الساعه ٣ الفجر

الساعه ٣ الفجر صافي هاني

لمحة نيوز


واضح إن حد مر منه من وقت قريب.
آثار أقدام حديثة.
المقدم همس في اللاسلكي
خليكم حذرين.
وصلوا لنهاية السلم.
قدامهم باب خشبي نصف مفتوح.
دفعه الضابط ببطء.
ولما دخلوا...
وقفوا جميعًا في مكانهم.
الغرفة كانت مليانة دواليب قديمة، وملفات مرصوصة بعناية.
وفي منتصف الغرفة...
ترابيزة خشب كبيرة.
وفوقها...
صندوق خشبي مغلق بقفل نحاسي.
المقدم قال بحماس
يمكن ده اللي بندور عليه.
لكن قبل ما يقرب منه...
سمعوا صوت حركة خفيفة.
كلهم لفوا ناحية آخر الغرفة.
كان فيه باب داخلي مفتوح سنة بسيطة...
والباب كان لسه بيتحرك، كأن شخصًا مر منه قبل لحظات فقط.
رفع المقدم سلاحه بحذر وقال
في حد هنا...
ثم أشار لرجاله يقتربوا ببطء من الباب الداخلي...
دون أن يعرف أحدهم ما الذي ينتظرهم خلفه المقدم رفع إيده، وأشار للضباط يقفوا مكانهم.
قال بصوت منخفض
محدش يدخل قبل ما نتأكد.
الهدوء كان خانق.
لدرجة إن صوت الباب وهو بيتحرك ببطء كان مسموع بوضوح.
واحد من الضباط قرب من الباب الداخلي، ودفعه بطرف قدمه.
الباب اتفتح بالكامل...
لكن الأوضة كانت فاضية.
لا حد.
ولا أي صوت.
المقدم دخل بحذر، وبدأ يلف بالكشاف على الحيطان.
وفجأة وقف.
استنوا...
كلهم قربوا منه.
على الأرض كان فيه كوب شاي لسه دافي.
إيمان بصتلي بدهشة.
يعني اللي كان هنا... خرج من دقائق.
هززت رأسي.
وده معناه إنه كان شايفنا قبل ما إحنا نشوفه.
...
رجع المقدم للصندوق الخشبي.
طلع المفتاح النحاسي اللي لقيناه قبل كده.
حطه في القفل.
دار المفتاح بسهولة.
الصندوق اتفتح.
كل الموجودين اتوقعوا يلاقوا فلوس... أو مستندات.
لكن اللي كان جواه كان مختلف تمامًا.
مجموعة دفاتر جلدية قديمة.
وصندوق صغير من المخمل الأحمر.
وظرف كبير مكتوب عليه بخط والدي
لا يُفتح إلا بحضور ابنتي.
المقدم بصلي وقال
القرار قرارك.
أخدت نفسًا عميقًا.
ومديت إيدي ناحية الظرف.
فتحت الختم بحذر.
كان جواه خطاب طويل.
وفي أول سطر مكتوب
يا بنتي... لو وصلتي للرسالة دي، يبقى أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
إيمان حطت إيدها على كتفي.
بدأت أكمل القراءة.
أوعي تثقي في أي ورقة

من أوراق الشركة بعد تاريخ...
وفجأة...
سكت.
إيمان قالت بقلق
كملي.
بصيت للتاريخ المكتوب.
واتجمدت.
لأنه كان قبل وفاة أبويا...
بستة أشهر كاملة.
همست
يعني... كان عارف إن في حد بيلعب من وهو عايش.
المقدم قال
كملي.
بلعت ريقي، وقلبت الصفحة.
لكن آخر صفحة من الخطاب...
كانت مقطوعة بعناية.
حد شالها.
وفي المكان اللي كانت فيه الصفحة، لقيت ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط مختلف
الجزء الأخير مع الشخص الذي أرسل لك الرسائل.
ساد صمت ثقيل.
وفي نفس اللحظة...
اهتز هاتف إيمان.
وصلها مقطع فيديو من الرقم المجهول.
فتحته بسرعة.
ظهر فيه شخص واقف في مكان مظلم، ووشه خارج إطار التصوير.
قال بصوت هادئ
لو عايزين تعرفوا مين بدأ كل ده... قابلوني الليلة الساعة 11.
ثم انقطع الفيديو فجأة...
قبل أن يظهر وجهه بلحظة واحدة إيمان أعادت تشغيل الفيديو مرة... واثنين... وثلاثة.
حاولت توقفه عند آخر إطار.
لكن قبل ما الوجه يظهر، الشاشة كانت بتسود.
المقدم قال
الراجل ده فاهم بيعمل إيه.
رديت بهدوء
ومش عايزنا نعرفه... لسه.
...
الساعة كانت قربت عشرة مساءً.
المكان اللي حدده في الرسالة كان مبنى إداري قديم، تابع للشركة قبل سنين واتقفل بعد نقل المقر الرئيسي.
المقدم اقترح يدخلوا بقوة.
لكن اعترضت.
لو حس إننا جايين نقبض عليه... مش هيظهر.
بعد نقاش قصير، اتفقوا إن رجال الشرطة يراقبوا المكان من بعيد، من غير ما يبانوا.
أنا وإيمان دخلنا المبنى وحدنا.
...
كان المكان غارق في الظلام.
التراب مغطي الأرض.
والهواء ريحته خشب قديم.
كل خطوة كانت عاملة صدى.
وصلنا للقاعة الرئيسية.
وفي منتصفها...
كرسي واحد.
وفوق الكرسي...
ملف بني.
إيمان همست
هو فين؟
قبل ما أرد...
سمعنا صوت من آخر القاعة.
اتأخرتوا دقيقتين.
لفينا بسرعة.
كان واقف في الضلمة.
ملامحه مش واضحة.
قال بهدوء
اقعدي.
فضلت واقفة.
مش قبل ما أعرف أنت مين.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
لو قلتلك اسمي... مش هيغير حاجة.
قلت بحزم
يبقى قول لي ليه بتساعدني.
سكت لحظات.
ثم قال
لأن والدك أنقذ حياتي من سنين... وأنا بوفي وعد.
إيمان سألته
إيه الوعد؟
رد
وعدته إن لو حصل له حاجة... أحمي حق بنته.

...
مد إيده ناحية الملف البني.
كل اللي ناقص عندك هنا.
اقتربت ببطء.
فتحت الملف.
كان مليان مستندات أصلية، وعقود، وسجلات قديمة.
وفي آخره...
كانت الصفحة الأخيرة المفقودة من خطاب والدي.
قلبي دق بعنف.
رفعتها بإيدي.
لكن قبل ما أقرأها...
انطفأت أنوار المبنى كلها.
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت زجاج بيتكسر في الدور الأرضي.
إيمان همست
في حد دخل.
الرجل المجهول اتغيرت نبرة صوته لأول مرة.
وقال بسرعة
هما وصلوا.
سألته
مين؟
رد وهو بينظر ناحية السلم
مش طارق...
وساد صمت لثانية.
ثم أكمل
...ناس بيدوروا على الملف من سنين.
وفي الخارج، كان أحد رجال المراقبة يصرخ في جهاز اللاسلكي
يا فندم... في ثلاث عربيات دخلت الشارع في نفس الوقت... وكل اللي فيها نزلوا واتفرقوا حوالين المبنى المقدم أمسك جهاز اللاسلكي بقوة.
كل الوحدات تثبت أماكنها... ممنوع إطلاق أي حركة إلا بأمر.
في الداخل...
إيمان قربت مني وهمست
نخرج؟
الرجل المجهول هز رأسه بالنفي.
لو نزلتوا السلم دلوقتي... هتقابلوهم وش لوش.
سألته بسرعة
يبقى نعمل إيه؟
أشار إلى باب خشبي صغير في آخر القاعة.
ورا الباب ده ممر قديم.
المقدم كان بيسمع الكلام من السماعة اللاسلكية، فقال
إحنا نقدر نوصل لكم.
الرجل المجهول رد بحزم
لا... لو الشرطة دخلت دلوقتي، اللي بره هيتفرقوا، ومش هنعرف هما بيدوروا على إيه.
...
في الخارج...
ثلاث سيارات توقفت في أماكن مختلفة.
لكن الغريب...
إن اللي نزلوا منها ما كانوش بيتكلموا مع بعض.
كل واحد كان ماشي كأنه عارف طريقه بالضبط.
أحد رجال المراقبة همس
يا فندم... الناس دي درست المكان قبل كده.
المقدم رد
خلي عينك عليهم.
...
داخل المبنى...
فتحت الصفحة الأخيرة من خطاب والدي.
كانت قصيرة جدًا.
لكن كل كلمة فيها كانت محسوبة.
يا بنتي... لو وصلتي للورقة دي، يبقى عرفتي إن الحقيقة عمرها ما كانت في الأوراق، الحقيقة في الشخص اللي حافظها. متخافيش من اللي يهددك... وخليكي دايمًا سابقة بخطوة.
أسفل الرسالة...
كان فيه اسم واحد فقط.
لما قرأته...
رفعت عيني للرجل المجهول.
قلت ببطء
الاسم ده...
الرجل ابتسم لأول مرة.
أخيرًا عرفتي.
إيمان
بصت بينا باستغراب.
حد يفهمني!
لكن قبل ما أرد...
سمعنا صوت خطوات سريعة في الممر.
حد كان بيجري ناحية القاعة.
الرجل المجهول أطفأ المصباح الوحيد.
المكان غرق في الظلام.
ثم انفتح الباب بعنف.
وقف الجميع ساكتين...
وصوت شخص مجهول دوّى في القاعة
فتشوا كل ركن... الملف لازم يطلع الليلة.
وفي الظلام، قبضت على الملف بقوة، وأنا مدركة أن أي حركة خاطئة في اللحظات القادمة قد تغيّر كل شيء... دون أن أعرف من الذي اقترب منا أولًا ثبتُّ نفسي في مكاني، وحبست أنفاسي.
القاعة كانت غارقة في الظلام، وكل اللي بيتسمع هو صوت خطوات بتقرب.
إيمان همست
هيشوفونا...
الرجل المجهول رد بهدوء
لسه لأ.
سمعنا صوت كشاف اتفتح.
شعاع النور بدأ يتحرك على الحيطان... يقرب... ويبعد.
وقف على الكرسي اللي كان الملف فوقه.
أحد الرجال قال بعصبية
كان هنا.
رد عليه صوت تاني
يبقى لسه ما خرجوش.
...
الرجل المجهول أشار لنا بإيده ناحية الباب الخلفي.
تحركنا ببطء شديد.
كل خطوة كانت محسوبة.
لحد ما وصلنا للممر الضيق.
وفجأة...
رن موبايل أحد الرجال في القاعة.
كل الموجودين وقفوا مكانهم.
رد بسرعة
أيوه.
سكت ثواني، ثم قال
متأكد؟
الكل كان مستني يسمع.
قال الرجل بصوت منخفض
طارق اتمسك.
اتجمدت في مكاني.
إيمان بصتلي بصدمة.
أما الرجال اللي كانوا بيدوروا على الملف، فبصوا لبعض في ارتباك واضح.
واحد منهم قال
يبقى لازم ننسحب.
التاني رد بعصبية
من غير الملف؟
دي أوامر.
في أقل من دقيقة...
سمعنا أصوات خطواتهم وهي بتبعد.
وبعدها...
رجع الهدوء للمكان.
...
خرجنا من الممر بحذر.
المقدم كان مستنينا عند المدخل الخلفي.
أول ما شافني قال
القبض على طارق تم من عشر دقايق.
سألته بسرعة
فين؟
كان خارج من مخزن قديم ومعاه شنطة مليانة مستندات.
إيمان اتنفست براحة.
الحمد لله.
لكن هززت رأسي.
لسه.
المقدم استغرب.
إيه اللي لسه؟
قلت وأنا ببص للملف اللي في إيدي
الناس اللي كانت هنا... أول ما سمعت خبر القبض على طارق، انسحبت فورًا.
وده معناه إيه؟
معناه إن طارق بالنسبة لهم كان مجرد وسيلة... مش الهدف.
ساد صمت ثقيل.
المقدم قال
يعني القضية أكبر مما كنا فاكرين.
هززت
رأسي.
وأكبر بكتير.
في اللحظة دي...
فتحنا الملف مرة تانية.
وفي آخر جيب داخله، لقينا مفتاحًا صغيرًا جدًا، مربوطًا بورقة مكتوب عليها بخط والدي
إذا وصلتِ إلى هنا... فأنتِ على بُعد خطوة واحدة من الحقيقة.
انتهت الليلة...
لكن الحقيقة الكاملة كانت ما تزال تنتظر خلف ذلك المفتاح الصغير.

 

تم نسخ الرابط