انا محامية أمي

لمحة نيوز

المحكمة كلها انفجرت ضحك أول ما قلت لهم إني محامية أمي.
أصحاب أغلى مدرسة إنترناشونال في القاهرة كانوا فاكرين إن بنت عندها 9 سنين هتبقى أسهل خصم يقابلوه في حياتهم... لحد ما حطيت قدامهم ملف كرتون قديم ومكسر، وساعتها شفت الضحكة وهي بتختفي من على وشوشهم واحدة واحدة.

قبل الجلسة بأربع أيام، أمي، منى عبد الحميد، ما كانتش بتنام. كل ليلة كانت تلف في شقتنا الصغيرة في شبرا، ماسكة ورق القضية، تقراه مرة واتنين وعشرة. بعد ما إدارة مدارس النخبة الدولية رفدتها من شغلها في الكانتين، لمجرد إنها اتكلمت عن مخالفات خطيرة في حفظ الأكل وسلامته، كانوا متأكدين إنها هتخاف وتسكت.

بس أمي ما سكتتش.

المشكلة إن محدش رضي يقف معاها.

كل محامي كلمناه كان عنده حجة. واحد يقول القضية خسرانة، والتاني يبطل يرد على التليفون أول ما يعرف إن المدرسة دي وراها ناس تقيلة وليها علاقات ونفوذ. المدرسة دي كان معروف عنها إنها بتدفن أي حد يفكر يواجهها.

ساعتها أخدت قراري.

قلت لأمي:
"طالما محدش راضي يقف جنبك... أنا هقف."

ابتسمت وهي دموعها في عينيها، وكانت فاكرة إني بهون عليها وخلاص. ما كانتش تعرف إني بقالي أسابيع برتب كل ورقة، وكل صورة، وكل ملاحظة كانت بترجع بيها من الشغل. الكبار كانوا شايفين إني طفلة، لكن أنا كنت مركزة في كل تفصيلة.

جه يوم الجلسة.

دخلنا المحكمة سوا.

كل اللي لابس بدلة شيك بص علينا.

والهمس ابتدى يمشي ورا ضهرنا.

ولمحته... الأستاذ فؤاد الكاشف، مدير المدرسة، ماشي وكأن المحكمة بتاعته. وجنبه المحامي المشهور كمال السيوفي،

الراجل اللي الناس كلها بتقول إنه عمره ما خسر قضية، وإنه بيعرف يكسر أي حد يقف قدامه.

ولا واحد فيهم كان قلقان.

أول ما قعدنا، المحامي قام وهو بيبتسم بسخرية وقال:

"يا سيادة القاضي... معقول الكلام ده؟ هو المدعية جاية من غير محامي؟"

المحكمة كلها ضحكت.

القاضي بص لأمي وقال بهدوء:

"يا أستاذة منى... فين محامي حضرتك؟"

قبل ما أمي ترد، سحبت الكرسي، طلعت وقفت عليه، وقربت الميكروفون. أول ما مسكته عمل صوت مزعج خلّى القاعة كلها تسكت.

قلت بثبات:

"أنا محاميتها."

كل العيون اتثبتت عليا.

"اسمي سارة عبد الحميد، عندي 9 سنين، وأنا اللي همثل أمي... لأن محدش رضي يعمل كده."

ثواني... والمكان كله سكت.

وبعدين الضحك رجع أعلى من الأول.

مدير المدرسة رجع بضهره وهو مبتسم بثقة، والمحامي هز راسه كأنه بيتفرج على طفلة بتلعب لعبة المحاكم.

القاضي رفع إيده وقال:

"يا بنتي... دي محكمة، مش لعب."

بصيت له من غير ما أتهز، وقلت:

"وأنا عارفة... علشان كده أنا هنا."

من غير ما أتكلم تاني، طلعت الملف الكرتون القديم وحطيته قدامهم على الترابيزة.

كان ملف شكله يضحك... مرسوم عليه قلوب بالقلم الفلوماستر وشخابيط أطفال، فافتكروه لعب عيال.

ابتسموا أول ما شافوه.

لكن ما كانوش يعرفوا إن الملف ده، اللي شكله بسيط، كان جواه مستندات وأدلة تقدر توقع واحدة من أكبر المدارس الخاصة في مصر... وتقلب حياتهم كلها في لحظة.

الهدوء الذي خيّم على القاعة بعد جملتي الأخيرة كان هشاً، مثل زجاج أوشك على الانكسار. المحامي "كمال السيوفي" مد يده بلامبالاة

لفتح الملف الكرتوني، معتقداً أنه سيجد رسومات أو أوراقاً لا قيمة لها، لكن بمجرد أن قلب الورقة الأولى، تجمدت أصابعه.
لم تكن أوراقاً عادية. كانت تواريخ، صوراً فوتوغرافية التقطتها أمي سراً لهياكل ثلاجات التخزين الصدئة، فواتير موردين لأطعمة منتهية الصلاحية بخصومات "غير قانونية"، ومراسلات بريدية مطبوعة بين مدير المدرسة وأحد الموردين المشبوهين، تثبت أنهم كانوا يسرقون ميزانية "التغذية الصحية" ليشتروا أغذية رخيصة وسامة للطلاب.
رأيت "فؤاد الكاشف" يميل برأسه ليرى ما في الملف، وفجأة، تحول وجهه من اللون الطبيعي إلى شحوب مميت. نظر إليّ، ولأول مرة، لم أرَ في عينيه استعلاء، بل رأيت "خوفاً".
وقفتُ بكل ثبات وقلت:
"سيادة القاضي، الملف الذي بين أيديكم يحتوي على خروقات تهدد حياة أكثر من ألف طفل في مدرستنا. أمي لم تُطرد لأنها قصرت في عملها، بل طُردت لأنها رفضت أن تكون شريكة في تسميم أطفال أغنى عائلات القاهرة."
القاضي، الذي كان ينظر إليّ بابتسامة أب في البداية، تغيرت ملامحه تماماً. لبس نظارته، وبدأ يقلب في الأوراق بجدية مرعبة. ساد صمت مطبق، لم يقطعه إلا صوت حركة الأوراق.
المحامي السيوفي، صاحب السمعة التي لا تُقهر، همس للمدير: "من أين حصلت الطفلة على هذه؟ هذه أدلة جنائية مكتملة الأركان!"
لم ينتظروا الرد. وقف المدير فجأة، محاولاً السيطرة على الموقف: "يا سيادة القاضي، هذا تزوير! الطفلة لا تدرك ما تفعل، هذه أوراق مفبركة!"
ابتسمتُ، وكانت ابتسامتي هي الضربة القاضية. أخرجتُ من جيبي الصغير "فلاشة" حمراء صغيرة:
"سيادة
القاضي، هذه الأوراق ليست كل شيء. هنا تسجيلات صوتية لمدير المدرسة وهو يهدد أمي بالفصل إذا لم تغلق فمها عن 'صفقة الدجاج الفاسد'. وعندما حاولت الاتصال بالشرطة، قمتُ بتسجيل المكالمات عبر هاتف أمي الذي تركتْه مفتوحاً في جيبي."
القاعة انفجرت... ليس ضحكاً، بل همساً ودهشة. الصحافة المتواجدة في الخلف بدأت تتحرك. كمال السيوفي حاول أن يجمع أوراقه، لكن القاضي زجره بصوت جهوري: "اجلس يا أستاذ كمال! الجلسة لم تنتهِ بعد."
في تلك اللحظة، نظرتُ إلى أمي. كانت تبكي، لكنها لم تكن دموع انكسار، كانت دموع فخر. لقد أدركتُ أنني لستُ طفلة تحمي أمها فحسب، بل كنتُ طفلة استعادت كرامة امرأة لم يصدقها أحد.
لم تكن النهاية سهلة. حاولوا بكل نفوذهم عرقلة القضية، لكن الأدلة كانت أقوى من أن تُدفن. خلال شهر واحد، أُغلقت المدرسة مؤقتاً للتحقيق، وصدر قرار قضائي بتعويض أمي بمبلغ ضخم، والأهم من ذلك: اعتذار رسمي نُشر في كل الصحف عن الظلم الذي وقع عليها.
في اليوم الأخير، وأنا خارجة من باب المحكمة، اقترب مني الأستاذ "كمال السيوفي". انحنى قليلاً ليصبح في طولي وقال:
"في حياتي كلها، لم أهزم أمام قاضٍ أو محامٍ مخضرم. اليوم، هزمتني طفلة لا تزال تحفظ جدول الضرب. قولي لي، كيف عرفتِ أن هذه الأدلة ستكون كافية؟"
نظرتُ إليه بجدية الكبار وقلت:
"لأن الحق يا أستاذ كمال لا يحتاج إلى محامٍ يصرخ، هو فقط يحتاج لشخص لا يخاف من قول الحقيقة، حتى لو كان صوته يرتجف."
تركتهم خلفي، ومشيت ممسكة بيد أمي، ونحن نخرج من تلك البوابة الضخمة. عرفتُ حينها أنني ربما
لن أصبح محامية في المستقبل، لأنني بالفعل خضتُ أصعب قضية في حياتي.. وربحتها.
 

تم نسخ الرابط