بعد ساعتين من ولادة ينتي
أهدى.
يسرا استغربت.
دي أول مرة يحاول يطمن عليها من ساعة الولادة.
لكنها مقالتش حاجة.
طلعوا كلهم للدور الأخير.
قدام مكتب رأفت.
الباب كان قديم، ولسه عليه اللافتة النحاسية
رأفت السيوفي رئيس مجلس الإدارة السابق.
معتز فتح الباب.
المكتب كان متغطي بطبقة خفيفة من التراب.
كل حاجة فيه زي ما هي.
القلم.
الكرسي.
المكتبة.
حتى الساعة الحائط كانت واقفة عند نفس التوقيت من سنين.
يسرا دخلت ببطء.
حست كأن عمها لسه خارج من المكتب من دقائق.
سلوى طلعت المفتاح الإلكتروني.
لفت بيه ناحية المكتب.
لكن الأستاذ فؤاد وقفها.
استني.
كلهم بصوا له.
قال
اقروا الرسالة تاني.
يسرا فتحت الورقة.
وقرأت
المفتاح ده يفتح الخزنة الحقيقية الموجودة في مكتبي القديم.
فؤاد ابتسم.
هو مقالش الخزنة اللي في المكتب.
هند عقدت حاجبيها.
يعني؟
يعني الخزنة موجودة في مكان يعتبر جزء من المكتب... مش لازم تبقى جوه الأوضة دي.
الجميع بدأ يدور.
فتحوا الأدراج.
حركوا اللوحات.
فتشوا المكتبة.
لكن مفيش أي أثر لخزنة.
بعد ربع ساعة...
معتز قال بإحباط
مفيش حاجة.
يسرا كانت ساكتة.
لفت نظرها صورة كبيرة لعمها وهو واقف مع موظفي الشركة وقت الافتتاح.
ابتسمت وهي بتفتكر اليوم ده.
وفجأة...
وقفت مكانها.
استنوا.
كلهم بصوا لها.
قربت من الصورة.
وقالت
الصورة دي... مكانها مش هنا.
طارق استغرب.
يعني إيه؟
أنا فاكرة كويس... عمّي كان معلقها في قاعة الاجتماعات، مش في مكتبه.
الأستاذ فؤاد اتسعت عينيه.
صح...
معتز قرب بسرعة.
شال الصورة من على الحائط.
ووراءها...
مكانش فيه خزنة.
كان فيه زر معدني صغير جدًا، نفس لون الحائط.
ضغط عليه.
سمعوا صوت ميكانيكي خافت.
لكن الصوت...
ماجاش من المكتب.
جاء من آخر الممر.
جريوا كلهم ناحية الصوت.
وفي نهاية الممر...
كانت فيه مكتبة خشبية قديمة، محدش اهتم بيها قبل كده.
المكتبة اتحركت لوحدها سنتيمترات بسيطة.
وظهر وراها باب فولاذي صغير.
على الباب...
مكان لإدخال المفتاح الإلكتروني.
سلوى بصت ليسرا.
أظن... وصلنا لأول جزء من الحقيقة.
يسرا مسكت المفتاح.
وقبل ما تدخله في الباب.
اتسمع صوت تصفيق هادئ جاي من آخر الممر.
لفوا كلهم في نفس اللحظة.
وكان سامح واقف هناك...
من غير أي محاولة للهرب.
وبيبتسم وهو بيقول
اتأخرتوا... كنت مستنيكم من زمان التصفيق وقف.
لكن ابتسامة سامح فضلت على وشه.
كان واقف بثبات، لابس بدلة كحلي بسيطة، وإيده الاتنين قدامه، كأنه داخل اجتماع مش مواجهة.
معتز طلع قدام الكل فورًا.
متتحركش.
سامح رفع إيديه بهدوء.
لو كنت ناوي أهرب... مكنتش استنيتكم.
طارق بصله بحدة.
إنت كنت بتدور على إيه؟
سامح ابتسم.
على نفس الحاجة اللي جيتوا تدوروا عليها.
هند قالت بعصبية
لف ولا دوران... قول الحقيقة.
سامح بص ليسرا مباشرة.
أنا جاي أحافظ على حقك.
الجملة وقعت على الجميع كالصاعقة.
حسين اتكلم لأول مرة بنبرة حاسمة
الكلام ده هتثبته إزاي؟
سامح فتح شنطة جلد صغيرة كانت معاه، وطلع منها ظرف شفاف.
جواه مجموعة صور قديمة.
ناولها ليسرا.
أول صورة كانت لعمها رأفت واقف جنب سامح وهو أصغر بسنين كتير.
الصورة التانية كانت في افتتاح أحد فروع الشركة.
أما الصورة التالتة...
فكانت أغربهم.
رأفت واقف قدام نفس الباب الفولاذي اللي هم واقفين قدامه دلوقتي.
وعلى ضهر الصورة مكتوب بخط إيده
لو سامح وصل قبل يسرا... يستناها.
يسرا رفعت الصورة وهي مذهولة.
يعني... عمي كان يعرفك؟
سامح هز رأسه.
اشتغلت معاه أكتر من خمستاشر سنة.
سلوى سألت
طيب ليه اختفيت بعد ما اتفصلت؟
ضحك ضحكة خفيفة.
لأني وافقت أظهر قدام الناس إني اتفصلت.
كلهم بصوا لبعض.
حتى حسين بان عليه الاستغراب.
يعني قرار الفصل كان تمثيلية؟
سامح رد
قرار حقيقي قدام الناس... لكن رأفت باشا هو اللي طلبه.
الأستاذ فؤاد ابتسم ابتسامة صغيرة.
كنت شاكك.
يسرا سألت بسرعة
ليه يعمل كده؟
سامح بص ناحية الباب الفولاذي.
عشان من يوم ما مرض... كان عارف إن في ناس هتبدأ تدور على الأوراق.
هند قالت
وكان عايزهم يفتكروا إنك بعيد عن كل حاجة.
بالضبط.
سكت لحظة...
ثم أضاف
طول السنين اللي فاتت، كنت أنا اللي بتابع المكان ده.
معتز أنزل إيده، لكنه فضل حذر.
لو كلامك صحيح... يبقى افتح الباب.
سامح هز رأسه
أنا مقدرش.
يسرا استغربت.
ليه؟
ابتسم وقال
لأن المفتاح مش هيشتغل غير لو صاحبته استخدمته بنفسها.
كل الأنظار اتجهت إلى يسرا.
أخذت نفسًا عميقًا.
وقربت من الباب.
دخلت المفتاح الإلكتروني في مكانه.
صدر صوت خفيف...
ثم أضاءت لمبة خضراء.
لكن الباب ما اتفتحش.
ظهر على شاشة صغيرة بجواره سطر واحد
أدخل الرمز المكون من أربعة أرقام.
هند قالت بقلق
إحنا محدش معاه رمز.
سامح قال بهدوء
الرأفت باشا كان متأكد إن يسرا وحدها هتعرفه.
يسرا بصت للشاشة.
حاولت تفتكر أي رقم.
تاريخ ميلاده؟
تاريخ تأسيس الشركة؟
رقم مكتبه؟
ولا واحد حس إنه صح.
وفجأة...
وقعت عينها على مريم، اللي كانت نايمة
افتكرت حاجة قديمة جدًا...
في كل عيد ميلاد ليها، كان عمها يضحك ويقول
فيه أربع أرقام عمرك ما تنسيهم يا يسرا... لأنهم غيروا حياتي للأبد.
وقبل ما تنطق بالرقم...
رن هاتف سامح.
بص للشاشة، وابتسامته اختفت لأول مرة.
رد بسرعة، واستمع لثوانٍ.
ثم رفع عينه ناحية حسين وقال بجدية
للأسف... إحنا مبقيناش لوحدنا في المبنى.
وساد الممر صمت ثقيل...
قبل أن يُسمع بوضوح صوت باب المصعد وهو يُفتح في نهاية الطابق اتجمد الكل في مكانه أول ما سمعوا باب المصعد بيتفتح.
معتز أشار لرجال الأمن ينتشروا في الممر.
لكن اللي خرج من المصعد مكانوش مسلحين...
كانوا ثلاثة رجال، ومعاهم مندوب من المحكمة، وموظف تنفيذ، وكل واحد فيهم شايل حقيبة أوراق.
المندوب قال بهدوء
مين مدام يسرا رأفت السيوفي؟
يسرا رفعت إيدها.
ناولها ظرف مختوم.
ده أمر صادر بتنفيذ وصية المرحوم رأفت السيوفي، بعد استيفاء آخر شرط فيها.
سلوى فتحت الظرف بسرعة.
وقرأت بصوت مسموع
تُفتح الخزنة رقم 1 بالمفتاح الإلكتروني، ويُستخدم الرمز 1987.
يسرا بصت للأستاذ فؤاد.
ابتسم وقال
سنة تأسيس أول شركة بين عمك ووالد طارق... كان دايمًا يقول إنها بداية كل حاجة.
كتبت يسرا الرقم.
ضغطت آخر رقم...
فانطفأت اللمبة الحمرا، واشتغلت الخضرا.
وبدأ الباب الفولاذي يفتح ببطء.
ورا الباب كانت أوضة صغيرة جدًا.
في منتصفها خزنة.
وفوقها صندوق خشبي قديم.
يسرا فتحت الصندوق.
كان فيه وصية بخط عمها، وعدة عقود أصلية، وفلاش ميموري، ودفتر ملاحظات.
فتحت الوصية أولًا.
وكان مكتوب فيها
يا يسرا...
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى نجحتي في أهم اختبار.
الاختبار مكنش إنك تلاقي الأوراق...
الاختبار كان تشوفي مين هيقف جنبك لما تضعفي.
ثروتي الحقيقية عمرها ما كانت الأراضي ولا الشركات.
ثروتي كانت سمعتي، وعدلي، والناس اللي وثقت فيهم.
لذلك قررت أن تنتقل حصتي القانونية كاملة إليك، بشرط ألا يُظلم فيها أحد، وألا تُستخدم للانتقام.
سكتت يسرا لحظة، ثم فتحت الفلاش ميموري على لابتوب المكتب.
ظهر تسجيل مصور لعمها رأفت.
كان جالسًا على نفس الكرسي، ويبتسم.
قال
لو بتشوفي الفيديو ده، فأنا خلاص مش موجود.
أول حاجة عايز أقولها...
متكرهيش حد.
الكره بيضيع صاحبه قبل ما يضيع غيره.
أما بالنسبة لمجموعة الشركات...
فكل الحسابات سليمة، وكل الشراكات قانونية.
أنا أخفيت المستندات مش لأن في جريمة...
لكن لأن كان في ناس مستعدة تدمر الشركة طمعًا في السيطرة عليها.
النهارده كل الأدلة بين إيدك، والقرار قرارك.
أغلق الفيديو.
ساد صمت طويل.
حسين اقترب من يسرا، وكانت أول مرة ينحني فيها قليلًا وهو يتحدث.
قال
أنا غلطت لما ضغطت على طارق يأجل تسجيل مريم خوفًا من مشاكل العيلة.
كنت فاكر إني بحمي الشركة...
ونسيت إني بظلم حفيدتي.
طارق نزل رأسه.
وأنا غلطت لما سمعت الكلام وسكت.
كان المفروض أختار الصح من أول لحظة.
يسرا بصت لبنتها الصغيرة.
ثم قالت بهدوء
أنا مش جاية أنتقم.
أنا جاية أخلي بنتي تكبر وهي عارفة إن حقها رجعلها بالقانون... مش بالخناق.
بعد أيام قليلة...
تم تسجيل مريم رسميًا، وأخذت كل حقوقها القانونية.
واجتمع مجلس إدارة الشركة.
وبناءً على الوصية، انتقلت حصة رأفت السيوفي إلى يسرا، التي أصبحت شريكة في المجموعة.
أما سامح...
فعاد إلى عمله بعد أن ظهرت الحقيقة كاملة، واتضح أن كل ما فعله كان تنفيذًا لوصية رأفت لحماية المستندات.
ومعتز أصبح مسؤولًا عن تأمين أرشيف الشركة بالكامل.
وفي أول اجتماع لمجلس الإدارة، دخلت يسرا وهي تحمل
نظر الجميع إليها في صمت.
ابتسمت، وقالت
الورق ممكن يحفظ الحقوق...
لكن العدل هو اللي
بيحفظ البيوت.
ثم جلست على مقعدها، وبدأت صفحة جديدة، لا تقوم على الخوف أو الصراعات، بل على الحق، واحترام الوصية، ولمّ شمل العائلة.
تمت.