الساعه ٣ الفجر

الساعه ٣ الفجر صافي هاني

لمحة نيوز


التقط كل كلمة اتقالت.
وفي نفس اللحظة، كان إشعار وصل على موبايل إيمان.
ضغطت على الملف الصوتي، وتعالت أصواتهم بوضوح داخل الغرفة.
سكتنا كلنا.
ثم قلت بهدوء شديد
استنوا... لسه ما نتحركش.
إيمان سألت
ليه؟ ده اعتراف صريح.
رديت وأنا ببص للساعة
لأنهم قالوا هينقلوا الأوراق قبل الفجر... وأنا عايزة أعرف هينقلوها فين.
وفجأة...
رن هاتف إيمان مرة تانية.
ردت بسرعة، لكن ملامحها اتغيرت خلال ثوانٍ.
قفلت المكالمة، وبصتلي وهي بتقول
في عربية خرجت من الفيلا من خمس دقايق... لكن اللي كان سايقها مش طارق... ولا ميرفت اتعدلت في مكاني بسرعة.
مين اللي كان سايق؟
إيمان بصت في الرسالة مرة تانية وقالت
الشخص لابس كاب ونظارة، والكاميرات الخارجية ما جابتش وشه بوضوح.
قلت بهدوء
يبقى دي حركة تمويه.
يعني؟
طارق عمره ما هينقل حاجة مهمة بنفسه لو حاسس إن في حد بيراقبه. هيبعت حد الأول يشوف الطريق آمن ولا لأ.
في اللحظة دي، دخل الظابط المسؤول عن المتابعة.
حط خريطة صغيرة على الترابيزة وقال
العربية اتحركت في اتجاه الطريق الدائري، وبعدها اختفت عن الكاميرات.
سألته
اختفت... ولا دخلت مكان مفيهوش كاميرات؟
بصلي بإعجاب وقال
واضح إنك فاهمة.
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
لو كنت مكانه، كنت هدخل مخزن قديم أو جراج خاص.
...
بعد حوالي ساعة...
رن تليفون الظابط.
فضل يسمع في صمت، وبعدها قال
تمام... خليكوا بعيد ومتتحركوش.
قفل المكالمة وبص ناحيتي.
العربية دخلت مخزن قديم تابع لشركة كانت بتتعامل مع شركة والدك من سنين.
سألته
خرجت؟
لأ... لسه جوه.
إيمان قالت بحماس
يبقى نداهم المكان.
لكن هزيت راسي بالرفض.
لسه.
استغربوا كلهم.
قلت
إحنا مش بندور على ورق بس... إحنا بندور على الشخص اللي بيدير كل ده من الضل.
ساد الصمت.
لأول مرة، حتى الظابط بدأ يحس إن الموضوع أكبر من مجرد استيلاء على شركة.
...
وفي نفس الوقت داخل المخزن...
نزل الرجل المجهول من العربية.
بص حواليه بحذر، وبعدها فتح بابًا حديديًا صغيرًا.
كان فيه شخص مستنيه في الداخل.
من غير سلام ولا مقدمات، سلّمه حقيبة سوداء متوسطة الحجم.
الشخص الثاني فتحها بسرعة...
اتغيرت ملامحه، وقال بصوت منخفض
كلها هنا؟
الرجل رد باقتضاب
دي الدفعة الأخيرة.
وقبل ما يقفل الحقيبة...
وقع منها ظرف بني صغير على الأرض.
ماحدش أخد باله.
وبعد دقائق، خرج الاتنين، وقفلت أبواب المخزن من جديد.
أما الظرف...
ففضل مكانه، يحمل بداخله ورقة واحدة فقط.
ورقة لو وصلت للشرطة... كانت كفيلة إنها تغيّر مسار القضية بالكامل، لكن لسه ماحدش يعرف بوجودها بعد مرور نص ساعة...
وصلت رسالة جديدة للمقدم المسؤول عن المتابعة.
بص فيها، ثم رفع رأسه وقال
العربية خرجت.
سألته فورًا
والمخزن؟
رد
فاضي... على الأقل من بره.
ابتسمت بهدوء.
يبقى سابوا حاجة.
إيمان استغربت.
إنتِ واثقة إزاي؟
قلت
الناس اللي بتشتغل تحت ضغط دايمًا بتغلط. وكل ما كانوا مستعجلين... كل ما ينسوا تفصيلة.
...
في المخزن...
دخل فريق التحري بعد ما اتأكد إن المكان خالي.
كان كل شيء مترتب بشكل يثير الشك.
رفوف فاضية.
كراتين مقفولة.
مكاتب عليها طبقة

تراب كأن محدش دخلها من سنين.
أحد الضباط قال
واضح إن البلاغ غلط.
لكن ضابطًا أصغر سنًا لمح شيئًا غريبًا.
ركع على الأرض، ومد إيده تحت ترابيزة خشب مكسورة.
طلع الظرف البني.
نفخ عليه التراب، وسلمه للمقدم.
المقدم فتحه بحذر...
وسكت.
الضباط كلهم بصوا له.
قال أحدهم
فيه إيه يا فندم؟
المقدم طوى الورقة بسرعة وقال
ولا كلمة عن اللي شفتوه... مفهوم؟
...
في المستشفى...
دخل المقدم بنفسه بعد أقل من ساعة.
حط الظرف قدامي.
زي ما توقعتي.
فتحت الورقة بهدوء.
كانت عبارة عن كشف مختوم، فيه تواريخ وأرقام وحركة نقل لمعدات وأصول من الشركة، لكن آخر سطر هو اللي خلاني أبتسم.
إيمان قربت وقالت
إيه اللي فيه؟
لفيت الورقة ناحيتها.
قرأت السطر الأخير بصوت منخفض
تم الاستلام بمعرفة... طارق.
سكتت لحظة، ثم قالت
دي إمضته بنفسه.
هزيت رأسي.
ودي أول مرة يسيب دليل بإيده.
لكن قبل ما نفرح...
رن هاتف المقدم.
رد بسرعة، وفجأة ملامحه اتبدلت.
إزاي؟!
قام واقف وهو بيقول
اقفلوا كل المخارج... محدش يخرج.
قفل المكالمة، وبصلي مباشرة.
في حد دخل مقر الشركة من الباب الخلفي... بعد ما الكل خرج.
قلت بهدوء
أكيد راجعين يدوروا على حاجة نسيوا ياخدوها.
المقدم قال
الغريب... إن كاميرات الشركة سجلت الشخص وهو داخل...
سكت ثانية، ثم أكمل
...لكن بعد خمس دقائق، اختفى من التسجيلات تمامًا، كأنه تبخر إيمان عقدت حاجبيها وقالت
اختفى إزاي؟ الكاميرات مش بتسجل بشكل متواصل؟
المقدم رد وهو بيقلب في الصور المطبوعة
بتسجل... لكن في فجوة مدتها خمس دقائق. التسجيل قبلها موجود، وبعدها موجود... أما النص، فاتفصل.
بصيت للصور بهدوء، وقلت
ماحدش اخترق الكاميرات.
الكل بصلي باستغراب.
المقدم سأل
عرفتي منين؟
أشرت إلى الساعة الظاهرة في إحدى اللقطات.
بص على التوقيت... الكهرباء ماقطعتش، والتسجيلات التانية شغالة. ده معناه إن حد كان عارف مكان جهاز التسجيل الرئيسي، وفصل الجزء ده بنفسه.
ساد الصمت.
إيمان همست
يعني اللي عمل كده... يعرف الشركة من جوه.
هزيت رأسي.
ومش بس يعرفها... ده عارف أماكن الكاميرات اللي حتى أغلب الموظفين مايعرفوهاش.
...
في نفس الوقت...
كان طارق داخل الفيلا، بيمشي بعصبية من أوضة لأوضة.
ميرفت قالت وهي بتحاول تهديه
يمكن خلاص خلصت.
وقف فجأة وبصلها.
لأ... في حاجة ناقصة.
إيه؟
فتح درج مكتبه بسرعة، وبدأ يقلب فيه بعنف.
ملفات...
أختام...
مفاتيح...
ثم تجمد مكانه.
فين...؟
ميرفت قربت منه.
بتدور على إيه؟
قال بصوت متوتر لأول مرة
المفكرة.
مفكرة إيه؟
المفكرة السودة... اللي كنت بكتب فيها كل المواعيد والأرقام.
اتغير لون وش ميرفت.
يعني مش موجودة؟
طارق فضل يقلب المكتب بجنون.
قلب الكراسي، فتح الأدراج، وحتى فتش الخزنة.
لكن المفكرة اختفت.
ضرب المكتب بقبضته وهو بيصرخ
مستحيل!
...
في المستشفى...
كان هاتفي على الترابيزة جنب السرير.
اهتز فجأة.
وصلتني صورة واحدة فقط... بدون أي رسالة.
فتحتها.
كانت صورة لمفكرة سوداء، عليها حرف واحد محفور باللون الذهبي.
T
ابتسمت بهدوء.
إيمان لاحظت ابتسامتي.
دي هي؟
قفلت الشاشة وقلت
واضح إن في حد سبقنا
ليها.
مين؟
بصيت من شباك المستشفى، وقلت بصوت منخفض
السؤال الحقيقي... هو ليه الشخص ده قرر يساعدني دلوقتي؟
وفي اللحظة نفسها...
وصلت رسالة ثانية من نفس الرقم المجهول، لكن المرة دي كانت عبارة عن خمس كلمات فقط
المفكرة ليست أهم ما أملكه.
تبادلت أنا وإيمان النظرات...
لأن الرسالة دي معناها شيء واحد
اللي بيلعب ضد طارق... لسه مخبي مفاجآت أكبر إيمان مدت إيدها وقالت
ابعتي الرقم لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، ممكن نعرف صاحبه.
هزيت رأسي بالرفض.
لسه.
استغربت.
ليه؟
قلت وأنا بقفل شاشة الموبايل
اللي بعت الرسالة كان يقدر يختفي تمامًا... لكنه اختار يسيب أثر صغير. يبقى هو عايزنا نعرف إنه موجود، لكن مش عايزنا نوصل له دلوقتي.
المقدم بصلي وقال
وده يخلينا نثق فيه؟
رديت بحزم
لأ... يخلينا نحسب كل خطوة.
...
في الفيلا...
كان طارق بيقلب المكتب للمرة العاشرة.
ميرفت قالت بعصبية
يمكن وقعِت منك في الشركة.
لف ناحيتها بسرعة.
المفكرة دي فيها كل حاجة... أسماء، تواريخ، وأماكن.
شهقت ميرفت.
يعني لو حد لقاها...
قاطعها
إحنا انتهينا.
ساد الصمت.
بعد لحظات، رن هاتف طارق.
رد بسرعة.
ها؟
جاله صوت مرتبك
يا باشمهندس... فيه حد كان بيفتش في مكتب حضرتك قبل ما توصل.
اتسعت عيناه.
مين؟
ماحدش عارف... دخل وخرج في أقل من عشر دقايق.
قفل المكالمة وهو بيضغط على أسنانه.
ثم قال لميرفت
من النهارده... محدش يدخل الشركة إلا بإذني.
...
في المستشفى...
دخل أحد الضباط يحمل كيسًا شفافًا خاصًا بالأدلة.
وضعه على الطاولة وقال
لقينا ده تحت الكنبة في مكتب الإدارة.
نظرت إلى الكيس.
كان بداخله مفتاح نحاسي قديم، مربوط بخيط أحمر، وعليه لوحة معدنية صغيرة منقوش عليها رقم
27
إيمان سألت
مفتاح إيه ده؟
أخذت أتأمله لثوانٍ، ثم شعرت أنني رأيته من قبل.
أغمضت عيني أحاول التذكر...
وفجأة تذكرت آخر يوم كنت فيه مع والدي داخل الشركة.
كان قد سلمني مجموعة مفاتيح وقال يومها
فيه أبواب بتتفتح في وقتها... وأبواب لو اتفتحت بدري، تضيع كل حاجة.
فتحت عيني بسرعة.
ده مش مفتاح مكتب...
المقدم اقترب.
أمال مفتاح إيه؟
قلت بصوت خافت
ده مفتاح مخزن قديم كان والدي ممنوع أي حد يدخله غيره.
إيمان سألت بلهفة
والمخزن ده فين؟
نظرت إلى المفتاح مرة أخرى، ثم قلت
لو ذاكرتي ما خدتنيش... فهو موجود في مكان عمر طارق ما فكر يدور فيه.
وفي اللحظة نفسها، دخل أحد أفراد التحريات مسرعًا وهو يلهث وقال
يا فندم... في حد سبقنا للمخزن.
ساد الصمت في الغرفة.
فسأله المقدم بسرعة
عرفتوا مين؟
رد الرجل وهو يهز رأسه
لأ... لكن الباب كان مفتوح... وآثار أقدام جديدة كانت داخلة... ومافيش أي آثار خارجة المقدم وقف مكانه للحظة، ثم قال بحزم
يعني اللي دخل... لسه جوه؟
رجل التحريات هز رأسه.
إحنا طوقنا المكان من بره، لكن ما اقتحمناش قبل ما نبلغ حضرتك.
بصيت للمفتاح اللي في إيدي، وقلت بهدوء
ماحدش يدخل المخزن.
إيمان استغربت.
ليه؟
لأن لو فيه حد جوه فعلًا، فهو مستني حد يفتح الباب الرئيسي. وأنا مش عايزة أديه اللي هو عايزه.
المقدم سأل
يبقى نعمل إيه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
ابعتوا
حد يراجع تصميم المخزن القديم.
...
بعد أقل من عشرين دقيقة...
وصلت الرسومات الهندسية للمخزن.
فردها المقدم على الترابيزة.
كلنا قربنا نبص.
وفجأة، لفت نظري خط مرسوم بالقلم الأحمر.
استنى...
المقدم رفع رأسه.
في إيه؟
حطيت صباعي على الركن الشمالي من الرسم.
الأوضة دي.
قال الضابط
دي غرفة صغيرة للتخزين.
هزيت رأسي.
لا... دي مش غرفة.
إيمان سألت
إزاي؟
قلت
لأن مقاسها على الطبيعة أصغر من المساحة الموجودة في الرسم.
ساد الصمت.
المقدم بدأ يحسب بسرعة، ثم اتسعت عيناه.
يعني...
يعني فيه فراغ خلف الحائط.
...
في نفس الوقت...
كان الشخص المجهول داخل المخزن، ماسك كشافًا صغيرًا.
وقف قدام الحائط نفسه.
مرر إيده عليه ببطء، لحد ما حس ببروز صغير.
ضغط عليه.
سمع صوت تك.
بدأ جزء من الحائط يتحرك ببطء.
وراءه ظهر ممر ضيق جدًا.
دخل فيه، وأغلق الحائط خلفه.
...
في المستشفى...
رن هاتف المقدم.
رد بسرعة.
أيوه؟
فضل ساكت وهو بيسمع.
ثم قال
متقتحموش... كرر، متقتحموش.
قفل الخط، وبصلي.
رجالتنا أكدوا إن فيه صوت حركة جوا المخزن.
قلت بهدوء
مش في المخزن.
استغرب.
أمال فين؟
أشرت إلى الرسومات.
في الفراغ اللي ورا الحائط.
إيمان همست
يعني فيه غرفة سرية.
هزيت رأسي.
وأبويا كان مخبيها عن الكل.
المقدم أخذ نفسًا عميقًا.
لو الغرفة دي فيها المستندات اللي بندور عليها...
قاطعته بهدوء
يبقى طارق عمره ما وصل لها.
وقبل أن يكمل أحد الكلام...
اهتز هاتفي.
وصلت رسالة جديدة من الرقم المجهول.
فتحتها بسرعة.
كانت تحتوي على ثلاث كلمات فقط
لا تتأخروا كثيرًا.
ثم، بعد ثوانٍ، وصلت صورة.
صورة لباب حديدي قديم... وعلى الأرض أمامه كان ظاهر ظل شخص آخر.
أي أن صاحب الرسالة...
لم يعد وحده داخل الغرفة السرية تجمدت إيمان وهي بتبص للصورة.
فيه حد تاني معاه...
المقدم مد إيده وقال
ابعتيلي الصورة.
ناولته الموبايل، فكبر الصورة أكثر من مرة.
ثم قال
بصوا على الظل.
إيمان قربت.
ماله؟
قال بهدوء
الظل التاني أقصر... لكنه واقف بثبات. يعني مستني، مش داخل بالصدفة.
أخدت الموبايل من إيده، وركزت في زاوية الصورة.
في انعكاس خافت على الباب الحديد، كان ظاهر جزء من ساعة يد.
ابتسمت فجأة.
إيمان استغربت.
عرفتي حاجة؟
قلت
الساعة دي شفتها قبل كده.
فين؟
في الشركة... كانت في إيد واحد من الموظفين القدام.
المقدم سأل بسرعة
مين؟
قبل ما أجاوب، دخل أحد أفراد التحريات وهو بيجري.
يا فندم... لقينا ملف قديم في أرشيف الشركة.
المقدم قال
إيه علاقته؟
فتح الملف، وطلع منه صورة جماعية التقطت من حوالي عشر سنين.
حطها قدامي.
بدأت أبص في الوجوه واحد واحد...
لحد ما وقفت عند شخص واقف في آخر الصف.
رفعت صباعي عليه.
هو ده.
المقدم قرأ الاسم المكتوب تحت الصورة.
حسن عبدالتواب... أمين مخازن سابق.
إيمان سألت
هو اختفى إمتى؟
قلب المقدم الورق.
استقال من الشركة قبل وفاة والدك بست شهور.
هزيت رأسي ببطء.
لا... هو ما اختفاش.
يعني إيه؟
هو كان موجود... لكن بعيد عن الأنظار.
...
في نفس اللحظة داخل الغرفة السرية...
الرجل المجهول رفع الكشاف في وش الشخص التاني.
ظهر راجل في أواخر
الخمسينات، ملامحه مرهقة، لكنه ثابت.
قال بصوت هادئ
اتأخرت.
الرجل المجهول رد
كان لازم أتأكد إن محدش مراقبني.
ابتسم الرجل الكبير ابتسامة خفيفة.
لسه محتفظ بيها؟
فتح الرجل المجهول الحقيبة، وأخرج المفكرة السوداء.
الرجل الكبير أخدها، لكنه لم يفتحها.
اكتفى وهو يقول
المفكرة دي مجرد مفتاح...
الرجل المجهول عقد حاجبيه.
مفتاح لإيه؟
نظر الرجل الكبير ناحية الجدار الخلفي للغرفة، ثم قال
للصندوق اللي
 

تم نسخ الرابط