الممرضة لقت ابره

لمحة نيوز


قبل ما أكسره عليك.
شريف تجمد مكانه، يده في الهواء، وعينيه بتدور على مخرج لكن مفيش غير الشباك والباب، والاتنين مسدودين. بعد تلات ثوانٍ سمعوا صوت انفجار بسيط، والباب اتفتح بقوة لداخل، ودخل سليم أولًا، لابس بدلة سفره، وفي يده سلاح، وعينيه الزرق اللي كانت مليانة حنان قبل كده كانت دلوقتي مليانة نار وغضب لم تشوفه نادية في حياتها. وراه دخلت تلاتة من رجال الأمن اللي يثق فيهم، مسكوا شريف فورًا قبل ما يتحرك سنتيمتر واحد، وشدوا يديه لورا بقوة.
سليم ما نظرش لشريف ولا للرجال، عينيه كانت على آدم اللي في حضن نادية، وعلى المخدة المقطعة والإبر المبعثرة على الأرض، وعلى الدم اللي على صباع نادية وعلى رقبة ابنه. لما شاف علامات الوخزات ورا رقبة آدم، لمع في عينيه شيء مخيف، واتجه ناحية شريف بخطوات بطيئة ثقيلة، كأن الأسد بيمشي ناحية فريسته.
قال بصوت هادي لكن كل كلمة منه كانت بتقطع أكتر من السكينة
كل ليلة.. كنت بتروح لابني.. وتوخزه؟ كنت بتعذبه عشان إيه؟ فلوس؟ ولا عداوة قديمة؟ قولي لي سبب واحد بس يخلي إنسان يعمل كده في طفل ما أذاك في يوم من الأيام؟
شريف كان بيتنفس بصعوبة، وعيونه بتدور على أي رحمة لكن ما لقيش غير غضب سليم
أنا.. أنا ما كنتش أريد.. ياسمين هي اللي أجبرتني.. هي كانت هتكشف علي أسرار.. كانت هتدمرني..
سليم رفع حاجبه
ياسمين؟ أين هي؟
في اللحظة دي سمعوا صوت صرخة من بره الأوضة، ودخل واحد من الرجال وقال
يا سليم.. وجدنا الأستاذة ياسمين بتحاول تهرب من الشباك الخلفي، ومسكناها، ولقينا معاها أوراق مهمة.
سليم هز راسه، وقال للرجال اللي ماسكين شريف
اخدوهما

للغرفة القديمة تحت الأرض.. لا حد يكلمهم.. لا حد يعطيهم أكل ولا شرب لحد ما أخلص.. وبعدين نشوف الحساب القديم والجديد مع بعض.
خرجوا بالاتنين، وسليم بقي وحده مع نادية وآدم في الأوضة. لما سمع صوت الباب وهو بيقفل، رمى سلاحه على الكرسي القريب، واتجه ناحية نادية وآدم بخطوات سريعة، ولما وصل قرب شويه ووقف خوفًا إنه يخوف الولد، فقال بصوت ناعم جدًا
آدم.. يا روح بابا.. أنا جيت.. مفيش حد هيأذيك تاني أبدًا.. صدقني.
آدم رفع راسه من حضن نادية، وبص لباباه، وبعدين مد إيده الصغيرة ناحيته. سليم ما ترددش، خده في حضنه بكل حنان وحذر، وضمه لصدره بقوة كأنه بيخاف يطير منه، وبدأت دموعه تنزل بصمت على شعر ابنه. نادية شافت الراجل القوي اللي الكل بيخاف منه بيعيط زي الطفل الصغير، وحست قلبها بيوجعها من المشهد ده.
بعد دقائق هدأ شويه، وبص لنادية، وشاف الدم على صباعها، وشاف الإبر، وشاف تعبها وقلقها، فقال بصوت مبحوح
أنتي.. أنتي أول واحدة صدقت ابني.. أول واحدة خافت عليه بجد.. أول واحدة شافت الحقيقة اللي الكل كان بيغض الطرف عنها.
نادية حاولت تبتسم لكن تعبها غلبها
كنت لازم أصدقه يا سليم.. هو طفل صغير مش بيعرف يكذب.. وكل اللي كان بيحصل معاه كان بيقول إن فيه حاجة غلط مش في عقله، في الحيطان اللي حواليه.
سليم أشار لها تجلس على الكرسي، وقال
تعبتِ كتير.. خلي الراحة تيجي عليكي دلوقتي.. من فضلكِ قولي لي كل حاجة شفتيها، كل حاجة سمعتيها، من أول ما جيتي للقصر لحد اللحظة دي.. عشان أعرف كم كنت غبي ومغفل.
جلست نادية، وبدأت تحكي له كل التفاصيل من لقائها بالدكتور شريف وابتسامته الزيادة،
لحد كلامه معاها عن المخدة، وملاحظتها إن الألم بييجي بس بعد ما ينام، وحديثها مع آدم، ومحاولة ياسمين تدخل بحقنة مهدئة أول ما سافر، وكل شكوكها اللي كانت بتخفيها عشان ما تظنش إنها مجنونة. وهو كان بيسمع بتركيز تام، وكل ما تذكر حاجة جديدة، كانت ملامحه تتقلب أكتر من الغضب والندم.
لما خلصت، سكت فترة طويلة، بعدين قال
أنا عارف إن ياسمين ما كانتش تحب آدم.. لكن كنت فاكر إنها مجرد غريزة أمومة مختلفة، أو إنها خايفة من المسؤولية.. ما تخيلتش حتى في أسوأ كوابيسي إنها تصل لدرجة إنها تعمل كده.. إنها تتآمر مع دكتور أثق فيه من سنين عشان تقتل ابني.
والدكتور شريف؟ كنت تعرفه من زمان؟
من أيام الجامعة.. كان صديق قديم ليا، وكنت واثق فيه أكتر من أي حد تاني، عشان كده لما مرض آدم جابته فورًا.. كنت فاكر إنه اللي هينقذه، وطلع هو اللي كان بيقتله ببطء كل يوم.
سكت شويه، وبص للإبر المبعثرة، وقال بغضب مكتوم
الإبر دي.. المادة اللي عليها.. لما شفتها نزلت من المخدة تذكرت حاجة.. قبل كده بسنوات، كان عندنا خادم قديم في القصر، اكتشفت إنه بيسرق، وطردته، وقلت لما حد يسأل عنه إنه سافر.. وعرفت بعدين إنه كان قرابة لشريف.. ويمكن ده كان السبب في كل الحقد ده.. هو فاكر إنني ظلمته، وانتقم مني في أغلى ما أملك.
مرت الساعات، وطلع النهار، ونادية كانت قاعدة جنب آدم اللي نام أخيرًا في حضن باباه، بعد ما أطمأن قلبه وعرف إن مفيش حد هيأذيه. سليم طلب الدكتور الخاص بيه، دكتور غير شريف، دكتور كان يثق فيه ويعرفه من خارج دائرة أعماله، وفحص آدم وفحص الإبر، وأكد كلام نادية المادة اللي كانت على
سنون الإبر هي مادة سامة تسبب تهيج في الأعصاب وآلام حادة وتشنجات، ومش بتظهر في أي تحليل دم عشان كده كل الفحوصات كانت سليمة، والجرعات اللي كان بيعطيها الدكتور شريف من المهدئات كانت عشان يخدره ويقلل من مقاومة جسمه، وكل ما كان يضيف جرعة كان بيخلي حالته تظهر أسوأ وأسوأ.
بعد ما اطمأن سليم على صحة ابنه، وقع بجانب نادية على الكنبة، وبدأت عينيه تتكلم من غير ما يحتاج لسان
أنا مدين لكِ بحياته يا نادية.. مدين لكِ بحياتي كلها.. لو ما كنتِ جيتي، ولو ما كنتِ صدقتيه، كان مات ببطء وأنا قاعد أشوفه ومش عارف السبب.. كان مات وأنا فاكره مريض بمرض غامض.
قالت نادية ببساطة
أنا ما عملتش غير واجبي يا سليم.. أي ممرضة شريفة كانت تعمل كده.. وآدم طفل يستحق كل الحب والاهتمام.
ابتسم سليم، وابتسامته كانت مختلفة عن كل الابتسامات اللي شافتها منه قبل كده، كانت ابتسامة إنسان وجد أمل كان فقده
مش كل واحد كان يصدق طفل يقول له عفريت بيعضه.. مش كل واحد كان يجرأ يشك في كلام دكتور مشهور، أو يرفض كلام مرات زعيم المافيا.. أنتِ مختلفة يا نادية.. مختلفة تمامًا عن كل اللي عرفتهم في حياتي.
في الأيام اللي جت، اتغير كل حاجة في القصر. ياسمين وشريف سلموا للعدالة، وظهرت تفاصيل كتير تانية كانوا بيخططوا يثبتوا إن آدم مريض بمرض وراثي نادر، عشان يمنع سليم من توريثه، ويسلموا الثروة لابن أخو ياسمين، وكانوا بيجمعوا أدلة مزورة من سنين عشان يثبتوا كلامهم. وسليم صفي كل أعماله الغامضة، واعتزل كل الصفقات المشبوهة، وقرر يبني حياته من جديد، يعيش لابنه، ويعوضه كل الحرمان والخوف اللي عاشه الفترة
الماضية.
وكل ما كان بيقضي
 

تم نسخ الرابط