بعد ساعتين من ولادة ينتي
مكانه فورًا.
وده كان أول تصرف يشوفوه منه فيه توتر حقيقي.
قال باستغراب
أستاذ فؤاد!
الراجل ابتسم بهدوء.
مساء الخير.
يسرا كانت أول مرة تشوفه.
بصت لسلوى.
مين ده؟
ردت
ده المستشار القانوني القديم لعيلة عمك رأفت... وهو الشخص اللي كان بيساعده في كل العقود من أكتر من ثلاثين سنة.
الأستاذ فؤاد قرب من السرير، وابتسم لمريم.
وقال
مبروك يا بنتي.
بعدين مد ظرف بني صغير ليسرا.
الأمانة دي كان لازم أوصلهالك بنفسي.
يسرا مسكت الظرف، وكان مقفول بالشمع الأحمر.
عليه ختم قديم باسم رأفت السيوفي.
قالت بتوتر
أفتحه؟
الأستاذ فؤاد هز رأسه.
دلوقتي.
فتحت الظرف ببطء.
طلع منه مفتاح صغير جدًا...
ومعاه ورقة مكتوب فيها بخط اليد
إلى يسرا...
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى في ناس هتحاول تقنعك إن الحق عبء.
متصدقيهمش.
المفتاح ده يفتح الخزنة رقم 18 في البنك، وهناك هتلاقي آخر مستند كنت خايف يختفي.
متفتحيش الخزنة إلا بحضور محاميتك.
ومتثقيش في أي حد... حتى لو كان من أقرب الناس ليكي.
أول ما يسرا خلصت قراءة الرسالة...
اتغير لون وش طارق.
أما حسين، فغمض عينيه للحظة طويلة، وكأنه كان يتمنى ألا تصل تلك الرسالة إلى صاحبتها أبدًا.
وفي نفس اللحظة، رن هاتف سلوى.
ردت بسرعة...
واستمعوا جميعًا إلى جملة واحدة فقط جعلت القلق يسيطر على المكان
يا أستاذة سلوى... في حد سبقكم على البنك، وبيحاول يوصل للخزنة رقم 18 الأوضة سادها صمت ثقيل.
يسرا فضلت باصة للرسالة، وقلبها بيدق بعنف.
هند أخدت منها الموبايل، وراجعت الرقم.
رقم جديد... ومفيش أي بيانات.
سلوى قالت
ابعتيلي الرسالة حالًا.
بعد أقل من دقيقة، كان موبايلها بيرن.
ردت، وبعد ثوانٍ قالت
تمام... ابعتولي التقرير أول ما يخلص.
قفلت المكالمة وقالت
شركة الاتصالات هتحاول تحدد مصدر الرسالة، لكن ده هياخد شوية وقت.
طارق قرب من يسرا وقال بصوت هادي
اسمعيني... مهما كان اللي بيحصل، أنا مش هسيبك لوحدك.
يسرا بصتله للحظات.
وقالت
أنا مش خايفة أبقى لوحدي... أنا خايفة أثق في الشخص الغلط.
الكلمة أصابته في مكان وجعه.
أنزل عينيه من غير ما يرد.
في نفس اللحظة، الأستاذ فؤاد طلع من جيبه دفتر ملاحظات صغير، أوراقه كانت قديمة جدًا.
فتح صفحة معينة وقال
عم رأفت كان بيسجل كل خطوة مهمة بخط إيده.
قرأ سطرًا واحدًا
إذا ظهرت الرسالة قبل فتح الخزنة... اعرفوا أن أحد الأمناء خان الأمانة.
هند اتفاجئت.
يعني في حد من الناس اللي كانت عارفة السر؟
فؤاد هز رأسه.
عددهم كان أربعة بس.
سلوى سألت
مين؟
رد
أنا... وسلوى... وعم رأفت... وحسين.
كل الأنظار راحت لحسين.
لكنه قال بثبات
أنا لا بعت رسالة... ولا أعرف مين بعتها.
وقبل ما حد يرد، الباب اتفتح، ودخل شاب في أواخر العشرينات، لابس بدلة كحلي، ومعاه كارنيه رسمي.
قال باحترام
أنا معتز... مدير الأمن في مجموعة شركات آل عثمان.
حسين عقد حاجبيه.
إيه اللي جابك هنا؟
رد معتز
حضرتك طلبت مني من شهر أراجع كاميرات المقر القديمة لو حصل أي تحرك حوالين ملفات الشراكة.
سلوى قالت بسرعة
ولقيت حاجة؟
فتح التابلت اللي في إيده، وشغل مقطع فيديو.
الكاميرا كانت من أرشيف الشركة.
التاريخ ظاهر عليها... قبل أسبوع.
في الفيديو، شخص ملثم دخل غرفة الأرشيف، وفضل يفتش في الأدراج.
لكن قبل ما يخرج...
وقف قدام الكاميرا بالصدفة.
ورغم إن وشه كان متغطي...
إيده كانت واضحة.
في إصبعه خاتم فضة كبير، عليه نقش مميز على شكل حرف ع.
معتز وقف الفيديو.
وقال
دورنا على الخاتم ده.
يسرا سألت
طلع بتاع مين؟
معتز بص لحسين الأول...
وبعدين قال بهدوء
الغريب... إن نفس الخاتم بيتلبس كهدية تكريم داخل المجموعة، ومفيش منه غير خمس نسخ.
طارق قال بسرعة
ومين معاهم النسخ دي؟
معتز فتح صفحة على التابلت.
وقبل ما ينطق بالأسماء...
رن هاتفه.
رد، واتغيرت ملامحه فجأة.
قال
إيه؟! إمتى؟
سكت لحظتين.
وبعدين بص لحسين وقال
في حد دخل مكتب الأستاذ رأفت القديم النهارده... لكن المرة
أمال أخد إيه؟
رد معتز
أخد صورة قديمة كانت معلقة على الحيطة... ومكتوب وراها بخط اليد المفتاح الحقيقي ليس في البنك.
وانتهت الجملة...
بينما يسرا كانت ماسكة المفتاح الصغير في إيدها، لأول مرة تشعر أن السر أكبر بكتير من مجرد خزنة اتجمدت إيد سلوى وهي ماسكة التليفون.
قالت بسرعة
إزاي؟ محدش يعرف رقم الخزنة.
الصوت اللي على الناحية التانية رد بكلمات قصيرة، لكن ملامح سلوى اتغيرت مع كل كلمة.
تمام... متخلوش حد يقرب منها... إحنا جايين.
وقفلت المكالمة.
يسرا سألت بقلق
في إيه؟
سلوى أخدت نفسًا عميقًا.
مدير فرع البنك بلغني إن في راجل راح من نص ساعة، وسأل بالتحديد عن الخزنة رقم 18، وقال إنه معاه توكيل.
هند قالت بسرعة
ومعاه التوكيل فعلًا؟
لا... لما طلبوا يشوفوه قال إنه نسيه، ومشي، لكن قبل ما يمشي فضل يسأل مين آخر شخص استفسر عن الخزنة.
طارق ضرب كفه في بعض بعصبية.
أكيد مجرد صدفة.
الأستاذ فؤاد هز رأسه.
لا... مفيش صدف في الموضوع ده.
حسين كان ساكت من أول المكالمة.
يسرا لاحظت إنه بيبص للمفتاح اللي في إيدها بطريقة غريبة.
فسألته
حضرتك تعرف إيه اللي في الخزنة؟
رفع عينه ليها وقال بهدوء
لا.
لكن الأستاذ فؤاد رد مكانه.
يعرف.
بصله حسين بنظرة حادة.
مش وقته.
قال فؤاد بثبات
بالعكس... ده وقته.
لف ناحية يسرا.
من خمسة وعشرين سنة، عمك رأفت وافق يدخل شريك في مشروع ضخم مع عيلة آل عثمان، لكن قبل توقيع العقود النهائية اكتشف مخالفة قانونية كان ممكن تضيع المجموعة كلها.
هند سألت
ومعملش إيه؟
رفض يكمل المشروع إلا بعد تصحيح كل حاجة.
يسرا بصت لحسين.
وده حصل؟
حسين رد بعد لحظة صمت
أيوه... واتصححت.
لكن الأستاذ فؤاد قال
اتصحح جزء منها.
الأوضة سكتت.
طارق قال بانفعال
يعني إيه جزء؟
رد فؤاد
يعني كان في اتفاق مكتوب، واتفاق تاني شفهي، والورقة اللي في الخزنة هي الوحيدة اللي تثبت الحقيقة كاملة.
في اللحظة دي دخلت الممرضة وهي مبتسمة.
ألف مبروك... إجراءات خروج البيبي والوالدة جاهزة.
كلهم بصوا لها.
واضح إنها دخلت في وقت مش مناسب.
ابتسمت بتوتر وقالت
أنا... أرجع بعدين.
وخرجت بسرعة.
سلوى قالت
يسرا لازم تخرج من المستشفى النهارده.
طارق استغرب.
ليه الاستعجال؟
لأن وجودها هنا بقى معروف، ولو الشخص اللي راح البنك عرف إنها استلمت المفتاح، ممكن يحاول يوصل لها قبل ما نوصل للخزنة.
يسرا ضمت مريم لصدرها.
لأول مرة من ساعة الولادة، حست إن الخطر مش على الورق...
الخطر بقى حواليها هي وبنتها.
وقبل ما حد يتكلم، وصل إشعار على موبايل يسرا.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
وكان مكتوب فيها سطر واحد فقط
متروحيش البنك... لأن اللي جوه الخزنة مش أهم حاجة... الأهم هو الشخص اللي هيكون مستنيك أول ما توصلي.
رفعت يسرا الموبايل ببطء.
ولما شاف حسين الرسالة...
اتغيرت ملامحه فجأة، وقال لأول مرة بصوت مليان قلق
لازم نعرف مين عرف إنها معاك المفتاح... وبسرعة يسرا فضلت باصة لشاشة الموبايل، وإيديها بدأت ترتعش.
هند أخدت التليفون منها بسرعة.
إزاي رقم عمك؟ ده مقفول من سنين!
فتحت الرسالة.
كان مكتوب فيها
متستقبليش أي حد قبل ما تتأكدي إنه معاه كلمة السر.
سلوى رفعت رأسها بسرعة.
كلمة السر؟
الأستاذ فؤاد ابتسم لأول مرة.
كنت متوقع إنه يعمل كده.
يسرا بصتله باستغراب.
يعني حضرتك تعرفها؟
هز رأسه بالنفي.
لأ... عمك قال إن كلمة السر هتكون مع الشخص اللي اختاره بنفسه، وأنا حتى معرفهاش.
في الخارج، الممرضة رجعت تخبط على الباب.
الراجل بيقول إنه مستعد يستنى خمس دقايق بس.
حسين قال بحزم
محدش يطلعه.
لكن يسرا رفعت إيدها.
استنوا.
بصوا لها كلهم.
قالت بهدوء
لو هو فعلًا جاي من طرف عمي... يبقى مش هسيبه يمشي.
سلوى وافقت.
يبقى ننزله غرفة الاستقبال، ونبقى كلنا موجودين.
بعد عشر دقايق...
كانت يسرا قاعدة على كرسي متحرك، ومريم نايمة هند، وسلوى والأستاذ فؤاد وحسين وطارق واقفين حواليها.
باب غرفة الاستقبال
دخل راجل في أوائل الستينات، لابس جلابية نظيفة وجاكيت قديم، وشعره كله أبيض.
أول ما شاف يسرا...
ابتسم وقال
كبرتي يا بنت رأفت.
يسرا عقدت حاجبيها.
أنا بنت أخوه... مش بنته.
ابتسامته وسعت.
عارف... لكن هو كان