بعد ساعتين من ولادة ينتي

لمحة نيوز


بيقول عليكي طول عمره بنتي.
الكلمة لمست قلبها.
قالت
حضرتك مين؟
رد بهدوء
اسمي عبد الحميد... وكنت السواق الخاص بعمك أكتر من عشرين سنة.
الأستاذ فؤاد هز رأسه.
أعرفه... وكان أكتر واحد رأفت بيثق فيه.
يسرا سألت مباشرة
إيه كلمة السر؟
عبد الحميد ابتسم، وقال من غير تردد
الأمانة... عمرها ما كانت فلوس.
الأستاذ فؤاد ضحك ضحكة خفيفة.
هي دي.
سلوى سألت باستغراب
يعني دي كلمة السر؟
قال
أيوه.
وبعدين مد إيده في جيب الجاكيت، وطلع ظرف صغير جدًا، عليه نفس ختم الشمع الأحمر اللي كان على الظرف الأول.
ناوله ليسرا.
ده آخر حاجة سلمها لي قبل وفاته.
يسرا فتحت الظرف بحذر.
ماكانش فيه عقود...
ولا شيكات...
ولا مفاتيح.
كان فيه مفتاح إلكتروني صغير، ومعاه ورقة مكتوب فيها بخط عمها
إذا وصلتي للمرحلة دي، يبقى عرفتي إن اللي حواليكي فيهم ناس أوفياء، وفيهم ناس لسه بتخبي أسرار.
المفتاح ده يفتح الخزنة الحقيقية الموجودة في مكتبي القديم داخل مقر الشركة، مش في البنك.
أما خزنة البنك... فهي مجرد خطوة كنت عارف إنها هتشغل أي حد بيدور ورا الورق.
طارق فتح عينيه بدهشة.
يعني كل اللي حصل حوالين البنك كان مقصود؟
الأستاذ فؤاد رد
رأفت كان عارف إن أي حد يراقب الملف هيركز على البنك... ويسيب المكان الحقيقي.
حسين أنزل رأسه لأول مرة.
وقال بصوت منخفض
أنا كنت فاكر إني فهمت طريقته... لكنه سبقنا كلنا.
وقبل أن يتكلم أحد...
دخل معتز مدير الأمن مسرعًا وهو يلهث.
وقال
في خبر مهم.
سلوى التفتت إليه.
خير؟
قال
حد حاول يقتحم مكتب الأستاذ رأفت من جديد... لكن أول ما وصل الأمن هرب.
هند سألت
قدرتم تشوفوا وشه؟
معتز أخرج هاتفه.
المرة دي الكاميرات جابت صورته بوضوح...
ثم رفع الشاشة أمام الجميع.
وفي اللحظة التي وقعت فيها عينا طارق على الصورة...
تغير لون وجهه تمامًا، وقال بصوت يكاد لا يُسمع
مستحيل... أنا أعرف الراجل ده كويس يسرا قلبت المفتاح بين صوابعها ببطء.
كان صغير، عادي جدًا، لدرجة إن أي حد يشوفه

يفتكره مفتاح درج مكتب قديم.
لكن بعد الجملة الأخيرة...
بقى له معنى تاني.
هند قالت وهي باصة للمفتاح
يعني الرسالة كانت صح؟
الأستاذ فؤاد هز رأسه بهدوء.
مش بالضرورة.
كلهم بصوا له.
قال
عم رأفت كان دايمًا يكتب جمل ناقصة... عشان يجبر اللي يقرأها يكمل التفكير، مش يحفظ الكلام.
سلوى سألت
يعني إيه؟
رد
لما كتب المفتاح الحقيقي ليس في البنك... كان يقصد إن السر الحقيقي مش مجرد الورق اللي جوه الخزنة.
طارق تنفس الصعداء.
الحمد لله... يبقى نسيب الخزنة.
لأ.
الكلمة خرجت من الأستاذ فؤاد بسرعة.
الخزنة لازم تتفتح.
ليه؟
لأن اللي فيها هيقودنا للحقيقة، لكن الحقيقة نفسها موجودة في مكان تاني.
في اللحظة دي...
مدير الأمن معتز رجع يشغل الفيديو مرة تانية.
وقف الصورة عند لحظة دخول الشخص الملثم.
كبرها.
وقال
استنوا...
كلهم قربوا من الشاشة.
بصوا هنا.
في زاوية الصورة، قبل ما الشخص يدخل، كان فيه انعكاس خفيف جدًا على الزجاج.
انعكاس لحد واقف بره الأرشيف.
وشه مكنش واضح...
لكن كان ماسك عصاية خشب بنفس الشكل اللي حسين بيمشي بيها من سنين.
طارق اتوتر.
يعني بابا كان هناك؟
حسين رد بمنتهى الهدوء
أيوه... كنت هناك.
سكت الجميع.
هند قالت بعصبية
حضرتك كنت شايف الحرامي؟
أيوه.
ومسكتوش ليه؟
حسين أخد نفسًا طويلًا وقال
لأنه هرب قبل ما أوصله.
سلوى ضيقت عينيها.
ليه مقولتش ده من الأول؟
رد
لأن اللي شوفته وقتها كان أهم من الشخص نفسه.
إيه هو؟
حسين بص ليسرا لأول مرة من غير أي برود.
وقال
الحرامي كان بيدور على ملف معين... لكنه تجاهل كل الملفات التانية.
ملف إيه؟
ملف مكتوب عليه... يسرا رأفت السيوفي.
قلب يسرا دق بقوة.
يعني الملف باسمي؟
أيوه.
سلوى فتحت الفايل اللي قدامها بسرعة، وقلبت الأوراق.
وفجأة توقفت.
مش موجود.
هند سألت
إيه اللي مش موجود؟
قالت
كشف المستندات.
يعني إيه؟
كل فايل كان ليه صفحة في الأول مكتوب فيها محتوياته... الصفحة دي متشالة.
الأستاذ فؤاد قال بهدوء
وده معناه إن حد عرف
يفتح الفايل قبل ما يوصل ليسرا.
طارق بص ناحية أبوه.
إنت شفته مفتوح قبل كده؟
حسين رد بحزم
لأ.
وقبل ما يكمل كلامه...
الممرضة دخلت بسرعة وهي بتجري.
ملامحها كانت مرعوبة.
وقالت وهي بتحاول تاخد نفسها
لو سمحتوا... في راجل تحت بيقول إنه قريب مدام يسرا، ومصمم يطلع هنا حالًا.
هند سألت
اسمه إيه؟
الممرضة هزت رأسها.
رفض يقول اسمه.
طب قال عايز إيه؟
بلعت ريقها وقالت
قال إنه جاي يسلمها أمانة... وإنه لو خرج من المستشفى قبل ما يشوفها، عمرها ما هتعرف الحقيقة اللي عمها دفنها من سنين.
وفي نفس اللحظة...
وصل إشعار جديد على هاتف يسرا.
لكن المرة دي...
الرسالة كانت من رقم عمها رأفت القديم...
الرقم الذي أُغلق منذ سنوات كل اللي في الغرفة بصوا على طارق.
حتى حسين رفع عينه بسرعة، وكأنه بيحاول يقرأ ملامح ابنه قبل ما يسمع اسمه.
سلوى قالت بجدية
تعرفه منين؟
طارق فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال
ده... سامح.
يسرا عقدت حاجبيها.
سامح مين؟
كان مدير إدارة الأرشيف في المجموعة.
معتز كمل
كان.
هز طارق رأسه.
استقال من تلات سنين.
الأستاذ فؤاد صحح المعلومة بهدوء
هو ما استقالش... اتفصل.
طارق بص له باستغراب.
اتفصل؟
أيوه... بعد ما اتهموه إنه سرّب مستندات داخلية، لكن وقتها مكنش فيه دليل كافي يثبت عليه كل حاجة.
حسين أخد نفسًا عميقًا.
أنا اللي وقعت قرار فصله.
يسرا سألت
وليه يرجع دلوقتي؟
معتز قال
واضح إنه بيدور على حاجة ناقصة.
سلوى بصت للمفتاح الإلكتروني اللي في إيد يسرا.
أو بيدور على اللي معانا.
عبد الحميد، السواق القديم، قال بهدوء
رأفت باشا كان دايمًا يقول أخطر واحد مش اللي يسرق... أخطر واحد هو اللي يستنى سنين عشان ياخد الحاجة في الوقت المناسب.
الصمت رجع يملأ المكان.
وبعدين رن موبايل معتز.
رد بسرعة.
أيوه...
ملامحه اتغيرت.
إزاي خرج؟
وقف يسمع ثواني، وبعدين قفل.
كلهم بصوا له.
قال
سامح اختفى.
هند سألت
يعني هرب؟
لا... المشكلة إنه دخل الشركة، وبعد خمس دقايق اختفى من الكاميرات
كأنه تبخر.
الأستاذ فؤاد قال
يبقى هو حافظ المبنى.
معتز هز رأسه.
وده اللي مخليني قلقان.
وقالت
إحنا هنفضل مستخبيين كده لحد إمتى؟
سلوى ردت بثقة
مش هنستخبى.
أمال؟
إحنا هنروح الشركة.
طارق اعترض فورًا.
دلوقتي؟ ده خطر.
قالت
لو استنينا، ممكن نوصل ونلاقي كل حاجة اتغيرت.
حسين وافق لأول مرة.
سلوى معاها حق.
ثم بص ليسرا وقال
القرار قرارك.
يسرا نزلت بعينيها على بنتها الصغيرة.
كانت نايمة في هدوء، ولا تعرف إن أول يومين في حياتها قلبوا حياة كل اللي حواليها.
رفعت رأسها وقالت بثبات
هنروح.
عبد الحميد ابتسم.
عمك كان هيبقى فخور بيكي.
بعد ساعة...
خرجوا من المستشفى في هدوء.
معتز رتب عربيتين.
الأولى فيها يسرا، وهند، ومريم، وسلوى.
والتانية فيها حسين، وطارق، وعبد الحميد، ومعاهم فريق الأمن.
الطريق كان هادي بشكل غريب.
ولا حد فيهم كان بيتكلم.
وفجأة...
قبل ما يوصلوا الشركة بدقائق...
رن هاتف يسرا مرة تانية.
رقم مجهول.
ترددت لحظة...
ثم ردت.
جالها صوت رجل كبير في السن، هادئ جدًا.
قال
مدام يسرا... متدخلوش المبنى من الباب الرئيسي.
قلبها دق بسرعة.
مين حضرتك؟
رد
أنا حارس المبنى القديم... والأستاذ رأفت سابلي رسالة مخصوص ليكي.
رسالة إيه؟
قال بصوت منخفض
قاللي... أول ما تيجي يسرا، قولها إن المكتب اللي الكل بيدور عليه... بقى فاضي من خمس سنين.
وسكت لحظة...
ثم أكمل الجملة التي جعلت الجميع يلتفت إليها في صدمة
لأن الحقيقة كلها... مستخبية في مكان محدش فكر يدور فيه يسرا قفلت المكالمة وهي سرحانة.
فضلت الجملة ترن في ودانها
الحقيقة كلها... مستخبية في مكان محدش فكر يدور فيه.
سلوى لاحظت شرودها.
قالك إيه؟
حكت لهم المكالمة بالحرف.
عبد الحميد ابتسم ابتسامة صغيرة.
دي طريقته.
هند استغربت.
يعني إيه طريقته؟
قال
الأستاذ رأفت عمره ما كان يحط أهم حاجة في المكان اللي الكل يتوقعه.
وصلت العربيتان قدام مقر الشركة.
المبنى كان ضخم، لكن غريب... مع إن الساعة كانت لسه بدري، إلا إن أغلب
المكاتب كانت مقفولة.
معتز نزل الأول.
لف بعينيه في المكان.
وكلم أفراد الأمن في السماعة.
أمنوا المداخل كلها... ومحدش يدخل أو يخرج من غير ما يبلغني.
نزلت يسرا وهي شايلة مريم.
حسين بص للبنت الصغيرة وقال لأول مرة
ادخلي بيها أوضة الاستراحة... المكان هناك
 

تم نسخ الرابط