني مبتسم.
اتجمدت مكانها.
الرجل التاني كان نادر السيوفي.
ماكانش فيه شك.
نفس الوجه الموجود في صورة عبدالرحمن.
ونفس الابتسامة.
دخلت سارة وقتها وقالت
قلت لك يا ماما.
ابتسمت منى رغم توترها.
ثم قلبت الصور.
وكان فيه صورة تانية.
صورة لطفلة صغيرة.
مكتوب خلفها بقلم أزرق
ياسمين في عيد ميلادها الرابع.
فضلت منى باصة للصورة لثواني طويلة.
البنت كانت شعرها أسود قصير.
وعيونها واسعة.
وكانت ماسكة دمية صغيرة.
وفجأة شعرت منى إن ملامح الطفلة مألوفة بشكل غريب.
مألوفة جدًا.
دخلت المطبخ وجابت صورة قديمة لسارة وهي عندها أربع سنين.
حطت الصورتين جنب بعض.
وسكتت.
ثم سكتت أكتر.
لأن التشابه كان واضح بشكل صادم.
مش مجرد شبه أطفال عادي.
كان شبه عائلي.
بعد ساعة، كان كريم وشريف موجودين في شقة منى.
بص كريم للصورتين.
ثم قال بهدوء
التشابه واضح.
قالت منى بسرعة
بس ده مستحيل.
شريف سألها
سامح كان متجوز قبلك؟
هزت رأسها.
آه، لكن زوجته توفت بعد الجواز بسنتين تقريبًا.
نظر كريم للصورة مرة تانية.
ثم قال
كان عنده أولاد؟
سكتت منى.
ثم قالت
قال لي لأ.
ساد الصمت داخل الغرفة.
قطعته سارة وهي داخلة وهي شايلة لعبتها
ماما أنا جعانة.
ضحك الجميع لأول مرة منذ ساعات.
وأخذتها منى إلى المطبخ.
هناك فقط سمحت لنفسها بالاعتراف بالحقيقة اللي بدأت تخاف منها.
ماذا لو كانت ياسمين أقرب إليها مما تتخيل؟
في مساء نفس اليوم، اتصل عبدالرحمن بكريم.
لقيت حاجة مهمة.
إيه هي؟
عنوان قديم لأخت نادر.
فين؟
الإسكندرية.
بعد أقل من ساعتين، كان كريم وشريف وداليا ومنى في الطريق.
طوال الطريق لم يتكلم أحد كثيرًا.
كل واحد كان غارق في أفكاره.
وصلوا للعنوان القديم.
لكن البيت كان مغلقًا من سنوات.
الجار العجوز خرج لهم.
وقال
بتدوروا على مدام فاطمة؟
قال كريم بسرعة
آه.
هز الرجل رأسه.
سافرت من حوالي عشر سنين.
راحت فين؟
القاهرة.
شريف زفر بضيق.
رجعنا لنقطة الصفر.
لكن الرجل أكمل
بس قبل ما تمشي كانت دايمًا تقول جملة واحدة.
إيه هي؟
كانت تقول إن الأمانة رجعت لأصحابها أخيرًا.
نظر الجميع لبعضهم.
أما منى فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
لأنها بدأت تفهم شيئًا مخيفًا.
شيئًا لم تجرؤ حتى على التفكير فيه بالكامل.
هل يمكن أن تكون الأمانة المقصودة...
طفلة؟
وهل يمكن أن يكون سامح قد حمل مسؤولية أكبر مما أخبرها به يومًا؟
في طريق العودة، كانت سارة نائمة في المقعد الخلفي.
نظر كريم إليها عبر المرآة.
ثم قال بهدوء
عارفة الحاجة الوحيدة اللي متأكد منها؟
رفعت منى عينيها نحوه.
إيه هي؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
إن لمسة إيد صغيرة على طرحة فرح كانت السبب في إننا نعرف الحقيقة دي كلها.
بصت داليا لسارة النائمة وقالت
واضح إن الأطفال ساعات بيلاقوا اللي الكبار بيفشلوا يلاقوه سنين.
هز شريف رأسه موافقًا.
أما منى...
فكانت تنظر لبنتها وتحاول تستوعب إن رحلة البحث الحقيقية ربما بدأت الآن فقط.
وإن السؤال اللي هيغير حياة الجميع لم يعد
أين ذهبت ياسمين السيوفي؟
بل أصبح
من هي ياسمين السيوفي أصلًا؟
الجزء الرابع
ليلة كاملة عدت...
ومنَى ما غمضتلهاش عين.
كانت قاعدة على طرف السرير، وسارة نايمة جنبها بهدوء، بينما الصورة القديمة لسه بين إيديها.
صورة
وصورة الطفلة الصغيرة ياسمين.
وصورة سامح جوزها الله يرحمه واقف جنب نادر وهو بيضحك.
كل الصور كانت بتقول إن فيه جزء كبير من حياة سامح عمرها ما عرفته.
لكنها في نفس الوقت كانت عارفة سامح كويس.
كان راجل مستقيم.
هادئ.
ومحب للخير بشكل يمكن زيادة عن اللزوم.
النوع اللي ممكن يشيل هموم ناس تانية سنين من غير ما يحكي لحد.
وفجأة افتكرت حاجة.
قامت بسرعة ناحية الدولاب القديم.
طلعت شنطة جلد بنية كانت محتفظة