الممرضة لقت ابره
دي خطر عليه.
قرب الدكتور شريف.
آنسة نادية...
قاطعتهم
لأ. مع الأدوية اللي واخدها، الحقنة دي ممكن توقف نفسه.
شدت ياسمين على سنانها.
واضح إنك ناسية مين اللي بيدفعلك مرتبك.
وقفت نادية قدام سرير آدم.
كلموا سليم.
سكتت ياسمين.
وقالت باستخفاف
فاكرة هيختار ممرضة مأجورة بدل مراته؟
ردت نادية وهي ثابتة
هيختار ابنه... وهو بيتنفس.
ساد صمت ثقيل.
وفجأة...
ابتسمت ياسمين.
وكانت أبشع ابتسامة شافتها نادية في حياتها.
قالت
تصبحي على خير.
أول ما خرجوا...
قفلت نادية الباب بالمفتاح.
بصلها آدم بخوف.
هي زعلانة؟
قالت بصراحة
آه.
بابا هيرجع؟
هيرجع.
بلع ريقه وقال
العفريت بييجي لما بابا يسافر.
قعدت جنبه، وحطت مقص الطوارئ جنبها.
وقالت بهدوء
يبقى الليلة دي...
هنستنى الوحوش سوا.
الساعة ٢١٤ الفجر...
آدم صرخ.
مش عيط...
صرخ.
نادية قامت من مكانها قبل ما تفوق بالكامل.
جسمه كان متشنج، وإيديه بتحك ورا رقبته بعنف.
ولما بصت...
شافت دم على كيس المخدة.
أحمر.
طازة.
رفعت آدم بسرعة وحذر.
ولما كشفت آخر رقبته...
شافت تلات علامات صغيرة مكان وخزات إبر.
بينزفوا.
بعدته عن السرير.
ومسكت المخدة.
كانت شكلها طبيعي.
ناعمة.
غالية.
نضيفة.
ضغطت عليها بإيدها...
مفيش حاجة.
ضغطت أكتر...
برضه مفيش.
ساعتها استخدمت كل وزنها، كأنها بتحاكي راس طفل بعد ساعات من النوم.
وفجأة...
سن إبرة خرم الجوانتي ووخز صباعها.
بصت للدم اللي بدأ ينزل.
ومسكت مقص الطوارئ.
وشقت المخدة.
الإبر نزلت منها بالعشرات.
صديانة.
ومستخبية.
ومتغطية بالمادة الغامقة.
وراءها آدم كان بيعيط وهو بيقول
أنا قلتلهم.
دموع نادية نزلت لأول مرة.
وقالت بصوت مخنوق
أيوه...
إنت قلت.
في اللحظة دي...
مقبض الباب اتحرك.
ومفتاح دخل في الكالون.
مسكت الأباجورة النحاسية
وبرق السما لمع مع فتح الباب.
كان الدكتور شريف مراد واقف.
المرة دي...
ماكانش شايل شنطة الكشف.
كان ماسك في إيده حقنة مليانة سائل أصفر معكر.
أول ما بص على المخدة المقطعة على الأرض...
وشه اتغير.
ولأول مرة من ساعة ما نادية عرفته...
القناع وقع.
بصلها وقال بهدوء مرعب
ماكانش المفروض تدوري ورا الحقيقة بالشكل ده.
وفي اللحظة دي...
بدأت كل الأسرار اللي كانت مدفونة جوه قصر الشرقاوي...
تنزف.
كان الصمت اللي ساد الأوضة بعد ما شافت الدكتور شريف هو أثقل صوت سمعته نادية في حياتها. الريحة المرة اللي كانت طالعة من الإبر المبعثرة على الأرض اختلطت بريحة العرق البارد اللي بيدق من جبينه، وابتسامته الناعمة اللي كانت ما تفارق وشه طوال الأسابيع الماضية اتغيرت لشكل غريب، مش ابتسامة، مش غضب، هو شكل الراجل اللي خلاص ماعندهش حاجة يخسرها.
نادية رفعت الأباجورة النحاسية أكتر لفوق، وصوتها كان ثابت رغم إن قلبها كان بيحطم ضلوعها
إيه اللي بتعمله يا دكتور؟ ده إيه الحقنة دي؟ وإيه الإبر اللي كانت مستخبية جوه مخدة الطفل؟
شريف خطوة خطوة دخل الأوضة وقفل الباب وراه ببطء، ومسك المفتاح من الجانب التاني وحطه في جيبه. عينيه كانت بتتحرك بين نادية وبين آدم اللي كان متكور في الزاوية ورا السرير، بيحاول يخفي نفسه بكل ما يملك، وبيصدر صوت همس خافت خوفًا.
قال شريف بصوت منخفض، كأنه بيكلمنا نفسه
كنتِ ذكية أوي أوي يا آنسة نادية.. كان المفروض تاخدي الفلوس، تمشي، وتسيبي الأمور تمشي زي ما هي ماشية. كنتِ هتربحي كل حاجة، وماكانش هيحصلك أي مكروه.
ردت نادية بغضب حقيقي طلع من أعماقها
أربح إيه؟ أربح إنني أكون شريكة في تعذيب طفل بريء؟ ده اللي كنت بتعمله طول الفترة دي؟ بتوخزه كل ليلة عشان
ضحك شريف ضحكة قصيرة مسموعة، فيها سخرية مريرة
تشخيصي؟ أنا ما كنتش عاوز أثبت أي تشخيص.. أنا كنت عاوز شيء واحد بس آدم يبقى ضعيف، ما يقدرش يتكلم، ما يقدرش يشتكي، وكل ما يحس بألم يقولوا له عفريت أو كوابيس أو حالة نفسية.
في اللحظة دي، سمعوا صوت آدم الصغير من ورا السرير
ليه بتعمل كده؟ ليه بتكرهني؟
بص شريف للولد، ولأول مرة نادية شافت في عينيه نظرة كره حقيقي، نظرة مش طبيعية، نظرة كان فيها حقد موروث من سنين كتير
أنا مش بكرهك يا آدم.. أنا بكره اللي أنت وارثه.. أنت وارث كل حاجة ما كانش المفروض تخصك من الأساس.
نادية بدأت تربط الخيوط مع بعض، وحست ببرودة تسري في جسمها
ده مش عملك لوحدك.. ياسمين معاك صح؟ هي اللي ورا كل ده؟
سكت شريف لحظة، بعدين هز راسه ببطء
ياسمين؟ هي مجرد أداة.. زي ما أنا كنت أداة، زي ما كل واحد في البيت ده أداة لحد تاني. هي كانت عاوزة تتخلص من آدم عشان أولاد أخوها يورثوا اسم سليم وثروته، بس هي ما كانتش تجرأ تعمل حاجة لوحدها. كانت محتاجة حد يعرف الطب، حد يعرف كيف يخلي الألم يظهر من غير ما يظهر سببه في أي تحليل أو أشعة، حد يكون موثوق من سليم لدرجة ما يشكش فيه أبدًا.
وأنتِ كنتِ جيتِ في الوقت المناسب تمامًا.. لما سليم بدأ يشك شوية في حالته، لما بدأ يطلب دكاترة تانيين، كنتِ لازم تكوني إما معانا أو تتخلص منك. وكنتِ غبية.. صدقتِ الطفل، وبدأتِ تسألي أسئلة ما كانش المفروض تسأليها.
نادية فهمت كل حاجة دلوقتي.. فهمت ليه كان مصر على المخدة دي بالذات، ليه كان بيغيرها كل فترة، ليه كان بيقول إنها طبية خاصة ومصنوعة خصيصًا لآدم، ليه كان يمنع أي حد يلمسها غيره هو أو ياسمين.
والحقنة اللي في يده دلوقتي؟ نادية عرفت فورًا إيه هي.. مادة سامة قوية، لما تتحقن للطفل هتوقف قلبه في دقائق، والتحاليل هتقول إنها فشل عضوي مفاجئ أو نوبة قلبية، وحد مش هيشك في حاجة.
قالت نادية وهي بتحاول تاخد وقت، عشان عقلها يدبر طريقة للنجاة
وسليم؟ هو اللي أذيتوه إيه؟ عشان وثق فيكم؟ عشان هو كل اللي بيفكر فيه ابنه؟
اتغيرت ملامح شريف، وظهر على وشه التعب والخوف لأول مرة
سليم.. سليم ده راجل صعب أوي يا آنسة نادية. هو وصل للي وصل له بالدم والعرق، ومش بيسمح لأي حد يلعب بيه. لو كان عرف نص اللي بنعمله، كان قتلنا الاتنين قبل ما نكمل كلامنا. ده عشان كده كنا محتاجين نعملها بذكاء.. نموت آدم بطريقة طبيعية، نعزي سليم، ونقول له الحمد لله إنها كانت رحمة من ربنا، وبعدين نكمل خطتنا.
خطتكم إيه بالظبط؟
قبل ما يرد، سمعوا صوت عربيات كتير بتدخل بوابة القصر الرئيسية، واضحة من الشبابيك الكبيرة، وصوت أبواب بتتقفل بقوة. شريف اتلفت بسرعة ناحية الشباك، وعينيه اتوسعت، وبدأت يده ترتجف وهو ماسك الحقنة.
همس بصوت مرعوب
ده سليم.. رجع بدري أوي.. كان المفروض يفضل يوم تاني بره القاهرة.
نادية استغلت اللحظة، رمت الأباجورة في الحائط بعيد عنه، فصدر صوت صاخب خلى شريف يغمض عينيه ويغطي وشه، وفي نفس اللحظة ركضت نادية ناحية آدم، شالته بكل قوتها واخدته وراها، وبدأت تخبط على الباب بكل ما تملك من قوة وتصرخ
يا أمن.. يا أستاذ سليم.. هنا.. بسرعة!
شريف فقد أعصابه، رمى الحقنة على الأرض فانكسرت، واتجه ناحيتها عشان يمسكها، لكن في نفس اللحظة
افتح الباب يا شريف..